×
×

من مصر، أحمد محمد عبده يكتب: كيمياء الدين والتدين… التقرب إلى الله بقتل خلقه 2/2

تفور كل التقاطعات/ “المواد الكيميائية” بدواخلهم، فتصير لهم طبيعة هجومية، ونوع من الهوس، فيسخطون على البشر والحجر، يضعون اليهودي والمسيحي والبوذي والشيوعي والليبرالي والعلماني والمسلم الذي لم ينضم لمعتقداتهم… الكل في كفة واحدة، هي كفة الكفار.
المتطرف… يتقرب إلى الله بقتل الناس، فهو أصدر الحكم بكفرهم، يستعذب الموت “في سبيل الله”، فيُفجر نفسه في سوق أو قطار، وعينه على حوريات الجنة.

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، كيف تُنتِج كيمياء الدين والتدين، بروفيلات مختلفة للخاضعين لهذه التفاعلات، وكيف تتتنقل فيهم وبهم، عبر مسارات الوسطية، والدروشة… والتطرف.

في هذا الجزء الثاني والأخير، نقتفي سيرة القتل في ذات المعادلات الكيميائية، حين تصير الوحشية دينا، وحين يستعذب بشر قتل الآخر، بدعوى التقرب من الخالق.

أحمد محمد عبده: روائي وباحث مصري

الفكر المتشدد معاكس للفكر الحر الطليق، يتمسك بحرفية النصوص، لا يعترف بالمواءمة بين النصوص وحركة الحياة، يرفض حمل النصوص لأكثر من وجه، يجتزئ من السياقات القرآنية والأحاديث ما يخدم توجهه، لا يعترف بمستجدات الحياة، مع أنه يركب الطائرة تاركاً الخيل والجمال، حاملا الكلاشنكوف، مستغنياً عن السيف لقتل من يعارضه، ومن هم على غير ملته.

موت الفكر عنده، واعتقاده بمثالية إيمانه، جعل قتل الإنسان عنده في قيمة قتل الذباب، فهو يشعر بالفوقية والوصاية. والذبح يوفر الطلقة، ويروي النهم، ويشفى الغليل، ويُشبع السادية، وهو أفظع في توصيل العبرة، وبرهان على مدى “جهاده وكفاحه”… بكثرة ما قطع من رؤوس، فهو قد توصل للحقيقة المطلقة، وعرف ما لا يعرفه الآخرون.

وقد أفصح لنا عن ذلك، أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش بقوله: “احرصوا في شهركم هذا (رمضان) على القربى إلى الله بدماء الكفار، فقد وجدناها والله خير قربى”.

فمن هم الكفار؟ … تلك هي إشكالية العصر.

يجتزئون المقطع من سياق الآية، ليجتزئوا بعدها رقاب الناس، على غرار: ولا تقربوا الصلاة… فيقولون: قاتلوا المشركين كافة… واقتلوهم حيث وجدتموهم، وغير ذلك من الأحكام المشروطة.

… التشدد الديني يؤدي إلى الهوس، وقد ينقلب إلى نوع من الجنون/الجنوح. علىّ بن أبي طالب، أحرق المهووسين به من الشيعة، حينما جعلوه إلهاً، فما كان منهم إلا أن أصروا على موقفهم وعنادهم واعتقادهم حتى وهم يُحرقون، بل اتخذوا من تعذيبه لهم بالنار دليلاً على أنه هو الإله المعبود، إذ لا يُعذِّب بالنار غير الإله.

تتخايل عندهم صورة بادية مكة، فتتفاعل مع صورة شارع الهرم بالقاهرة وشارعي المتنبي وكسروان بلبنان، أو مدن لاس فيجاس وهوليود بأمريكا. كما تتخايل عندهم صورة الصحابيات، مقابل صور نجمات السينما، والميني جيب في الشوارع.

أيضاً… تتخايل عندهم سيرة الصحابة، مقابل حياة المعاصرين، وخاصة رجال السياسة والسلطة، وقدسية الخليفة والخلافة مقابل بطلان مسمى الرئيس والجمهورية، أو الملك والمملكة… وأيضاً، الشريعة مقابل القوانين الوضعية.

تفور كل التقاطعات/ “المواد الكيميائية” بدواخلهم، فتصير لهم طبيعة هجومية، ونوع من الهوس، فيسخطون على البشر والحجر، يضعون اليهودي والمسيحي والبوذي والشيوعي والليبرالي والعلماني والمسلم الذي لم ينضم لمعتقداتهم… الكل في كفة واحدة، هي كفة الكفار.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”… عن خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/1

 ينُصِّبون أنفسهم أوصياءً وحراساً على العقيدة، يُحدِّث الواحد منهم نفسه ــ تنفيذاً لحروف النص ـــ بالغزو والجهاد، بمناسبة وبغير مناسبة، حتى لو كان في أهله وشعبه، لمجرد تحقيق وتنفيذ الحديث أو الآية، فقد سيطرت على عقله قراءاته في ابن تيمية والمودودي وسيد قطب وغيرهم من فقهاء التشدد، ولو كان الرسول لم يتخير من الأمور إلا أيسرها.

المتطرف… يتقرب إلى الله بقتل الناس، فهو أصدر الحكم بكفرهم، يستعذب الموت “في سبيل الله”، فيُفجر نفسه في سوق أو قطار، وعينه على حوريات الجنة.

وربما يحدث هذا التحول، أو ذلك المنعطف الحاد، لشخص كان متحللاً وإباحياً أو حتى ملحداً، فتراه وقد انقلبت أحواله 180 درجة، فيفجر القنابل في شوارع باريس وبروكسل.

نفس التفاعلات، من الممكن ــ وبمعادلات من نوع آخر في ذات المعمل ــ  أن تقوده إلى الشك والتشكك والإلحاد، وهو ما يمكن تسميته بالتطرف المقابل.

 ****

… التشدد الديني يؤدي إلى الهوس، وقد ينقلب إلى نوع من الجنون/الجنوح. علىّ بن أبي طالب، أحرق المهووسين به من الشيعة، حينما جعلوه إلهاً، فما كان منهم إلا أن أصروا على موقفهم وعنادهم واعتقادهم حتى وهم يُحرقون، بل اتخذوا من تعذيبه لهم بالنار دليلاً على أنه هو الإله المعبود، إذ لا يُعذِّب بالنار غير الإله. وأنديرا غاندي، رئيسة وزراء الهند، كانت تنتمي لطائفة الهندوس، أصدرت أوامرها للشرطة الهندية بدخول المعبد الذهبي الخاص بطائفة السيخ، فخرَّبته الشرطة، فقتلها اثنان من حراسها الشخصيين، ينتميان إلى طائفة السيخ. فما الذي اختمر في نفس الحارسين؟.

ينُصِّبون أنفسهم أوصياءً وحراساً على العقيدة، يُحدِّث الواحد منهم نفسه ــ تنفيذاً لحروف النص ـــ بالغزو والجهاد، بمناسبة وبغير مناسبة، حتى لو كان في أهله وشعبه، لمجرد تحقيق وتنفيذ الحديث أو الآية، فقد سيطرت على عقله قراءاته في ابن تيمية والمودودي وسيد قطب وغيرهم من فقهاء التشدد، ولو كان الرسول لم يتخير من الأمور إلا أيسرها.

… الشاب اليهودي إيجال آلون، قاتل اسحق رابين، رئيس وزراء إسرائيل، قال في المحكمة الإسرائيلية: “لقد أمرني الربُ بذلك، وأنا لستُ نادماً”، ربما… هو نفس الهوس الذي اجتاح شابا من سوهاج ـــ طالعتنا الأخبار وقتها ـــ أنه أشعل النار في بيتهم، لأن والده ووالدته رفضا الذهاب معه لاعتصام رابعة العدوية.

… وما الذي جعل فتاة دمنهور تبكي، وهي تتلو صيغة التشيع خلف الإمام الشيعي على شاشة التلفاز؟ وتشتد حرقة بكائها عند: “وإني أبرأُ إلى الله من أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية وعائشة وحفصة وأشهد أنهم في النار؟… ما الذي كان يتفاعل بداخلها في لحظة هذا التحول العقائدي؟

هناك نوع آخر من التفاعل الكيميائي العقائدي في الإنسان، يشكل لحظة استثنائية، حياة الإنسان فيها ـــ ذلك الذي يخاف من شكة الدبوس ـــ تساوى صفراً…

اقرأ أيضا: من نقد التراث إلى نقد العقل، كيف أسس الجابري لنقد العقل العربي 1/3

 هذه المرة الوطن هو الدافع، والدافع لهذا جاء من اتجاهين متداخلين، اتجاه مادي هو الظلم وسلب الحق ورفض القهر، مدعوماً باتجاه روحي مستمد من الدين: الحافز.

نتحدث هنا عن فكرة الشهادة. هانت عليه نفسه، فاعتمل الظلم مع الحرمان مع القهر، مع ما استقر في الوجدان عن نعيم الجنة، فأقدمت وفاء إدريس وآيات الأخرس ـــ على سبيل المثال ـــ فتاتان في عمر الزهور، إحداهما سلخت نفسها من جوار عريسها ليلة عُرسها، كل منهما فجَّرت نفسها بحزام ناسف، وسط تجمعات إسرائيلية…

… إنها كيمياء النفس البشرية العجيبة.

لقراءة الجزء الأول: كيمياء الدين والتدين… الوسطية، التصوف والتطرف 1/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *