×
×

الحلاّج: ومن حُبِّ اللهِ ما… قتَل! 1/2

الفقهاء، الذين قدّموا موقفاً فقهياً مفكّكاً لإعدامه بتهمة الزندقة، انخدعوا بظاهر موقف الشّخصية، فاندفعوا في محوها، دون أن ينتبهوا إلى أنّ هذه الشّخصية قد فجّرت، من خلال موتها، شهادةً حقيقية عن التوحيد الذي هو مدارُ الشّريعة…

قال محمود عباس العقاد: “ثلاثُ علاماتٍ، من اجتمعن له كان من عظماء الرجال، وكان له حقٌّ في الخلود: فرط الإعجاب من محبيه ومريديه؛ وفرط الحقد من حاسديه والمنكرين عليه؛ وجوٌّ من الأسْرار والألغاز يُحيطُ به كأنه من خوارق الخلق الذين يحار فيهم الواصفون، ويستكثرون قدرتهم على الآدمية، فيرُدّون تلك القدرة تارة إلى الإعجاز الإلهي، وتارة إلى السحر والكهانة”.

ضمنَ هذه العلامات يأتي الحلاّج، باعتباره أكثر شخصيةً دار حولها اللّغطُ والاختلاف حدّ الخلاف في التراث الإسلامي إلى اليوم…

فمن هو الحلاّج؟ وكيفَ أدى بهِ حبّه للذات الإلهية إلى تهم التكفير والهرطقة والزندقة؟

في “سيرة” الحلاّج!

هو الحسين بن منصور الحلاج، المولود في بلدة تور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء.

أشارت الروايات التاريخية إلى أن عام ميلاده حاقب العصر الذهبي للتصوف، أي في مطلع عام 244 هـ/858م.

أجمع الكثيرُ من رجال التاريخ، على أنه فارسي الأصل، كما هو فارسي المولد.

يعودُ أصل تسميته بالحلاج، إلى ما أشار إليه ابن خلكان في “وفيات الأعيان”؛ حيثُ الرواية تنقلُ عن ضمرة بن حنظلة السماك أنّهُ قال: “دخل الحلاج واسط، وكان له شغل، فأوّل حانوت استقبله كان لقطان، فكلفه الحلاّج السعي في إصلاح شغله، وكان للرّجل بيت مملوءٌ قطنًا، فقال له الحسني: اذهب في إصلاح شغلي، فإني أعينك على عملك، فذهب الرجل، فلما رجع رأى كل قطنه محلوجاً، وكان أربعة وعشرين ألف رطل، فسمّي من ذلك اليوم حلاّجا ولازمته هذه الكنية طوال حياته”.

ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” أورد بدوره هذه الرواية، مردفاً إليها روايةً أخرى تقول: إن أهل الأهواز أطلقوا عليه هذه التسمية؛ لأنه كان يكاشفهم بما في قلوبهم فسمّوه، حلاّج الأسرار.

بعد ميلاد الحلاّج، مرّت عائلته بضائقة مالية، فاتجه والده إلى واسط، التي كانت تشهد ازدهاراً في الفكر والعلوم في ذلك الوقت.

قيل إنّه حفظ القرآن، ولمّا بلغ الثامنة عشرة من عمره، اتصل بالإمام الصوفي سهل بن عبد الله التستري. تلقى على يديه آداب الطريق ومنهجه. لكن سرعان ما اختار الحلاج التّصوف كمعرفة تدنيه وتقربه من الله، وتمنحه المعراج الذي تصعد عليه روحه إلى هداه.

تميّز الحلاج بروحٍ ثائرة لا تعرفُ القيود. لذلك، استقلّ بنفسه، وأخذ يسلك طريق التصوف وحده. أخذ يجاهد نفسه ويدربها ويكلفها أشق ما في التّصوف من تكاليف، ويفرض عليها أقسى ما في المنهج الروحي من وسائل التجرد والزهد والعبادة والرياضة، كما يقول طه عبد الباقي سرور.

الحجّ عند الحلاّج… نظرة رُوحية!

يعتبر الكثيرون، في المفهوم الإسلامي، الحَجَّ رمز اتحاد البشرية مع الله، على الرغم من عدم انفصال البشرية عنه وعدم الاتصال به.

من منظور الباحث قاسم محمد عبّاس، فإنّهُ بمُجرّد تحوّل هذا الرمز إلى “حقيقةٍ في المتصوَّر الحلَّاجي، لم يعد هنالك إيمان لشد الرّحال الى الكعبة بفهم أنّه فعلٌ تراجُعيّ إلى ما قبل الاتحاد، وقبل الاتحاد كان ثمة إيمان سائد يدفعُ الحلاج إلى الانتقال إلى البيت بحثاً عن الاتحاد”، وهو الوقت ذاته الذي كان فيه الجسد بطبيعته على مسافة ككائن إزاء آخر:

هَيكَلِيُّ الجِسمِ نورِيُّ الصَميم … صَمَدِيُّ الروحِ دَيّانٌ عَليم

عادَ بِالروحِ إِلى أَربابِها … فَبَقى الهَيكَلُ في التُربِ رَميم

محمّد عباس، يضيفُ في كتابه: “الحلاج… الأعمال الكاملة” أنّ الذي “يبلَى الهيكل أعضاؤُه، وما كان يناقضه بالأجساد الأخرى، أو بالأحرى ما كان يحدده، في الوقت الذي كانت هناك حقيقة أن الجسد الذي يتحرك وفق تصوّر كمون الله فيه؛ فعند عُثورنا على الله في هذا الجسم، لم يعد هناك متسع للذهاب إلى مكة وارتداء زي الإحرام: رمز الحقيقة الطاهرة”.

بهذا الفهم، يستقبل الحلاج في جسده المؤول كل شعائر الحج:

للناس حجّ ولي حجّ إلى سـكني … تُهْدَى الأضاحي وأُهْدِي مُهْجَتِي وَدَمِي

تطوف بالبيت قومٌ لا بجـارحة … باللهِ طافوا فأغنـاهم عـن الحَــرَم

الحج هنا، إذن، هو حجّ روحي، يُفرغُ طقُوس الحجّ من مُحتَواها الفلكلوري ويحطّم الشّكل الخارجي للعبادة الذي انغلق فيه الفكر الإسلامي.

وفق ما يُروى، فإنّهُ خلال محاكمَتِه، سُئلَ الحلاّجُ من طرف أحد القضاة، قيل إنّه “أبو عمر”، ما إذا كان يقول، بالفعل، إنّ من لم يستطع الذّهاب للحجّ بإمكَانهِ تنظيف غرفة بالبيت وينشأ “كعبةً” ويطُوف حولها ويتصدّق ببعض المال فتُحسبُ لهُ حجة؟

ردّ الحلاّج بالإيجاب، ثم استفسر “أبا عمر” أين وجد الحلاّج هذه الفكرة في الشّريعة، فردّ بأنه تطرّق لها الحسين البصري في “الإخلاص”… فقال أبو عمر جملتهُ الشّهيرة: “كذبت يا حلال الدّم”!

الحبّ الإلهي: آلام الحلاّج!

يقول عبد الحكيم حسان، متحدثًا عن نمو التصوف وتطوره من الزهد إلى المحبة: “أما حين انتهى أمر الحب الإلهي إلى الحلاَّج، فإنه اتخذ شكلا قويٍّا لما رتب عليه الحلاج من مذاهب صوفية كثيرة؛ فقد تكلم صراحةً في اتحاد المحب بالمحبوب، اتحاداً يزيل صفة البشرية عن المحب، باستبداله بصفاته صفات الله عز وجل، وصحُب هذا كلام في اللاهوت والناسوت لأول مرة في تاريخ التصوف”.

قال الحلاّج: “رأيت الله بعينِ قلبي قلتُ من أنت؟ قال أنت”؛ وقال مرّة أخرى “ما في الجبّة إلا الله”، وقال أيضاً “أنا من أهوى ومن أهوى أنا… نحن روحان حللنا بدنا”.

هكذا، بنى الحلاج تصوفه على مبدأ الحلول. واتضح ذلك في تأويله حديث “خلق الله آدم على صورته”. إذ في حين يُرجع التأويل السني الضمير في (صورته) على آدم، يُرجع الحلاج الضمير على الله. [1]

يشرح ذلك في كتابه الطواسين بقوله: “تجلى الحق لنفسه في الأزل قبل أن يخلق الخلق وقبل أن يعلم الخلق… وكانت المحبة عِلة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية، ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها، فنظر في الأزل وأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه، وهي آدم الذي جعله على صورته أبد الدهر”.

انطلاقاً من هذه الرؤية في خلق الإنسان، أقام الحلاج، حسب ما ذهب إليه محمد عابد الجابري، نظريته الحلولية؛ أي إنّ الله انحلّ في آدم، فخرج آدم على صورته. ولعلّ عبارته الشهيرة (أنا الحقّ) هي تلخيص لمذهبه الحلولي. [2]

لعلّ هذا ما كان صعباً على إدراك الفقهاء في ذلك العصر، وعلى العامة بدورهم.

من هنا بدأت مأساة الحلاج. آن لفقهاء عصره أن يصفوه بالخارج والمُخالف للشريعة والكَافِر والزنديق، معتمدين في ذلك على ظاهر النّص بغضِّ النظرِ عن باطنهِ المقصود.

يقول عبد القادر الجيلاني: “عُثر الحلاج ولم يكن في زمانه من يأخذ بيده ولو أدركته لأخذت بيده”، ليبيّن أن ما كان يقوله الحلاج كان غامضاً، وكان يحتاجُ إلى من يتحاور معه ليفهمه… لا من يكيدُ له وينهي وجوده!

كما أنّ قاسم محمّد عبّاس يعتبرُ أنّ الفقهاء، الذين قدّموا موقفاً فقهياً مفكّكاً لإعدامه بتهمة الزندقة، انخدعوا بظاهر موقف الشّخصية، فاندفعوا في محوها، دون أن ينتبهوا إلى أنّ هذه الشّخصية قد فجّرت، من خلال موتها، شهادةً حقيقية عن التوحيد الذي هو مدارُ الشّريعة، لأنّ دين الحلاج يتحددُ بهجرةٍ للنصوص المستقرّة باتجاه الله الذي هو دين الحلاج:

يا غاية السّؤل والمأمول يا سكني … يا عيشُ روحي يا ديني ودنيائي.

لقد افتضّ الحلاج تلك النّظرة السّلبية التي صاحبت التّصوف في بداياته. كانت حركة الزهد تُشكّل موقفاً انسحابياً واعتزالياً للحياة السّياسية والاجتماعية… بينما الحلاّج كسّر هذه الصورة الكلاسيكية واقتحم الحياة السّياسية فكرياً!

المرويات التي حاولتْ أن تُنصف شخصيةَ الحلاّج، ما فتئت تشير إلى أنّ خصومهُ بالغُوا في بُغضه وتجريحه. وأسرفت الخلافة العبّاسية في اضطِهاده وتعذيبه. وأسرفت إسرافًا جنونيًّا ووحشيًّا فيما أعدت من عذاب غليظ عنيفٍ حديدي لحجب سيرته عن الحياة، وفيما اصطنعت ليوم مصرعه، وفيما أقامت من ستار لتشويه تراثه في التّاريخ…

لكن، هل كان الحلاجُ مسالماً سياساً؟

هذا السؤال سيكون محور الجزء الثاني من هذا البورتريه.

هوامش:

[1] محمد بن عمارة، المقاربات الحداثيّة للتراث الصوفي العربي (محمد عابد الجابري نموذجاً)

[2] المرجع نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *