×
×

الحلاّج… الثائرُ “المصلوبُ” الذي لا يخشى الموتَ 2/2

خلال زيارات الحلاج إلى الأهواز كان يحمل معه لفلاحيها وفقرائها في زمن المجاعة، كل ما يستطيع أن يوفره من قوت لهم، ويعلن للمناوئين من الشيعة المُضطهدين بأنّ المهدي الحقيقي الوحيد هو الرّوح الإنسانية!

بعد أن اقتفينا في الجزء سيرة الحلاّج، وعرضنا لبعض أفكاره التي أجّجت أحقاد الخُصوم ضدّه؛ نخصص هذا الجزء الثاني لمعرفة المحتوى السياسي لتصوّف الحلاج وثورته ضد الخلافة ومحاولة قيادة انقلاب.

يرى حسين مروة أنّ التّصوف، بمُختلف ظَاهراته، إنما هو في الأساس نتاج الواقع الاجتماعي، وليس ظاهرة نفسيه منعزلة، بالمعنى المثالي والميتافيزيقي للظاهرة النفسية والروحية، كما يفهمها علم النفس البرجوازي؛ وهذا ما أصبحَ معلناً عنهُ بشكل جليّ مع الحلاّج الذي حاول أن يفتضّ السياسة ويوقف الجور.

خلال زيارات الحلاج إلى الأهواز كان يحمل معه لفلاحيها وفقرائها في زمن المجاعة، كل ما يستطيع أن يوفره من قوت لهم، ويعلن للمناوئين من الشيعة المُضطهدين بأنّ المهدي الحقيقي الوحيد هو الرّوح الإنسانية!

ثنائية الحياة والموت

لربما يشكّل الموت بالنّسبة للحلاج ما يمنحُ للحياة معناها. تردد بعض الروايات أنّه كان يمشي في شوارع بغداد ويقول “أقتلوني، أقتلوني”.

وفق بعض الحكايات، كان الحلاج يعلم باقتراب موعده.  لذلك، لم يكن يخشى الموت، وكأنّه يسلبُ المكائد “رمزيتها”، ولكن…

الحلاج في الحقيقة لا يفرقُ بين الحياة والموت على وفق الفهم المتداول إلاّ في الإطار الذي يسمحُ بتسمية الموت بالحرية، في مقابل السجن الذي هو نموذج الحياة، كما يقول محمود قاسم عباس في كتابه: الحلاج الأعمال الكاملة.

أورد ابن فاتك، في “أخبار الحلاّج”، أنّه”لمّا قُطعت رجلا الحلاج قال: إلهي أصبحت في دار الرغائب، أنظر إلى العجائب. إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك!”

ثمّ أنشد:

أقتلوني يا ثقاتي … إن في قتلي حياتي

ومماتي في حياتي … وحياتي في مماتي

أنا عندي محو ذاتي … من أجل المكرمات

وبقائي في صفاتي … من قبيح السيئات

يمكن النّظر إلى هذا الأمر على أنّه يُصوّر قيمة التّضحية، التي اتصفت بها الظّاهرة الحلاّجية في مواجهة الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد الإسلامية.

لقد كان تحدياً واضحاً للخلافة و”الفقهاء”، وكأن الموت عند الحلاّج هو تتويج للحياة، وكلّ مجد في الحقيقة هو موت، بالنسبة إليه!

هذا ما يفسّر استمرار الحلاّج في نهجه “الأيديولوجي”، رغم أنّ صديقه الشبلي، الذي كان من شيوخ المدرسة البغدادية للتصوف حينها، حذّره من بطش الخلافة.

فماذا كانت النتيجة… حياة أو موت؟ أم فناءٌ مقابل خلود في التّاريخ؟

تصوّف الحلاج… رؤية سياسية!

لا شكّ أن الحلاّج كان يبشر بمنهج لا يمكن تبرئتهُ من حُمولة سياسية أيديولوجية، امتزجت بمرجعيات التصوف و”روحانيته” و”إشراقه”.

المستشرق ماسنيون رأى في ذلك أنّ الحلاّج كان يهدف إلى إقامة خلافة ليس بينها وبين الجمهور نفور سياسي، ويعمل كي يزيل من شعوب الدولة ما بينها من نفور اجتماعي، ويزيل ما بين الفرق من نفور ديني، ويحطم ما بين الطبقات من تفاوت مادي.

منهج إيجابي للإصلاح السياسي والاجتماعي، يظلله ويدعمه منهجٌ روحيّ قوامهُ الدعوة إلى حكومة الأتقياء الأولياء الذين يملؤون الأرض عدلاً وقسطا، ويملؤُون القلوب إيمانًا وحبًّا أو كما يقول الحلاج: “خلافةٌ ربانيةٌ تشعر بمسؤوليتها أمام الله، مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم، من صيامٍ وصلاةٍ وحجّ وزكاة”.

بذلك، يربط الحلاج بين صلاح الحكم، وقبول الله للعبادة من عباده المؤمنین.

فلن يقبل الله عبادة عابد، تحت ظل حكم فاسد، كما يقول. أولياء الله حقًّا في منهجه، هم الذين يحملون أمانة الرسل في الإصلاح العام، وهم الذين يقودون الإنسانية إلى الله، وإن واجبهم أن يستشهدوا، أو ينتصروا.

يقول المُستشرق ماسنيون: “إن الحلاج أحيا بمنهجه هذا، وبحميته الثّائرة، وبشخصيته الباهرة، الآمال العريضة والأحلام الجميلة، التي كانت تعيش في أعماق الأمة الإسلامية، فالتفّت حولهُ الجماهير، واندفع في تياره كثيرٌ من الأمراء والوزراء والقادة”.

ساهمت الطبيعة الثّائرة للحلاّج في تأزيم الأوضاع في بغداد، حيثُ كان يشنّ هجومات قاسية وعنيفة ضدّ الخلافة ومن يدور في فلكها، معتبراً أن الخليفة عات في الأرض فساداً واستبدّ بالأمّة وانحرف عن الإسلام.

أكثر من ذلك، هاجم الشيعة وطالب بعزلهم عن الخراج، وإبعادهم عن بيت المال، لأنهم أرهقوا الناس، وأفسدوا الضمائر، واختلسوا الأموال، واحتكروا الأرزاق.

المعتزلة أيضاً لم يكونوا بمعزلٍ عن النّقد الحلاّجي، حيثُ يعتبرهم قد أقدموا على حصر أنفسهم في قوالب فلسفية، وأهملوا دعوة الإصلاح والحرية.

حتّى بعض الوزراء الذين تخرجوا من المدارس النسطورية، وكانوا من أصول نصرانية، كابن وهب، وابن نوبخت؛ حاربهم الحلاّج… لأنه كان يعتقدُ أنّ في قلوبهم بقية ملحدة تحارب الإسلام، ولا تؤمن بدعوته.

عبد القدوس الهاشمي، يجدُ أن أسفار الحلاج إلى مكة واجتيازه بالبحرين -التي كانت حينها تحت سيطرة القرامطة– دليل على التعاون السياسي الذي حصل بين الطرفين، وربما مع حركة الفاطميين في المغرب الإسلامي عبر صِلاتها المعروفة حينها مع القرامطة رغم انفصال الحركتين تنظيمياً.

مع الإشارة إلى أن التنسيق الحركي بين هذه الحركات السياسية، لا يقتضي بالضرورة تقاربًا فكريًا بينها وإنما تكفي فيه وحدة الهدف السياسي، وهو إسقاط الخلافة العباسية.

… لوضع نهاية لكلّ هذه الضّجة التي أحدثها الحلاّج فكرياً ودينياً وسياسياً، وزعزعة استقرار الخلافة العبّاسية، تمّ صلبهُ عام 309هـ/922م. قُطّعتْ أقدامهُ وأذرعه أمام أنظار الجميع… ثمّ أُحرق. كانت هذه من أكثر الاغتيالات السّياسية بشاعةً في التراث الإسلامي.

في الأخير، يتّضحُ أنّ الحلاج قد تحدّث في الكثير من رسائله عن الحرية الفردية، وعن الحقوق الاجتماعية، وعن المثالية الخلقية؛ كما تحدث عن السياسة المالية في الخراج والضرائب، وعن سياسة الحكم وتبعاته وأهدافه.

بذلك، سبق الحلاج بمنهجه، الذي أطلق عليه باحثون تسميةَ الاشتراكية الدّيموقراطية الدينية، كافةَ الدعاة العالميين إلى هذا اللون المنهجي في الإصلاح الاجتماعي.

لكنّه يظلّ كذلك صورةً واضحةً لفظاعة الاغتيال السّياسي في التاريخ الإسلامي… فهل مات الحلاّج؟

نعم، مات الحلاّج. لكنّ تاريخه… لم يمت!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *