×
×

من مصر، سارة أحمد فؤاد تكتب: الحب في زمن الفيروس*

إذا ما فشلت، مثلي، في العثور على من يعترف لك بحبه قبل نهاية العالم، لا تتردد في الاعتراف للعالم بحبك. هذا هو ما يفعله الرومانسيون!

“سكَن الليلُ

أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ”

(نازك الملائكة- قصيدة الكوليرا).

عندما بدأ وباء كوفيد- 19 المعروف إعلامياً باسم “كورونا” في الانتشار، تخيلت مثل غيري أن هذا المرض لن يزيد عن كونه موجة جديدة من موجات داء الالتهاب الرئوي المعروف باسم (سارس)، والذي ضرب الصين والعالم في مرحلة سابقة خلال عام 2014. إلا أن الصورة كانت أكثر قتامة بكثير.

طالعتنا جميعاً عبر وسائل الإعلام الصور القادمة من مدينة ووهان الصينية، مدينة تبدو خالية تماماً وكأنما تسكنها الأشباح. حتى وقت قريب، كان العالم يتحدث عن تفشي مرض جديد في الصين، ليبدأ المرض في الانتشار خارج الصين، ويصل لكل من إيطاليا وبريطانيا، ويتحول المرض إلى وباء، ويرفرف علم الموت فوق رؤوس الجميع.

تحول كورونا بشهادة منظمة الصحة العالمية إلى وباء جديد، بعد أن انحسر زمن الأوبئة نتيجة للتقدم الذي أحرزه العالم في مجالات مكافحة الأوبئة والأمراض المعدية. أما بالنسبة لوباء الإيبولا الذي ينتشر على فترات متباعدة في بعض الدول الأفريقية، فهو يظل وباءً إفريقياً بدرجة كبيرة.

الرومانسية لا تعني أن نواجه النهاية بصدورنا العارية في انتظار نهاية العالم لنتبادل القبلات ثم نموت! يمكننا أن نتبادل القبلات المرسلة في الهواء دون التلامس، لأن التلامس له مخاطره الصحية الكبيرة التي قد تؤدي للعدوى

بمناسبة قصيدة الشاعرة نازك الملائكة عن وباء الكوليرا، من الجدير بالذكر أن الكوليرا قد انتشرت في اليمن خلال العامين الماضيين نتيجة انهيار النظام الصحي، وسوء التغذية بسبب الحرب. لكن الوباء لم يخرج من منطقة الشرق الأوسط، لذا يمكننا اعتباره وباءً محلياً.

علي أية حال، ماذا يعرف العالم عن الأوبئة؟ لا يهم!

الوباء يفرض تحديات جديدة على جميع الدول، الحكومات، والنظم السياسية والأفراد.

تراودني فكرة أن أروي تجربتي الشخصية، باعتباري أعيش في زمن وباء.

“في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ “.

هل أشعر بالخوف؟

منذ البداية، وأنا لا أشعر بالحد الأدنى من الخوف! في حياتي اليومية، أنا شخص على قدر عالٍ من الوسوسة، لا أتوقف عن تنظيف يدي باستمرار وغسلها، ومراعاة قواعد النظافة الشخصية والعامة بشكل يثير سخرية بعض معارفي. لكن الخوف من الإصابة بالوباء هو أمر مختلف.

هذا الوباء لا يدفع للهلع يا أصدقاء. الهلع الحقيقي يكمن في نوبة هلع تباغتك في الوقت الذي لا تستطيع فيه العثور على الدواء. أما الأوبئة، فهي لا ترقي للخوف الحقيقي الذي أحاول محاصرته داخلي على مدار اليوم.

استغرق مني الأمر الكثير من الوقت كي أستوعب الحقيقة المريرة: أنا لا أشعر بالقلق لأنني أتناول مضادات القلق كوني مريضة مزمنة بهذا النوع من الاضطرابات، ولكوني أعرف جيداً كيف يبدو القلق والهلع، أصبحت خبيرة في التعامل مع مثل هذا النوع من المخاوف!

هذا الوباء لا يدفع للهلع يا أصدقاء. الهلع الحقيقي يكمن في نوبة هلع تباغتك في الوقت الذي لا تستطيع فيه العثور على الدواء. أما الأوبئة، فهي لا ترقي للخوف الحقيقي الذي أحاول محاصرته داخلي على مدار اليوم. (راجع مقالي السابق على موقع مرايانا).

عن الخوف عندما يصبح جزءً من الحياة اليومية

يشعر الناس بالخوف (الصحي وليس المرضي) كنتيجة للظروف المحيطة، ويحاول الأفراد التغلب على خوفهم من الوباء باتباع الكثير من الإجراءات الاحترازية الوقائية.

يوجد لدى الأفراد الكثير من الأمور التي تدفعهم للخوف من الإصابة بالمرض: الخوف من الموت- وهو أمر طبيعي، بل ومشروع كذلك- والخوف من إصابة أطفالهم، أو الخوف من فقدان من يحبون.

لم تُخبرنا منظمة الصحة العالمية عن كيفية تعامل الأشخاص الذين لا يملكون جميع ما سبق مع الوباء!

هل هو أمر مخيف أن أواجه الوباء بمفردي؟ لا أظن! بل على العكس، هو أمر مطمئن لدرجة كبيرة.

صفحة من يوميات نهاية العالم

على سبيل السخرية المريرة، يتعامل بعض الأفراد مع الفيروس على أنه أحد السيناريوهات التي تخيلتها الأفلام الأمريكية عن نهاية العالم (راجع أفلام مثل World War Z, I’m Legend) وغيرها. أجد نفسي أفكر فيما يجب أن أقوم به عند نهاية العالم أو ما قد يفكر به الأشخاص العاديون.

فكرت في جميع هذه الاحتمالات، وقمت بتأمين احتياجاتي الخاصة من الشاي والقهوة، وبحثت في قائمتي فلم أجد أحداً لأصارحه بحبي قبل أن ينتهي العالم.

قد يلجأ الأفراد لاكتناز المواد والسلع الغذائية للإبقاء على حياتهم وأولادهم. أفراد آخرون قد يقومون بخطوة انتحارية بالاعتراف بحبهم لأشخاص آخرين لم يجرؤوا على مصارحتهم من قبل. للأسف، فقد فكرت في جميع هذه الاحتمالات، وقمت بتأمين احتياجاتي الخاصة من الشاي والقهوة، وبحثت في قائمتي فلم أجد أحداً لأصارحه بحبي قبل أن ينتهي العالم.

إذن، فلتزأر العاصفة كما يقول بوذا. لا يوجد ما يمكنني القيام به قبل النهاية.

ما بين شغف البدايات، ورومانسية النهايات

الأمور لا تبدو بالرومانسية التي يتخيلها المراهقون، فهجوم الأمهات على أقسام المنظفات في الأسواق، وما مارسوه من ضغوط على الحكومة من أجل تعطيل الدراسة، هو بدافع الحب الذي قد يظهر في الخوف على الأبناء. ما قام به الرجال من اصطحاب زوجاتهم للأسواق ودفع مبالغ كبيرة في شراء السلع الغذائية لتخزينها هو أمر نابع من حب الأسرة والرغبة في الحفاظ عليها وتأمينها، بالمعنى التقليدي المتعارف عليه في العصور القديمة لدور رب الأسرة، أو زعيمها!

الرومانسية لا تعني أن نواجه النهاية بصدورنا العارية في انتظار نهاية العالم لنتبادل القبلات ثم نموت! يمكننا أن نتبادل القبلات المرسلة في الهواء دون التلامس، لأن التلامس له مخاطره الصحية الكبيرة التي قد تؤدي للعدوى. هناك الكثير من الأشياء التي من الممكن أن نفعلها حين تجيء النهاية، عوضاً عن انتظارها أو تأملها بشكل عبثي.

على سبيل السخرية المريرة، يتعامل بعض الأفراد مع الفيروس على أنه أحد السيناريوهات التي تخيلتها الأفلام الأمريكية عن نهاية العالم

هناك الكثير من الأمور الرومانسية البلهاء التي يمكن أن تفعلها إذا كنت من محبي هذه الأمور. يمكنك شراء مطهرات وتوزيعها على المارة الذين لا تعرفهم. يمكنك المساهمة في نشر معلومات صحية سليمة لا تتسبب في إثارة الهلع عبر التواصل الاجتماعي! أو تعلم، ما هي قمة الرومانسية؟ أن تُعد نفسك للمشاركة في معسكرات متطوعين تُبقي نفسها على أهبة الاستعداد في حالة خروج الأمر عن السيطرة – لا قدر الله!

هذه المرة، ستأخذ رومنسيتنا طابعاً عقلانياً، يليق بما يزيد عن سبعة آلاف عام من الحضارة الإنسانية. كن شخصاً فاعلاً، ولا تنتظر من يمنحك حباً مجانياً.

إذا ما فشلت، مثلي، في العثور على من يعترف لك بحبه قبل نهاية العالم، لا تتردد في الاعتراف للعالم بحبك. هذا هو ما يفعله الرومانسيون، عزيزي القارئ!

“لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ

يبكي من قلبٍ ملتهِبِ

وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ

يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ

لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ

الموتُ، الموتُ، الموتْ

يا مصرُ شعوري مزَّقَهُ ما فعلَ الموتْ”

الشاعرة نازك الملائكة- قصيدة الكوليرا.

 

*مع الاعتذار لماركيز- مقال رومانسي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *