×
×

ابن عربي… “الشيخ الأكبر” المتهم بالزندقة والكفر 1\2

في دمشق يرقد اليوم، بعد حياة راوح فيها بين مقام “سلطان العارفين” واتهام “الكفر والزندقة”. على أن الحياة بشتى ضروب الثناء والذم، لم تثنه يوما عن سلك طريق رأى أنه …

في دمشق يرقد اليوم، بعد حياة راوح فيها بين مقام “سلطان العارفين” واتهام “الكفر والزندقة”. على أن الحياة بشتى ضروب الثناء والذم، لم تثنه يوما عن سلك طريق رأى أنه وُجد ليمضيّ فيها.

ولد في الأندلس، ورحل وجال بين بقاع شتى مستدلا بـ”مرشده السماوي” باحثا عن “دين الحب”؛ حتى أصبح أحد أكبر المتصوفة في الإسلام، له من المريدين الكثير، كما له إلى جانب باقي المتصوفين، أعداء أكثر.

إنه محيي الدين بن عربي، اسم تسبقه شهرته!

منذ البدء… كان متصوفا!

رأى ابن عربي النور لأول مرة في مُرسية (مدينة إسبانية حاليا) عام 1164 للميلاد، لعائلة عرفت بالزهد والتقوى، فنشأ بذلك في جو ديني نفحاته منذ البدء كانت صوفية. اسمه الكامل محي الدين محمد بن علي بن محمد ابن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، وقد انتقل مبكرا مع والده إلى إشبيلية حاضرة الأندلس، حيث أمضى عشرين عاما من حياته يدرس الفقه وعلوم الدين.

ادعى ابن عربي أنه رأى نفسه أمام العرش الإلهي محمولا على أعمدة من اللهب المتفجر، فحلق حوله طائر بديع الخلق فأمره بأن يرتحل إلى الشرق، مخبرا إياه بأنه سيكون مرشده السماوي.

يروى أن علة قد ألمت بابن عربي في شبابه فأردته طريح الفراش يصارع الحمى، فغلب عليه النوم فرأى في ما يرى النائم أثناء ذلك، نفرا مسلحا يمثل أرواحا شريرة وقد أرادوا الفتك به. لكن رجلا جميلا، صبوح المحيا، وقور المظهر، باغتهم على حين غرة فهجم عليهم وارتدوا عنه.

اقرأ أيضا: “التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10”

في غمرة تنفسه للصعداء، سأل ابن عربي الرجلَ عمن يكون، فقال له: “أنا سورة يس”، وحين استيقظ، وجد أباه يتلو عليه هذه السورة، فلم يمكث على حاله حتى تحسن وتعافى، فاعتقد بعد هذه القصة بفكرة أنه معد للحياة الروحية وأنه ينبغي عليه أن يسلك دربها إلى النهاية.

لم يكمل ابن عربي عامه العشرين، حتى كشف للآخرين عما اعتبر أنه قد جُعل يسير فيه… الطريق الروحاني! جاب بغرض ذلك عددا لا يعد من المدن، كغرناطة وفاس والقاهرة ومكة وبغداد وحلب وقونية ودمشق… متبعا في ذلك مرشده السماوي.

قصة المرشد السماوي هذا، قد تكون لبعضهم أقرب إلى الخيال من التصديق؛ إذ يحكى أن ابن عربي قد ادعى أنه رأى في ما يرى اليقظان هذه المرة، أنه أمام العرش الإلهي محمولا على أعمدة من اللهب المتفجر، فحلق حوله طائر بديع الخلق فأمره بأن يرتحل إلى الشرق، مخبرا إياه بأنه سيكون مرشده السماوي.

بالحبّ يَدِينُ… أنّى كانت ركائبه!

يقول ابن عربي، ولعله البيت الشعري الذي اشتهر به إلى اليوم: “أدين بدين الحب أنى توجهتْ ركائبه، فالحب ديني وإيماني”.

هذا البيت لم يكن مجرد تصوير شعري بديع، بل إن ابن عربي كان، كما أوردنا سابقا، دائم الترحال، وترحاله المستمر هذا مكنه من لقاء كبار علماء الصوفية كشهاب الدين عمر السهروردي وجلال الدين الرومي وصدر الدين القونوي وغيرهم، فكان ابن عربي حريصا على المتح من عصارة هذا التلاقح الصوفي.

من أهم الكتب التي ألفها ابن عربي، “الفتوحات المكية”، وقد ضَمّنَه أهم آرائه الصوفية والعقلية ومبادئه الروحية، وادعى أنه كتبه بأمر من “مرشده السماوي”.

غير أن دمشق، ستكون المدينة التي استعذب ابن عربي مقامه الأخير فيها، حيث عاش، وفقا للمصادر التاريخية، معززا مكرما بل وكان أميرُها من تلاميذه ومن المؤمنين بعلمه. فتابع هناك ما تبقى من حياته يؤلف تارة ويعلم مريديه تارة أخرى منهجه في التصوف، حتى صار واحدا من كبار العلماء بين أهل العلم والفقه آنذاك، فحق عليه، في نظر محبيه، لقب “البحر الزاخر” و”سلطان العارفين”.

اقرأ أيضا: “أبو القاسم الجنيد، منبع الصوفية في المغرب”

عُرف ابن عربي بكونه شجرة وافرة العلم والمعرفة. وفرة كانت ثمارها كتب غزيرة، لعل من أهمها “فصوص الحكم” و”ترجمان الأشواق و”الفتوحات المكية”. هذا الأخير يقول ابن عربي إنه قد كتبه بأمر من “مرشده السماوي”، وهو الكتاب الذي ضَمّنَه أهم آرائه الصوفية والعقلية ومبادئه الروحية.

هذا الكتاب وُصف، حسب بعض المهتمين، بأنه مجموعة من النصوص الصوفية الموغلة في التعمق، للغته الرمزية وللإشارات الإلهية المضمنة فيه.

مع أنه اعتبر “بحرا للحقائق”، كثيرا ما اتهم ابن عربي بالزندقة والكفر… لماذا؟ وكيف تعامل مع ذلك؟ ذاك ما سنكتشفه في الجزء الثاني من هذا البورتريه.

لقراءة الجزء الثاني: ابن عربي: المكان الذي لا يؤنث، لا يعول عليه! 2\2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *