×
×

“الأصولية” في الديانات الثلاث: مدخل (الجزء الأول)

في شتى العصور، دائما ما كان هنالك من يعارض ويكافح تيار الحداثة المعاصر له… والأصولية الدينية اليوم، وإن تكبدت هزائم كثيرة في “معاركها” ضد العلمانية والعقلانية العلمية، وإن “انتصرت” بلغة الدم تارات أخرى، لا يمكن تجاهل كونها صارت عنصرا يفرض نفسه في الواقع الراهن… بل ويستحق سبر أغواره، كما فعلت الكاتبة البريطانية كارين أرمسترونغ في كتابها “معارك في سبيل الإله”، الذي نقدم لكم من بين طياته هذا الملف، عن الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام.

كريم الهاني
كريم الهاني

إحدى أهم مظاهر العصر، وأكثرها ربما إثارة للفزع، نزعة الكفاح الدينية التي شاع تسميتها بالأصولية في كل من الأديان الثلاثة.

منذ أزيد من قرن، سجلت الأصولية، في جانبها غير المسالم، أحداثا مروعة. أحداث نسميها نحن إرهابا، بينما من اعتنقها على نحو مسالم، في الغالب، قد أحكم عليه العداء قبضته تجاه كثير من القيم الإيجابية الكبرى للمجتمع الحديث.

الأصوليون المسيحيون، مثلا، يرفضون مكتشفات علم البيولوجيا والفيزياء بشأن أصل الحياة ونشأتها، وبالمقابل يصرون على أن سفر التكوين يتميز بالصحة العلمية في أدنى تفاصيله.

قس على ذلك، حين ينزع الأصوليون اليهود، مثلا، إلى مراعاة قانونهم المنزّل بصرامة شديدة، أو حين يفرض الأصوليون المسلمون، مثلا، على نسائهم أن يلبسن الحجاب، بل ومنهن من يدافعن بشراسة عن ذلك.

الحق أن الأصولية لم تقتصر على هذه الديانات وحسب، فثمة أيضا نزعة أصولية بوذية، وأخرى هندوسية، وهلم جرا… نزعات أصولية ترفض بدورها ما وصل إليه العالم، وتقتل باسم الدين وتكافح لإدخال المقدس في السياسة.

الأصولية على نحو عام ضرب من الكفاح الروحي، تخوض صراعا مع أعدائها الذين يتبعون سياسات وعقائد علمانية، تبدو مناهضة للدين نفسه… هذه المعركة ليست من قبيل النضال السياسي التقليدي، لكنه نوع من الحرب الكونية بين قوى الخير والشر.

في خضم منتصف القرن الذي مضى، ظن العالم أن العلمانية قد استأسدت، وأن الدين لن يعود ليضطلع بدور جوهري في الأحداث العالمية… كان مفترضا أن تؤدي العقلانية المتزايدة رويدا رويدا إلى اقتصار الدين على المجال الشخصي والحياة الخاصة.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: في النقاب والحجاب واليسار الفرنسي

في الواقع، لقد نشأ نمط من الحضارة في عالمنا اليوم، يختلف تماما عما سبقه… قد ترفض الحركات الأصوليةُ العقلانيةَ العلمية، لكنها لا تستطيع الهرب منها. لقد تغير العالم على نحو لا يسمح بالعودة إلى السابق، حتى إن الناس اضطروا إلى إعادة تقييم تقاليدهم الدينية التي كانت موجهة لنمط مختلف من المجتمعات.

لكن، في أواخر السبعينيات، بدأ الأصوليون في التمرد على هيمنة العلمانية، وأخذوا يخلصون الدين من موقعه الهامشي ويعودون به إلى الواجهة.

صحيح أن الأصولية قد تكبدت في بعض الفترات بعض الهزائم، إن صح التعبير، لكنها أحرزت نجاحا لا يمكن تجاهله بجعل الدين قويا من جديد، بل وصارت الأصولية اليوم، عنصرا أساسيا من عناصر الواقع الراهن.

“الأصولية” المصطلح

في الواقع، مصطلح “الأصولية” ملتبس ومضلل، فالبروتستانت الأمريكيون أول من استعمله أوائل القرن العشرين، ثم راح يطلق بعد ذلك على الحركات الإصلاحية في أديان العالم بأسلوب أبعد ما يكون عن الدقة.

اقرأ أيضا: ملف “مرايانا”: الشك… بين انفتاح النص وتطرف الفقهاء 3/1

جعل المصطلحُ “الأصوليةَ” تتسم بالوحدة والجمود في جميع مظاهرها، بيد أن ذلك غير صحيح، فلكل نزعة أصولية قانونها الخاص بها ومبادئ ديناميتها.

هذا ناهيك عن أن الترجمة الحرفية لكلمة Fundamentalism الإنجليزية، إلى العربية، هي التي أدت إلى ظهور مفردة الأصولية، وهي في الحقيقة تعني دراسة مصادر شتى القواعد والمبادئ في التشريع الإسلامي… بينما الواقع غير ذلك.

لكن، ومع أن المصطلح لا يتسم بالكمال، لا نستطيع إقصاءه بعد أن شاع كبطاقة تعريف لبعض الحركات التي تتشابه فيما بينها على اختلافها.

  • ما هي الأصولية إذن؟

الأصولية على نحو عام ضرب من الكفاح الروحي، تخوض صراعا مع أعدائها الذين يتبعون سياسات وعقائد علمانية، تبدو مناهضة للدين نفسه… هذه المعركة ليست من قبيل النضال السياسي التقليدي، لكنه نوع من الحرب الكونية بين قوى الخير والشر.

صحيح أن الأصولية قد تكبدت في بعض الفترات بعض الهزائم، إن صح التعبير، لكنها أحرزت نجاحا لا يمكن تجاهله بجعل الدين قويا من جديد، بل وصارت الأصولية اليوم، عنصرا أساسيا من عناصر الواقع الراهن.

الأصوليون يخافون القضاء عليهم، فيحاولون تحصين هويتهم بدروع من العقائد، ويسعون للخروج من التيار الرئيسي للمجتمع وإنشاء ثقافة مناهضة.

ومع ذلك، فهم ليسوا بحالمين، إذ أنهم استوعبوا العقلانية البراغماتية للحداثة، ويسترشدون بزعمائهم في تشذيب المبادئ الأصولية لوضع منهج فكري، وخطة عمل، حتى إذا حان الوقت، حاولوا إعادة القداسة إلى العالم.

اقرأ أيضا: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

معارك في سبيل الإله

كان هذا ما ذهبت إليه الباحثة البريطانية في علم الأديان المقارن، وعضو الجمعية الملكية للأدب ببريطانيا، كارين أرمسترونغ، في كتابها “معارك في سبيل الإله” عن الأصولية في الأديان الثلاثة، الذي صدر عام 2000.

أرمسترونغ درست ثلاث حركات بخصوص ذلك؛ هي الأصولية البروتستانتية الأمريكية، والأصولية اليهودية في إسرائيل، ثم الأصولية الإسلامية في مصر كبلد سني، وفي إيران كبلد شيعي…

هي لا تزعم أن ما توصلت إليه في دراستها ينطبق ضرورة على باقي الأشكال الأخرى للأصولية، لكنها حاولت عن طريق دراسة هذه الحركات، التي تعد الأبرز والأبعد تأثيرا، أن تبين ما تشترك فيه دوافعها من مخاوف ورغبات.

اقرأ أيضا: لننس “الدين الصحيح” ولنتحدث عن “حرية الاعتقاد”

بكل تأكيد، دائما ما كان هنالك من يعارض ويكافح تيار الحداثة المعاصر له، في شتى العصور، ولكن الأصولية التي تعرضت إليها الباحثة تقتصر على القرن العشرين، التي جاءت كرد فعل موجه ضد الثقافة العلمية والعلمانية.

هذا الملف، إذن، عرض لمجموعة من الأفكار والخلاصات التي بنتها ووصلت إليها أرمسترونغ عن الأصولية في خضم دراستها… في جزئه الثاني سنعرض شذرات عن الأصولية قديما قبل أن تظهر في ثوبها الجديد، فيما سنفرد الأجزاء اللاحقة للأصولية في ثوبها الجديد، في كل من اليهودية والمسيحية والإسلام.

في الجزء الثاني نتابع شذرات عامة عن البذور التي أدت إلى ظهور “الأصولية”.

لقراءة الجزء الثاني: “الأصولية” في الديانات الثلاث: ما بين المنطق الروحي والمنطق العقلاني… (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: “الأصولية” في اليهودية: بين لعنة المنفى وغواية الأرض (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: “الأصولية” في المسيحية: حين تنتصب الديمقراطية عائقا! (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: “الأصولية” في الإسلام: هل فاجأ الغرب المجتمعات الإسلامية بالحداثة وأخطأ تقديره للوقت الذي تحتاجه؟ (الجزء الخامس والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *