×
×

هذه حكاية التصوف في المغرب… بلاد الأولياء والصالحين!

صعبٌ الجزم بأن هنالك تحقيبا دقيقا لبدايات التصوف بالمغرب. أما المؤكد، فإنه: منذ طرق الإسلام باب هذه البلاد، وشيء من التصوف قد أخذ يزرع إرهاصاته بها… ربما تأخر الحصاد، لكن، حين جاء موسمه صار المغرب إلى اليوم، يعرف بـ”بلد الأولياء والصالحين”.

كريم الهاني
كريم الهاني

صعبٌ الجزم بأن هنالك تحقيبا دقيقا لبدايات التصوف بالمغرب. أما المؤكد، فإنه منذ طرق الإسلام باب هذه البلاد، وشيء من التصوف قد أخذ يزرع إرهاصاته بها… ربما تأخر الحصاد. لكن، حين جاء موسمه صار المغرب إلى اليوم، يعرف بـ”بلد الأولياء والصالحين”.

نعم… “إذا كان المشرق بلاد الأنبياء، فالمغرب بلاد الأولياء”؛ ذلك أنه “ينبت الصالحون بالمغرب كما تُنبت الأرض الكلأ”. هكذا يقول الكثيرون، حتى إن التصوف اليوم يكاد يكون ركنا لا محيد عنه في فهم المغرب للإسلام… وفي ذلك ربما بعض المآرب!

يُخيّل إلينا بالحديث عن التصوف، أن مجراه سيأخذنا إلى الحلاج أو ابن عربي… إلى شعاب الجبال، حيث يهجر المتصوف قومه ويزهد في دنياه… إلى فكرة أن الله هو صورة هذا العالم المخلوق…

التصوف قبل أن يغدو ظاهرة في المغرب، كان في البدء متناثرا… كان يتسم بالأحادية الفردية. كل متصوف يغرق في زهده لوحده، ويتعبد لوحده، دون أي تنسيق مع غيره من المتصوفة، فكان لكل منهم طقوسه وقواعد تصوفه المحددة والمتفردة.

بيد أن هذا اتجاهٌ، من بين اثنين… آخرُهما يعرف بمدرسة السلوك والأخلاق، وأشهر أعلامه، متصوف ولد ببغداد ذات يوم من القرن الثالث الهجري، اسمه أبو القاسم الجنيد.

مما نظمه من شعر، فقيه القرويين ابن عاشر، بيتٌ يصف ثوابت المغرب الدينية، جاء فيه: “في عقد الأشعري وفقه مالك… وفي طريقة الجنيد السالك”.

التصوف بفهمه الثاني، إذن، والذي يمثله أبو القاسم الجنيد، هو الذي يتبناه المغرب رسميا. عَلام؟ لأن غاية التصوف في المغرب، التحلي بالأخلاق المحمدية؛ والتصوف الذي دعا إليه الجنيد، تصوف أخلاقي ذوقي.

اقرأ أيضا: الأمن الروحي… مفهوم “مستحدث” لمواجهة التطرف أم حجر على حرية التعبير؟ 2/1

يقول الجنيد كما ورد في “حلية الأولياء” لأبي النعيم الأصفهاني: “علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه، لا يقتدى به”. وفي موضع آخر: “التصوف هو اجتناب كل خلق دني واستعمال كل خلق سني، وأن تعمل لله ثم لا ترى أنك عملت”.

من التصوف الفردي إلى التصوف الجماعي

لكي يصبح المغرب بلد الأولياء والصالحين، مر في ذلك بتغيرات كثيرة حتى استقر على ما هو عليه اليوم.

التصوف قبل أن يغدو ظاهرة في المغرب، كان في البدء متناثرا… كان يتسم بالأحادية الفردية. كل متصوف يغرق في زهده لوحده، ويتعبد لوحده، دون أي تنسيق مع غيره من المتصوفة، فكان لكل منهم طقوسه وقواعد تصوفه المحددة والمتفردة.

شيئا فشيئا، راحت هذه الممارسات التعبدية تتشذّب بفعل تجذر الإسلام في المغرب، وهبوب النفحات الصوفية من المشرق والأندلس. ثم، مع حلول القرن الثاني عشر الميلادي، كان التصوف قد بدأ يضع عنه عباءة “الفردية”، ويرتدي تلك “الجماعية” في إطار منظم ومؤطر وممنهج.

يمكن تضييقُ جماعية التصوف في طريقين أخذتهما على نحو متواز… الأول؛ تنظيميٌّ وقد ظهرت فيه المقامات؛ أي القوالب والمدارج التي تؤطر هذا التصوف؛ إذ لم يعد ممكنا الانتقال من مقام لمقام حتى يستوفي المتصوف أحكام المقام السابق.

اقرأ أيضا: خيرونة الفاسية… “زعيمة” المذهب الأشعري بالمغرب

أما الثاني؛ فتنظيريُّ وقد ظهرت فيه جملة من الكتب المشرقية والمغربية، التي تأخذ طابع التنظير للفكر الصوفي، وتنير درب المتصوفة؛ أو أهل الطريق كما صار يطلق عليهم.

صحيح أن أعلام التصوف في المغرب، آنذاك، كانوا أقل تأليفا في الفكر الصوفي مقارنة مع المشارقة والأندلسيين. بيد أن أخبارهم، مواقفهم وأعمالهم، قد بلغت المدى. ولا شك أن التفاعل مع المجتمع واتخاذ شكل مؤسسي، مثّلا ما يمثله القطبُ للرّحى في تجذر التصوف بالمغرب ونضجه وازدهاره.

ما بين الانحراف والإصلاح

في كتابه “مؤسسة الزوايا بالمغرب”، يضع الباحث في الشؤون الدينية، محمد ضريف، تحقيبا آخرا للتصوف بالمغرب، إذ يرى أنه تطور على مرحلتين… مرحلة التبعية، ومرحلة مغربة التصوف.

أما التبعية؛ فيُقصد بها أن التصوف في البدء إذ ظهر في المغرب، كان مشرقي الهوى. وفيما بعد، والحديث هنا عن المرحلة الثانية، بدأت محاولة مغربته.

اقرأ أيضا: “الأصولية” في الديانات الثلاث: مدخل (الجزء الأول)

مغربةُ التصوف، وفق ضريف، مرحلةٌ دشنها عبد السلام بن مشيش، وقد سعى فيها إلى التميز عن التابعين، أمثال أبي مدين الغوث وعلي بن حرزهم. ثم أكمل مسعاه تلميذه أبو الحسن الشاذلي، ليصل الأمر ذروته مع محمد بن سليمان الجزولي.

الواقع أن اتخاذ المتصوفين لبعض الأقطاب كمراجع للاقتداء في السلوك الصوفي، ومن ثم ظهور جماعات تسمى بـ”الطايفات”، أسهم في ظهور صوفية مغالية، سواء نظريا أو فكريا، تنتصر للانتماء المتعصب لهذا الطرف أو لهذه القبيلة.

اليوم، ينتقد الكثيرون الانكفاء على الدين بمفهومه الطقوسي والشعائري الذي يتميز به مريدو الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب… قد يكون الأمر بفعل فاعل، فهذه الثقافة والتنشئة تكرس السلبية السياسية في نظر الكثيرين، كما تروم ضمان ولاء أكبر للسلطة السياسية.

ظل الأمر هكذا لعقود حتى تعالت أصوات تدعو إلى نبذ هذا التعصب، فلاحت الفرصة لعدد من الشخصيات لإصلاح هذا الوضع، في طليعتها أبو الحسن الشاذلي، الذي يلقب بـ”صانع طفرة التوحد الصوفي بالمغرب”.

تمكنت الطريقة الشاذلية خلال القرن الرابع عشر الميلادي من تحقيق انتشار غير مسبوق، بحيث إن المتصوفة كانوا يجتهدون للانتساب إليها حتى صار يقال بعدها: “إن الطريقة الشاذلية نسخت سائر الطرق كما نسخت الملة المحمدية سائر الملل”.

لكن هذه الطريقة لم تسلم من تحريف مضامينها بعد ذلك، فكثير ممن انتسبوا إليها جاؤوها بغرض الحصول على مكاسب، لا بغاية التصوف. من هنا، بدأ دور الشيخ الجزولي، وبجانبه الشيخ أحمد زروق الفاسي؛ إذ حملا مشعل إصلاح التصوف المغربي.

اقرأ أيضا: العكاكزة: قصة طائفة مغربية جعلت من الجنس الجماعي وزواج الكبيرة بالصغير طقوسا تعبدية 1\3

صحيح أن هؤلاء لم يضمنا سيادة الشاذلية التي قامت على ثنائية العلم والعمل… لكن، في حضنهما نمت أنماط جديدة من التصوف، تغيرت فيها طرق المجاهدة، وانتقلت من السعي إلى تحسين التدين عن طريق الذكر والتعبد وحلقات السماع والحضرة وغيره.

وبذلك إذن، رُسمت طريق جديدة للتصوف في المغرب، ظهرت على أثرها طوائف وطرق أخرى أبدعت في تصوفها، فأصبح بها المشهد الصوفي أكثر غنى وتنوعا، وهو ما نلمحه إلى اليوم في المغرب، بلاد الأولياء والصالحين.

أدوار متعددة… أبزرها السياسي والديني!

إلى جانب أدوار كثيرة لعبها التصوف بالمغرب، دينيا وتعليميا واجتماعيا وأيضا اقتصاديا، كان الدور السياسي حاسما في مراحل عديدة من تاريخ المغرب.

ذروة هذا الدور لعبها التصوف حين احتل النصارى الأيبيريون سواحل المغرب في القرن الخامس عشر للميلاد… وقتذاك، تجلت للعيان فائدة التنظيم؛ إذ حمل المتصوفة على عاتقهم عبء تعبئة الناس لتحرير ثغور بلادهم.

بل إنه بعد ضعف الدولتين المرينية والوطاسية، في ذات القرن، حمل المتصوفة وفق بعض المراجع التاريخية، السعديين، إلى الحكم. وحتى حين تضعضع هؤلاء، ملأت تشكيلات صوفية الفراغ السياسي، كما فعلت الزاوية الدلائية.

اقرأ أيضا: ما بين الاستباق الأمني وتحديث الشأن الديني.. المغرب في مأمن من الإرهاب اليوم، لكن…

اليوم، ينتقد الكثيرون الانكفاء على الدين بمفهومه الطقوسي والشعائري الذي يتميز به مريدو الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب… قد يكون الأمر بفعل فاعل، فهذه الثقافة والتنشئة تكرس السلبية السياسية في نظر الكثيرين، كما تروم ضمان ولاء أكبر للسلطة السياسية.

الطرق الصوفية في المغرب، أيضا، تخضع لانتقاد بالغ في الطريقة التي تنظر بها إلى شيخها. ثمة، وفق البعض، مبالغات غير مقبولة في جعل الشيخ مدخلا لا غنى عنه في سلوك المريدين حيال الله وتقربهم منه، والاعتماد عليه في الزاد الإيماني.

أيا كانت هذه الانتقادات، فالتصوف اليوم يشغل حيزا مهما في واجهة المشهد الديني في المغرب؛ ذلك أن الأخير بات يعتمد عليه لتسويق إسلام معتدل بغية مواجهة التطرف الديني.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *