×
×

من مصر، سارة أحمد فؤاد تكتب: ما بين ربيع العرب، وخريف مينابوليس

أتعلمين يا عزيزتي؟ إنهم يقولون إن الرجل الأسمر البشرة (جورج فلويد) له سجل إجرامي؟ وكأن وجود سجل اجرامي يلغي عنه صفة الإنسان الذي له حقوق في الحياة والكرامة الإنسانية!

سارة أحمد فؤاد

صديقتي العزيزة، أتمنى أن تكوني بخير صحة وحال.

اود أن أكتب اليك نصًا انسانيًا بمناسبة مشاركتك المنشورة عن المظاهرات في الولايات المتحدة ضد العنصرية، على خلفية مقتل رجل ذي بشرة سمراء أثناء توقيفه.

أعترف أن مشاركتك عما دفعك للتظاهر كناشطة مدنية أوحي لي بكتابة هذا النص.

أتعلمين أين المفارقة يا عزيزتي؟ أن ثورتي تونس ومصر قد اندلعتا لنفس السبب. في تونس، تم اتهام بوعزيزي بالبيع في الشارع بدون ترخيص لنصب بضاعته، وفي مصر تم قتل الشاب خالد سعيد (الذي نحتفل بذكري وفاته بسبب التعذيب هذه الأيام). تعرض بوعزيزي للصفع من شرطية فأشعل النار في نفسه ليموت، وتعرض خالد سعيد للتعذيب من الشرطة حتى لفظ أنفاسه.

أتعلمين يا عزيزتي؟ إنهم يقولون إن الرجل الأسمر البشرة (جورج فلويد) له سجل إجرامي؟ وكأن وجود سجل اجرامي يلغي عنه صفة الإنسان الذي له حقوق في الحياة والكرامة الإنسانية!

كتب أحد أصدقائي الافتراضيين منشورًا عن مزايا “الربيع العربي”، وعن كونه ساعدنا على التخلص من مرض “النظر للمظاهرات بشكل رومانسي”، وأننا أصبحنا ننتظر نهاية المشهد بما تحمله من كوارث

في مصر أيضا، يقولون إن خالد سعيد لم يكن ملاكًا… وأنا لا يهمني أن يكون ملاكا أو شيطانا بشوكة ثلاثية، أو أن يخالف بوعزيزي قانون شغل الشارع من أجل لقمة العيش. جميعهم (جورج فلويد- خالد سعيد- محمد البوعزيزي) تعرضوا للعنف المفرط من الشرطة، وأدت وفاتهم لاشتعال العالم… وجميعهم كانوا بشرًا مخطئين، ويمكن أن يكونوا أشراراً! لكنهم لا يستحقون الاختناق والتعذيب والموت حرقًا وكمدًا.

بالعودة لربيع مينابوليس، أهو حقًا الربيع؟

كتب أحد أصدقائي الافتراضيين منشورًا عن مزايا “الربيع العربي”، وعن كونه ساعدنا على التخلص من مرض “النظر للمظاهرات بشكل رومانسي”، وأننا أصبحنا ننتظر نهاية المشهد بما تحمله من كوارث، انطلاقا من مصادرة الحريات، صعود المتطرفين، الاقتتال الأهلي وغياب العدالة.

أصبحنا ننتظر الكارثة بشغف، ونراهن عليها أيضًا؛ فلدينا الكثير من الذكريات السيئة التي لا تسمح بالتفاؤل وإنما تسمح فقط بأعراض كرب ما بعد الصدمة (تروما).

جميعهم (جورج فلويد- خالد سعيد- محمد البوعزيزي) تعرضوا للعنف المفرط من الشرطة، وأدت وفاتهم لاشتعال العالم… وجميعهم كانوا بشرًا مخطئين، ويمكن أن يكونوا أشراراً! لكنهم لا يستحقون الاختناق والتعذيب والموت حرقًا وكمدًا

أخبريني يا عزيزتي، لماذا يجب أن ننتظر من مظاهرات الولايات المتحدة الأمريكية أن تحمل لنا أملًا مختلفًا؟ العنصرية لن تنتهي، بل إنها مستمرة وتتمدد، مثل تنظيم الدولة الإسلامية، تمامًا.

لا أخفيكِ سرًا! نحن، المتشائمون، الهاربون من الأخبار، كثيرون للغاية.

عن الكوميديا الأرضية: انتفاضة العرب ضد العنصرية

خلال الفترة الماضية، سخر الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي من موجة التضامن العربي ضد العنصرية، كون من يشارك فيها هم أنفسهم من يمارسونها، حيث يضطهدون غير العربي، غير المسلم، غير السني، غير القوقازي الأبيض، غير الذكر، غير السليم جسديًا… والقائمة طويلة.

مرت عيناي على مشاركات من المملكة العربية السعودية، من لبنان، من مصر بالطبع، من المغرب والجزائر والسودان، لكنني أتذكر جيدًا القصص التي سمعتها من أصدقائي في مصر أكثر من مرة.

أخبريني يا عزيزتي، لماذا يجب أن ننتظر من مظاهرات الولايات المتحدة الأمريكية أن تحمل لنا أملًا مختلفًا؟ العنصرية لن تنتهي، بل إنها مستمرة وتتمدد، مثل تنظيم الدولة الإسلامية، تمامًا.

الكثير من أصدقائي المصريين من ذوي الأصول النوبية أو السودانية تعرضوا لحوادث عنصرية بشعة بسبب لون البشرة. أعلم أن أصدقائي المسيحيين يتعرضون للتنمر بلا توقف. بحكم عملي، أعرف جيدًا ما يقاسيه المهاجرين ذوو البشرة السمراء من عنصرية ومعاملة سيئة! أنا نفسي أتعرض للتنمر بسبب كوني لا أرتدي الحجاب، فيتم التعامل معي بتنمر على أساس أنني مسيحية، بل أنني تعرضت في بعض الأوقات للتنمر من مسيحيين اكتشفوا أنني مسلمة.

نتذكر وأصدقائي هذه الحوادث، ونضحك لإخفاء ما لدينا من ألم؛ لأن ما يصنع الثورات في بلد، يُعد ضمن مظاهر الحياة اليومية في بلد أخر!

اقرأ أيضا: أمريكا التي تخون أحلامها… موت جورج فْلويد

أحزان بلا جدوى، ودمعة سدي

عزيزتي الحالمة،

أستمر في مطالعة منشوراتك الجميلة التي توحي بقدر عالٍ من التفاؤل، وأصدق نفسي القول بأنني إن وُجدتُ في مثل هذه الظروف، لشعرت بالتفاؤل بالمثل. لكنني أكره أن أعكر صفو هذه الروح المفعمة بالأمل، لأنني ورفاقي أصبحنا لا نسعى سوى لإيقاف نزيف الخسارة.

علّمنا “الربيع العربي” ألا نحلم بعالم جديد؛ فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد، وأحزان بلا جدوى، ودمعة سدى

أصبحت على مشارف سن الثالثة والثلاثين… مجرد امرأة عجوز تبحث عن مقعد مريح، وتحاول جاهدة الحفاظ على ما تبقى لها من السلام النفسي كي تتمكن من اقتناص لحظات خاطفة من الزمن، لخطف بعض الأشرار ممن يهددون عالمها وإرسالهم لجحيم الأشرار في أحد الثقوب السوداء…

لا يحدثني أحد عن الثورات أرجوكم… حتى يقرر هوميروس أن يجعل لثوراتنا نهاية أكثر تفاؤلًا.

ماذا؟ النهايات المتفائلة لا تُباع في السوق هذه الأيام؟ لا يوجد سوي نهايات مأساوية أو عبثية؟! إذن، فلن نشتري ثورات حتى تتغير البضاعة المتاحة.

علّمنا “الربيع العربي” ألا نحلم بعالم جديد؛ فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد، وأحزان بلا جدوى، ودمعة سدى.

كوني بخير يا صديقتي، و”انتبهي عحالك” كي لا تصيبك نوبة عنصرية طائشة من هؤلاء الذين يعتبروننا من الجانب الأسوأ حظًا من العالم.

****

– أتعلمين ما هو الوطن يا صفية؟

– اغلق فمك قليلًا يا سعيد، وانهض لتبحث عن وطنك بدل محاولة تعريفه لي.

أنا أعرف ما هو وطني… فهل تعرفه أنت؟

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *