×
×

صناعة الجوع: الطبيعة بريئة والمجاعة ضرب من تكالب البشر على البشر! 4/2

يوجد اليوم في العالم نحو 821 مليون جائع، والحقيقة أن الأرقام التي يسجلها الجوع منذ القديم مهولة، وأول ما قد يستدعي اللوم هو الطبيعة… لكن الباحثة الأمريكية فرانسيس مور لابيه، وكما يفصح عنوان كتابها “صناعة الجوع… خرافة الندرة”، تؤكد أن الجوع صناعة مثله مثل أي صناعة أخرى.

“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، ودونه إذا ما اعتبرناه كناية عن الغذاء، لا يمكننا أن نحيا أيضا… عرفنا في الجزء الأول من هذا الملف أن في العالم اليوم نحو 821 مليون جائع، والحقيقة أن الأرقام التي يسجلها الجوع منذ القديم مهولة، وأول ما قد يستدعي اللوم هو الطبيعة…

لكن الباحثة الأمريكية فرانسيس مور لابيه، وكما يفصح عنوان كتابها “صناعة الجوع… خرافة الندرة”، الذي نخصص له هذا الملف، تؤكد أن الجوع صناعة مثله مثل أي صناعة أخرى.

نواصل هذا الملف، إذن، في جزئه الثاني، الذي سنقدم فيه نتفا أخرى من الكتاب، تفتح أعيننا على أفكار جديدة بخصوص المجاعة.

معدل المواليد سبب لتفاقم المجاعة؟

طالما يعانون من الجوع، لماذا ينجبون أطفالا أكثر؟ قد يتبادر إلى ذهننا هذا السؤال عن شعوب العالم الثالث، ويحدث أننا نجيب بأن ذلك نتيجة للجهل بمصالحهم. لكن، ووفق ما وصلت إليه مور لابيه، الأسباب التي تدفعهم إلى زيادة حجم عائلاتهم تعكس عجزهم وبؤسهم، لا جهلهم!

معظم عائلات العالم الثالث فقيرة، وبقاؤها يعتمد عادة على أطفال يكسبون دخلا إضافيا للعائلة ويتيحون بطريقة ما تأمينا للشيخوخة للآباء.

اقرأ أيضا: سناء العاجي تكتب: إنهن يتزوجن النساء!

عادة، حين يبلغ هؤلاء عمر الـ45، يكونون مستنفدين. وكما لخص فلاح هندي في شهادة خص بها مور لابيه: “الغني يستثمر في آلاته، ولا بد أن نستثمر نحن في أطفالنا”. نعم، فالأطفال يرعون الحيوانات ويجلبون الماء والحطب ويشتلون، كما يمكن إيجارهم كعمال في حقول الآخرين.

هكذا إذن، وفي ظل خدمات غذائية وطبية غير كافية أو غير موجودة حتى، يدرك الآباء أن إنجاب أطفال إضافيين، هو الطريقة الوحيدة لزيادة احتمال الحصول على ما يكفي منهم.

معظم عائلات العالم الثالث فقيرة، وبقاؤها يعتمد عادة على أطفال يكسبون دخلا إضافيا للعائلة ويتيحون بطريقة ما تأمينا للشيخوخة للآباء. لكن الأسباب التي تدفعهم إلى زيادة حجم عائلاتهم تعكس عجزهم وبؤسهم، لا جهلهم بمصالحهم!

طبقا لتقدير الآلة الحاسبة، تقول مور لابيه، على زوجين هنديين مثلا أن ينجبا من الأطفال متوسطا يبلغ 6.4 حتى يكونا واثقين من بقاء ابن واحد على قيد الحياة.

لكن مشكلة حجم العائلة ليست بسيطة. بالنسبة لكثير من الأمهات سيئات التغذية، يفوق عبء حمل آخر أي مكسب محتمل من الحصول على عامل إضافي في العائلة، بيد أن قرار الإنجاب ليس بيدهن.

تقول امرأة هندية للباحثة الأمريكية: “إنني مرهقة. انظري إلي! لست أكثر من حيوان يعمل في الحقول وينجب الأطفال. لست أريد المزيد، لكن زوجي يقول إنني لا بد أن أنجب كل ما أستطيع”.

اقرأ أيضا: من أين جئنا؟ وما هو مصيرنا؟ نظرية التطور، الانفجار الكبير، الخلق…؟

خفض معدل المواليد إذن، ليس مسألة تغلب على الجهل. الفقراء عادة يعرفون مصالحهم. لكن ذلك لا يمكن إلا إذا تغلب الفقراء على عجزهم، بخاصة عجز النساء في مواجهة الرجال.

الأسعار اللولبية وتدبير الفائض

يتضمن نظام السوق دورات سلعية تتبع فيها سنوات التخمة سنوات النقص. هذه الفترات المتعاقبة تحدث لأنه لدينا نظام إنتاج غذاء تتخذ فيه قرارات الاستثمار بناء على معطيات الربح الراهنة فقط.

إذا كانت الأسعار جيدة الآن، فإن المزارعين ومنتجي الماشية سيزرعون أو يربون الماشية للاستفادة من الأسعار.

بيد أن كل المنتجين والمزارعين الآخرين يسيرون على نفس النهج. لذا، حين يحين وقت جني المحاصيل أو ذبح الحيوانات، قد يواجهون فائضا بسبب انخفاض الأسعار.

ما نكسبه من المبيدات ليس محصولا أكبر أو نوعية أفضل؛ فنحن ندفع ثمنا باهظا في المبيدات من أجل جمال قشري، إذ أن فكرتنا عن الشكل الذي يجب أن تبدو عليه تفاحة أو برتقالة، هي بدرجة كبيرة وليدة عشرات الملايين من الدولارات المدفوعة في الإعلانات.

في ظل الأسعار المنخفضة، إذن، سيعارض المزارعون الزراعة أو تربية الحيوانات بكثافة، ومن ثم سيحدث نقص حاد يسبب ارتفاع الأسعار، فتبدأ الدورة من جديد.

هكذا، حين يزرع كل المزارعين في نفس الوقت استجابة للأسعار المرتفعة، النتيجة لا تكون مجرد انخفاض في الأسعار وقت الحصاد وحسب، بل أيضا تبديد كمية هائلة من الغذاء؛ ذلك أن ترك محاصيلهم تتعفن في الحقول سيكون أقل تكلفة من جمعها وتحقيق الخسارة.

اقرأ أيضا: محمد الفرسيوي: مَنِ السابقُ ومَنِ اللاحق؟ الرأسمالية أم القُمامة و”سراقْ الزيتْ”؟

صحيح أن دورات الأسعار يقال إنها آلية التوازن الصحي في نظام السوق. لكنه في نظام لإنتاج وتسويق الغذاء تسيطر عليه شركات معدودة، تقول مور لابيه، ترتفع الأسعار بالنسبة للمستهلك استجابة لدورات السلع الأساسية، بيد أنها لا تعود عادة للهبوط حيث كانت عند بداية الدورة.

السموم مقابل الجمال!

في العادة، ما نكسبه من المبيدات ليس محصولا أكبر أو نوعية أفضل؛ فنحن ندفع ثمنا باهظا في المبيدات من أجل جمال قشري، تؤكد مور لابيه.

فكرتنا عن الشكل الذي يجب أن تبدو عليه تفاحة أو برتقالة، هي بدرجة كبيرة وليدة عشرات الملايين من الدولارات المدفوعة في الإعلانات.

في أمريكا اللاتينية، كمثال تورده الباحثة الأمريكية، الاستخدام الحاد والمتزايد للمبيدات الفطرية الخطرة والمكلفة، لا علاقة لها بجهود زرع المزيد من الغذاء للسكان المحليين، بل لضمان أن تستوفي الفواكه والخضروات المزروعة، مقاييس الجمال المتضخمة في الغرب.

من الواضح إذن أن المبيدات لا تستخدم من قبل الجياع أو من أجلهم، وأن نقصها ليس هو ما يبقيهم جوعى.

اقرأ أيضا: صالون التجميل عند الشعوب الأولى.. هكذا بدأ الإنسان يهتم بجماله! 3/1

بالمقابل، الثمن الذي ندفعه في الغذاء الخالي من العيوب، هو مزيد من رواسب المبيدات الحشرية في منتجاتنا والمزيد من تسمم العمال الزراعيين بمبيدات الآفات وتلوث البيئة، والمزيد من استهلاك الطاقة، والتكاليف الأعلى للغذاء.

أما التهديد الحقيقي، وفق مور لابيه، فيتجسد في أن تكنولوجيا المبيدات توجد بأيدي عدد من الشركات التي لن تربح ما لم تواصل جعل المزارعين في كل مكان يعتقدون أن بقاءنا يعتمد على الاستخدام المتزايد لمنتجاتها.

في الجزء الثالث: حين يضرب الجفاف الساحل الإفريقي، تأتي السفن محملة بالإغاثة… وترحل محملة بالغذاء!

لقراءة الجزء الأول: صناعة الجوع: هل الندرة مجرد خرافة؟ 4/1

لقراءة الجزء الثالث: صناعة الجوع: حين يضرب الجفاف الساحل الإفريقي، تأتي السفن محملة بالإغاثة… وترحل محملة بالغذاء! 4/3

لقراءة الجزء الرابع: صناعة الجوع: وهم المعونة الذي يوقع في مصيدة الديون ومن ثم التبعية التامة! 4/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *