×
×

صناعة الجوع: وهم المعونة الذي يوقع في مصيدة الديون ومن ثم التبعية التامة! 4/4

نتابع هذا الملف عن صناعة الجوع، في جزئه الرابع والأخير، بالحديث عما إذا كان الجوع يرجع إلى إشكالية كمية أو نوعية، ثم نختم بمجموع أفكار توردها الباحثة الأمريكية فرانسيس مور لابيه عن فخ الديون الذي تنصبه الدول الغنية وشركاتها للدول الفقيرة.

لطالما وجه اللوم إلى الطبيعة باعتبارها مسبب المجاعة في العالم، لكننا عرفنا في الأجزاء السابقة، بالاعتماد على كتاب الباحثة الأمريكية فرانسيس مور لابيه، “صناعة الجوع… خرافة الندرة”، أن الجوع صناعة بشرية، لا دخل للطبيعة فيه إلا بالنزر اليسير.

وبعدما قدمنا في الجزء الأول والثاني والثالث من هذا الملف نتفا من الكتاب، أوضحنا بها موقف مور لابيه من استفحال المجاعة في العالم وتصورها حيال هذه الصناعة، نختم هذا الملف بهذا الجزء الرابع، الذي سنتحدث فيه عن إشكالية الكمية والنوعية، وفخ الديون الذي تنصبه الدول الغنية وشركاتها للدول الفقيرة.

قبل ذلك، نعود لنشير إلى أن الكتاب صدر عام 1979، لذا قد تكون بعض معطياته بحاجة إلى تحيين، بيد أن مور لابيه تحدثت في كتابها عن وجود 500 مليون جائع في العالم وقت تأليفه، بينما يسجل العالم اليوم وجود 821 مليون جائع وفق رقم كشفته منظمة الأمم المتحدة عام 2017. الأرقام بخصوص المجاعة إذن صارت أسوأ، والكتاب ما زال بإمكانه أن يفتح أعيننا حول الطرق التي تشتغل بها هذه “الصناعة”.

الجوع: مشكلة كمية أم نوعية؟

وجبات الفول والذرة في أمريكا اللاتينية، والعدس والأرز في الهند، وفول الصويا والأرز في الصين، وجبات تبدو لمعظم الغرب نشوية وغير مغذية. لكنها في الحقيقة، ليست كذلك.

هذه الوجبات تطورت لأنها تصلح حيث تطورت، وهي خلطات بارعة جدا؛ ففي كل حالة يعطي الصنفان من البروتين المفيد، بيولوجيا، أكثر مما لو أُكل كل منهما على حدة.

اقرأ أيضا: تقرير حديث: نحو 113 مليون شخص في العالم يعانون من “الجوع الحاد”

هكذا، حين نبحث مشكلة الجوع في العالم، لا بد أن نتذكر أن الوجبات التقليدية مناسبة حين يمكن الحصول على ما يكفي منها؛ فالمشكلة عادة ليست في النوعية، إنما في الكمية.

حين تفصح عن أرقام التزامها السنوي لمساعدة العالم الفقير، تبالغ الدول الغربية التي تمنح المعونة في وصف كرمها وفق مور لابيه؛ فالواقع أن أكثر من نصف معونتها، لا يمنح بل يقرض بفائدة.

لكن الذي يحدث، وفق مور لابيه، أن الشركات الغذائية -تماما مثل الأفراد-، تتصرف خارج الوطن بنفس الطريقة التي تتصرف بها داخله، وهي قبل ذلك لم تصبح عملاقة بتقديم منتج أفضل أو كفاءة أكبر، إنما فعلت بالاستيلاء المحلي على الأسواق والخبرة الإعلانية.

ثم ما فتئت هذه الشركات، التي تتوسع وراء البحار، تسعى إلى الأغذية السريعة، الأسرع نموا، حيث تكون الدعاية، لا خفض السعر، أداة المنافسة.

92 بالمائة على الأقل من تكاليف البحث والتطوير لهذه الشركات الغذائية الضخمة، يورد كتاب “صناعة الجوع… خرافة الندرة”، يخصص لتطوير الوصفات السريعة ومزاج المستهلك، أو ما يسمى ببحوث الدوافع وترويج المنتج.

اقرأ أيضا: هل المغرب مقبل على أزمة ماء حقيقية؟ 1\2

ويقصد بالوصفات السريعة، الأغذية المغسولة سلفا، والمقشرة سلفا، والمطهية سلفا، والمسحوقة سلفا، والمخلوطة سلفا، حتى تكاد تكون… مأكولة سلفا.

بيد أن المشكل لا يكمن هنا وحسب، إنما أيضا في أنه كلما زادت درجة تجهيز هذه الوصفات، ارتفع ثمنها بجانب انخفاض قيمتها الغذائية.

الشركات الزراعية صارت متغلغلة في العالم بأسره، ومزارع البلدان صارت أيضا مرتبطة بأسواق الغذاء العالمية. هكذا، ألقي بجياع العالم في حلبة تنافس مباشرة مع حسني التغذية والمتخمين.

أما أن الغذاء يزرع بوفرة حيث يعيشون، أو أن موارد بلدهم الطبيعية والمالية استهلكت في إنتاجه أو حتى إنهم هم الذين كدحوا لزراعته، فلا يعني البتة أنهم هم الذين سيأكلونه؛ ذلك أنهم…

سيذهبون إلى متجر عالمي ناشئ يتعين فيه على كل فرد في العالم، غنيا كان أو فقيرا، أن يأخذه من نفس الرف، ولكل صنف ثمن، وذلك الثمن يتحدد على نحو كبير بما يرحب زبائن العالم الميسورون بدفعه، أما من لا يملك ما يملكون، فلا يستطيع أن يقف في طابور الدفع.

اقرأ أيضا: تقارير: المغرب بعيد عن المجاعة لكن التغيرات المناخية تهدد أمنه الغذائي!

كل هذا، بعد أن كانوا مكتفين غِذائيا بوجباتهم التقليدية، أو على الأقل، لم يكونوا يواجهون مشكلة على مستوى النوعية.

الديون… الضربة القاصمة!

حين تفصح عن أرقام التزامها السنوي لمساعدة العالم الفقير، تبالغ الدول الغربية التي تمنح المعونة في وصف كرمها وفق مور لابيه؛ فالواقع أن أكثر من نصف معونتها، لا يمنح بل يقرض بفائدة.

ومع أن معدلات الفائدة تكون منخفضة، يظل القرض قرضا ليس بهدية، لهذا تحولت صكوك الدَّيْن إلى عبء غير متحمل بالنسبة للدول المتخلفة.

حين نبحث مشكلة الجوع في العالم، لا بد أن نتذكر أن الوجبات التقليدية مناسبة حين يمكن الحصول على ما يكفي منها؛ فالمشكلة عادة ليست في النوعية، إنما في الكمية.

يتفاقم العبء أكثر حين نعرف أن هذه الدول تخصص كل عام نسبة لا بأس بها من المعونة الواردة، لمجرد سداد أقساط الديون التي تلقتها في العام السابق، وأن نحو ربع مكاسب التصدير توجه نحو الغاية نفسها.

البديهي، إذن، أن هذا الوضع غير مربح على الإطلاق لهذه الدول. ومع ذلك، تُبذل المحاولات ليظل العالم معتقدا أن الحل هو زيادة المعونة، والحال أن المزيد منها، لن يعقد فقط عبء الديون، بل سيجبر هذه الدول على الاندفاع المدمر نحو التصدير.

فالبيع في السوق الأجنبية هو الطريقة الوحيدة للحصول على العملة الأجنبية لسداد الديون، أما التنمية الداخلية من بناء مستشفيات أو مدارس، فلا تهم؛ لأنها لا تدر عملة أجنبية. هكذا تسقط الدول في فخ التبادل التجاري.

اقرأ أيضا: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

المعونات إذن تكون قروضا وفق مور لابيه، والدين الذي تخلقه في حد ذاته عقبة تعترض طريق الاعتماد على النفس، كما تقضم جزءا متزايدا من موارد التنمية، وتضمن التدخل في اختيارات البلد الاقتصادية.

البنك الدولي كمثال صارخ، ليس مجرد مقدم لقروض التنمية وفق مور لابيه؛ فعلى مدى السنوات، أصبح قوة رئيسية وفعلية تشكل السياسات الاقتصادية لعديد من الدول.

لقراءة الجزء الأول: صناعة الجوع: هل الندرة مجرد خرافة؟ 4/1

لقراءة الجزء الثاني: صناعة الجوع: الطبيعة بريئة والمجاعة ضرب من تكالب البشر على البشر! 4/2

لقراءة الجزء الثالث: صناعة الجوع: حين يضرب الجفاف الساحل الإفريقي، تأتي السفن محملة بالإغاثة… وترحل محملة بالغذاء! 4/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *