×
×

من نقد التراث إلى نقد العقل، كيف أسس الجابري لنقد العقل العربي 1/3

للبحث في طريقة تكوين العقل العربي، سيعود الجابري لتناول العلاقة بين اللغة والفكر، في إطار ما يسمى بـ “الابستمولوجيا الثقافية”.
… يخلص الجابري إلى اعتبار أن الأعرابي هو صانع الوعي العربي، إذ يقول: “فهل نبالغ إذا جنحنا إلى القول بأن الأعرابي هو فعلا صانع “العالم” العربي. العالم الذي يعيشه العرب على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال، بل على مستوى العقل والقيم والوجدان، وأن هذا العالم ناقص فقير ضحل وجاف، حسي-طبيعي، لا تاريخي، يعكس “ما قبل تاريخ” العرب: العصر الجاهلي، عصر ما قبل “الفتح” وتأسيس الدولة”.

سبق أن توقفنا عند سيرة محمد عابد الجابري، وعند أسواط النقد المنهجي الذي تعرض له، خاصة من طرف جورج طرابيشي.

مرايانا تخصص هذه السلسلة لتسليط الضوء على مشروع نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري، الذي أثار ومازال يثير جدلا كبيرا.

من نقد التراث إلى نقد العقل

من منتصف الخمسينيات إلى ثمانينات القرن الماضي، كان النقاش الأساسي المطروح على الساحة العربية هو أسلوب التعامل مع التراث. تعددت الرؤى بين من يدفع في اتجاه القطيعة معه، وبين من ينادي بالاكتفاء به، والاشتغال عليه من الداخل، وبين من يعتبر العودة إليه أمرا لا مفر منه.  نقاش طرح على مستوى الموضوع وعلى مستوى المنهج أيضا.

في هذا السياق ولد نقد العقل العربي، الذي جاء في رباعية ضمت: “تكوين العقل العربي” (1982)، “بنية العقل العربي” (1986)، “العقل السياسي العربي” (1990) و“العقل الأخلاقي العربي” (2006)”. بعض الباحثين يعتبرون أن كتاب “نحن والتراث” الذي صدر سنة 1980، يعتبر بدوره، بمثابة مقدمة لمشروع الجابري الفكري، إلا أن آخرين يعتبرون أن التأسيس الحقيقي لمشروعه، كان مع “تكوين العقل العربي”.

اعتمد النحاة في عملية تقعيد اللغة العربية على السماع والقياس أساسا، أي قياس الغائب على الشاهد، وحصر جذور اللغة، وهو ما سيستورده الشافعي منهم، أثناء وضعه لأصول الفقه، حيث سيستبعد الاستحسان لصالح القياس، أي بصيغة أخرى، إبعاد سلطة المنطق لصالح سلطة النص.

يقول الجابري عن مشروعه، إنه لم يتجه إلى الاشتغال على التراث، ولكنه اتجه إلى نقد العقل الذي أنتج هذا التراث، معتبرا أن ما قام به من نقد للعقل العربي، كان يجب أن يتجه البحث إليه منذ بداية ما يعرف بالنهضة العربية.

يتساءل الجابري في مقدمة كتابه “تكوين العقل العربي”: “وهل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض؟ عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه؟”.

هكذا… ذهب الجابري إلى أن هذا أهم أسباب تعثر مشروع النهضة العربية. مضيفا أن المهمة التي يطمح إليها مشروعه، هي “استئناف النظر في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية من جهة أولى، وبدء النظر في كيان العقل العربي وآلياته من جهة ثانية”.

البحث في مصادر تكوين العقل العربي

سيبحث ناقد العقل العربي، في كتابه “تكوين العقل العربي”، داخل مصادر تكوين هذا العقل وطريقة تشكله، منطلقا من تعريف العقل على أنه: “الفكر بوصفه أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية بالذات. الثقافة التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام، وتعكس واقعهم، أو تعبر عنه، وعن طموحاتهم المستقبلية؛ كما تحمل وتعكس وتعبر في ذات الوقت، عن عوائق تقدمهم وأسباب تخلفهم الراهن”.

اقرأ أيضا: محمد أركون… المفكر الذي لم يهادن التراث والفكر الإسلامي!

هكذا إذن، سيقسم الجابري العقل إلى عقل مكوِّن، أو العقل الفاعل، وعقل مكوًّن أو العقل السائد، وهو تقسيم استلهمه من تمييز لالاند؛ فالعقل المكوِّن هو ميزة أو ملكة مشتركة بين جميع البشر، أما العقل المكوَّن فهو جملة المبادئ والقواعد التي تحكم ثقافة ما. وبالتالي، فإن العقل العربي هو جملة القواعد والمبادئ التي يقدمها نظام الثقافة العربية.

للبحث في طريقة تكوين هذا العقل، سيعود الجابري لتناول العلاقة بين اللغة والفكر، لا من وجهة نظر فلسفية أو سيكولوجية أو لسانية، وإنما في إطار ما يسمى بـ”الابستمولوجيا الثقافية”؛ أي البحث في أساسيات المعرفة ونظامها، وآليات إنتاجها داخل الثقافة العربية، وذلك عبر العودة إلى عصر التدوين.

عصر التدوين بداية انطلاق الحضارة الإسلامية

كان عصر التدوين مفهوما نحته الجابري. ويقصد بعصر التدوين تلك الحركة الكبرى التي تشكلت ما بين منتصف القرن الثاني الهجري والرابع الهجري، لتدوين وتقعيد اللغة العربية خوفا من ضياع اللغة القرآنية. استند النحاة في ذلك على لغة الأعراب، باعتبار أن البدو ظلوا بعيدين عن المؤثرات الخارجية، على عكس المدن التي شهدت امتزاجا كثيفا.

يخلص الجابري إلى أن: “الثقافة العربية، بوصفها الإطار المرجعي للعقل العربي، نعتبرها ذات زمن واحد منذ أن تشكلت إلى اليوم. زمن راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية. يعيشه دون أن يشعر بأي اغتراب أو نفي في الماضي، عندما يتعامل فكريا مع شخصيات هذا الماضي، أدبائه ومفكريه، بل بالعكس هو لا يجد ذاته تمام ذاته، لا يشعر بالاستقرار، ولا بحسن الجوار إلا باستغراقه فيه وانقطاعه له”.

اعتمد النحاة في عملية التقعيد هذه على السماع والقياس أساسا، أي قياس الغائب على الشاهد، وحصر جذور اللغة، وهو ما سيستورده الشافعي منهم، أثناء وضعه لأصول الفقه، حيث سيستبعد الاستحسان لصالح القياس، أي بصيغة أخرى، إبعاد سلطة المنطق لصالح سلطة النص.

الجابري لا ينفي إعجابه بالسرعة التي تمت بها عملية الانتقال بالعربية من مستوى اللاعلم إلى مستوى العلم بمبادئ ومقدمات منطقية صارمة، بقوله: “والحق أن ذلك العمل العظيم الذي تم في عصر التدوين على مستوى جمع اللغة وتقعيدها كان بالفعل أشبه شيء بالمعجزة. وهل المعجزة شيء آخر غير “خرق العادة”.

اقرأ أيضا: ميمونيدس.. مفكر يهودي أم مفكر إسلامي؟

لكنه، في المقابل، سينتقد الأمر ذاته، باعتباره سيصبح ذلك القالب الذي سيتشكل فيه الفكر، وسيحول اللغة العربية إلى لغة لا تاريخية: “والنتيجة هي أن اللغة العربية الفصحى، لغة المعاجم والآداب والشعر، وبكلمة واحدة لغة الثقافة، ظلت وما تزال تنقل إلى أهلها عالما يزداد بعدا عن عالمهم، عالما بدويا يعيشونه في أذهانهم، بل في خيالهم ووجدانهم. عالم يتناقض مع العالم الحضاري-التكنولوجي الذي يعيشونه والذي يزداد غنى وتعقيدا”.

الأعرابي صانع الحضارة العربية

بناء على ذلك، يخلص الجابري إلى اعتبار أن الأعرابي هو صانع الوعي العربي، إذ يقول: “فهل نبالغ إذا جنحنا إلى القول بأن الأعرابي هو فعلا صانع “العالم” العربي. العالم الذي يعيشه العرب على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال، بل على مستوى العقل والقيم

النتيجة حسب الجابري، هي أن اللغة العربية الفصحى، لغة المعاجم والآداب والشعر، وبكلمة واحدة لغة الثقافة، ظلت وما تزال تنقل إلى أهلها عالما يزداد بعدا عن عالمهم، عالما بدويا يعيشونه في أذهانهم، بل في خيالهم ووجدانهم. عالم يتناقض مع العالم الحضاري-التكنولوجي الذي يعيشونه والذي يزداد غنى وتعقيدا”.

والوجدان، وأن هذا العالم ناقص فقير ضحل وجاف، حسي-طبيعي، لا تاريخي، يعكس “ما قبل تاريخ” العرب: العصر الجاهلي، عصر ما قبل “الفتح” وتأسيس الدولة”.

هكذا إذن سيتشكَّل العقل العربي، وتوضع أسسه الأولى والنهائية والمستمرة خلال عصر التدوين، والتي لم تتغير، ومازالت سائدة حتى الآن. “الثقافة العربية، بوصفها الإطار المرجعي للعقل العربي، نعتبرها ذات زمن واحد منذ أن تشكلت إلى اليوم. زمن راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية. يعيشه دون أن يشعر بأي اغتراب أو نفي في الماضي، عندما يتعامل فكريا مع شخصيات هذا الماضي، أدبائه ومفكريه، بل بالعكس هو لا يجد ذاته تمام ذاته، لا يشعر بالاستقرار، ولا بحسن الجوار إلا باستغراقه فيه وانقطاعه له”.

كانت هذه الخلاصة التي وصل إليها الجابري في نهاية الكتاب الأول من مشروعه، فيما سيخصص الجزء الثاني لدراسة النظم المعرفية للعقل العربي التي وزعها إلى ثلاث نظم “عقل بياني، عقل عرفاني، عقل برهاني”.

لقراءة الجزء الثاني: من نقد التراث إلى نقد العقل، الجابري يوثق لـ “استقالة العقل العربي” 2/3

لقراءة الجزء الثالث: من نقد التراث إلى نقد العقل: الجابري يفكك عقل الغنيمة، القبيلة وشرعنة الاستبداد 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *