×
×

مقتل فلويد والنضال ضد العنصرية: محاكمة التاريخ والبديهيات!

… وها هي تلك التماثيل الشامخة، التي نحتت تكريما لأصحابها، وظلت لعشرات السنين رموزا تحيل إلى تاريخ “مجيد”؛ تحتل الميادين المهمة، وجد بعضها نفسه تحت أقدام المتظاهرين.

لم يكن مقتل جورج فلويد خبرا عاديا ليمر دون أن يترك وشمه في الناس وأثره على الأرض. بشاعة الصورة الحية التي نقلت موته، جعلت الكثير يوقن أن العنصرية ما زالت تنخر المجتمع الإنساني.

هذه المرة، لم يطالب الغاضبون، إذ هبوا إلى الشوارع، بالعدالة للضحية فقط، فالتشريعات على غزارتها لم تنجح في القضاء على العنصرية، إنما حاكموا أيضا رموزها التاريخية وبديهيات ترسخها… كما نتابع في هذا الملف.

جريمة قتل “غير عادية”

الـ25 من ماي 2020…

جورج فلويد

أثناء تفتيش للشرطة في مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية، جَثا ضابط يُدعى “ديريك تشوفين” بركبته على عنق رجل يُحاول اعتقاله، ثمّ راح يضغط عليه يشل حركته أرضا.

“لا أستطيع التنفس!”، بدأ الرّجل يصرخ بعد دقائق؛ يستجدي الهواء…

لا الشرطيُّ أبِهَ ولا ثلاثة من رفاقه!

في الأثناء، كانت فتاة تُصوّر المشهد… لم تكن ربما حينها تعلم أنها توثّق اللحظات الأخيرة في حياة الرجل، الذي يُدعى جورج فلويد…

لكن فلويد… مات!

اقرأ أيضا: ‪ العنصرية… داء لا دواء له‬

قتلته الشرطة إثر ادعاء يقول إنه حاول شراء طعام باستخدام عملة ورقية، وصفها موظف محل البقالة بـ”المزورة”.

حملت الفتاة المشهد الذي صوّرته إلى شبكات التواصل الاجتماعي، و… سرعان ما انتثر هناك كالملح؛ يوقظ جرحا غائرا في حياة الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية.

مقتل فلويد، كان الصحوة الأحدث في تاريخ مكافحة وباء العنصرية، فقد بدا أنه لم يُقتل لشيء… سوى لأنه أسود البشرة!

اندلعت المظاهرات محليّةً، ثم أخذت رقعتها تتسع؛ تمتد يوما بعد آخر إلى أنحاء العالم.

طالبت في البداية بالعدالة للضحية، ثم اقتُرِحت تشريعات في الولايات المتحدة تهدف إلى مكافحة سوء سلوك الشرطة…

اقرأ أيضا: من مصر، سارة أحمد فؤاد تكتب: ما بين ربيع العرب، وخريف مينابوليس

لكن، كما قال الناشط الإنساني مارتن لوثر كنغ، تنخر المجتمعَ الأمريكي أربعةُ أمراض: الفقر، ثقافة الاستهلاك، العسكرة… والعنصرية.

ومقتل فلويد، كان الصحوة الأحدث في تاريخ مكافحة وباء العنصرية، فقد بدا أنه لم يُقتل لشيء… سوى لأنه أسود البشرة!

محاكمة شعبية

ألغت الولايات المتحدة العبودية في مواد دستورها منذ مائة وخمسين عاما، وتلا ذلك نضال حقوقي ستينيات القرن الماضي، انتهى بإصدار قانون الحقوق المدنية… فهل خبت العنصرية؟

لا… والشواهد على ذلك كثيرة، ومقتل فلويد وفق البعض قد لا يكون آخرها.

ويظهر أن الحادث الأخير نبّه أكثر من أي وقت مضى إلى أن التاريخ ما زال يُغذيها وأن الثقافة ترويها!

في المغرب أيضا، يدعو البعض إلى إزالة تمثال المارشال ليوطي من القنصلية الفرنسية بالدار البيضاء، بوصفه شخصية استعمارية قتلت آلاف المغاربة.

… وها هي تلك التماثيل الشامخة، التي نحتت تكريما لأصحابها، وظلت لعشرات السنين رموزا تحيل إلى تاريخ “مجيد”؛ تحتل الميادين المهمة، وجد بعضها نفسه تحت أقدام المتظاهرين.

تلك التماثيل، بحسب هؤلاء، رموز استعمارية تحيي ذكرى الاسترقاق والاضطهاد والميز العنصري.

اقرأ أيضا: من كندا، عبد الرحمان السعودي يكتب: عاشت الولايات المتحدة “السَّنفورية”…

في ما يُشبه محاكمة شعبية، شهدت عدة ولايات أمريكية تخريب عدد من تماثيل “مكتشف العالم الجديد”، كريستوف كولومبوس.

تماثيل المستكشف الإيطالي، وفقهم، إحدى “الأسس المؤلمة” للبلاد بالنظر إلى ما اقترفه في حق الهنود الحُمر من فظاعات وإبادة.

من التماثيل التي خرّبها المتظاهرون

المصير نفسه لقيه تمثال أول رئيس للولايات المتحدة، جورج واشنطن، الذي يروى أنه كان يمتلك عبيدا… وقد كُتبت على تمثاله عبارة لافتة: “أنت على أرض السكان الأصليين”.

إعادة النظر في الرموز، طالت الأسماء أيضا، فكلية وودرو ويلسون، هذا الرئيس الذي عرف بتأييده للعنصرية، بات اسمها منذ أيام كلية العلوم السياسية.

هناك نقاش حول تغيير اسم العاصمة واشنطن كذلك!

اقرأ أيضا: كاتبة أمريكية: هكذا تُفاقِم العنصرية البيئية انتشار الجائحات

في بلجيكا، استهدف متظاهرون تماثيل الملك ليوبولد الثاني، الذي يعتبره المؤرخون المسؤولَ عن الإبادة الجماعية في حق سكان الكونغو إبان استعمارها.

ذهب الأمر بالملك الحالي، فيليب، حد الإعراب عن أسفه إزاء “جراح الماضي تلك”، وإقراره بـ”الأعمال الوحشية” التي ارتكبها ليوبولد، متعهدا بمواصلة مكافحة كل أشكال العنصرية.

ثمة وجهة نظر ثالثة؛ اعتبرها البعض حلا وسطا… أن تُنقل هذه التماثيل إلى متاحف بدل تدميرها؛ هناك حيث يمكن أن تُشاهَد بجانب شروحات عن تاريخ الاستعمار والعبودية.

أما في بريطانيا، فانتهى تمثال تاجر رقيق في مياه البحر، بينما كان تمثال رئيس الوزراء الشهير، ونستون تشرشل، قاب قوسين من نيل المصير نفسه، بعدما وصفه المتظاهرون بـ”العنصري”.

في المغرب أيضا، يدعو البعض إلى إزالة تمثال المارشال ليوطي من القنصلية الفرنسية بالدار البيضاء، بوصفه شخصية استعمارية قتلت آلاف المغاربة.

اقرأ أيضا: هل المغاربة عنصريون؟

إلا أن الحملة العالمية هذه، لم تنل بالمقابل استحسان البعض تحت ذريعة أنها “تطمس التاريخ”. الرئيس الأمريكي، مثلا، انتقدها، وكذلك كان الحال مع الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني…

ثمة وجهة نظر ثالثة؛ اعتبرها البعض حلا وسطا… أن تُنقل هذه التماثيل إلى متاحف بدل تدميرها؛ هناك حيث يمكن أن تُشاهَد بجانب شروحات عن تاريخ الاستعمار والعبودية.

خطوة أخرى

فرضت المظاهرات الأخيرة على كثير من الشركات، تغيير أسماء منتجاتها، أو شعاراتها، أو بعضا من الكلمات التي تستخدمها في إعلاناتها.

إنها أشياء كانت، إلى زمن قريب، من قبيل البديهيات في السوق… إلا أن مقتل فلويد أبرز أنها تحمل إيحاءات ودلالات تُخفي في طياتها الكثير من العنصرية.

تشير بعض التقديرات إلى أن مشاهير العالم وشركات كبرى، رصدوا ما مجموعه نحو 550 مليون دولار لدعم المساواة ومكافحة التمييز العنصري.

شركة “لوريال” الفرنسية لمستحضرات التجميل، قررت مثلا حذف كلا من عبارات “أبيض”، “تبييض”، “تفتيح” وما يشبهها من عبوات منتجاتها التي تحمل هدفا كهذا.

“كولغيت” أيضا بدأت مراجعة اسم منتجها “دارلي”، الذي يباع على نطاق واسع في آسيا لأن الاسم يعني: “معجون أسنان الرجل الأسود”.

اقرأ أيضا: التسامح: مفهوم ينخره النفاق؟ 2\3

في سويسرا، سحبت شركة “ميغروس” من محلاتها منتج شوكولاتة يحمل اسم “مورينكوب”… ببساطة لأنه يعني “رأس العبد “!

المعجون العنصري “دارلي”

حتى شركة “والت ديزني” أعلنت تجديد لعبة الملاهي “سبلاش ماونتن”، لتكون “تيانا” أول أميرة ببشرة داكنة في تاريخ اللعبة.

هذا غيض من فيض… وفي ما يُشبه رميا للكرة إلى ملعب شبكات التواصل الاجتماعي، انخرطت نحو مائتي شركة عالمية في حملة لمقاطعة النشاط الإعلاني على “فيسبوك”.

تقول هذه الشركات إن “فيسبوك” تساهلت مع المنشورات المؤيدة للعنف والكراهية التي أعقبت المظاهرات التي تلت مقتل فلويد.

تشير بعض التقديرات أيضا إلى أن مشاهير العالم وشركات كبرى، رصدوا ما مجموعه نحو 550 مليون دولار لدعم المساواة ومكافحة التمييز العنصري.

المشهد البشع الذي صوّرته الفتاة تلك إذن دفع إلى إحياء النقاش حول حياة ذوي البشرة السمراء… وما أعقبه، يمني كثيرٌ نفسه، أن يكون آخر الخطوات في طريق القضاء على العنصرية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *