×
×

الهوى غلاب… لكن بطعم الوصايات !

عندما نكتب، يسري على المكتوب… “مكتوب” الخلود، لأن الكتابة ماء يروي خشب الذاكرة فيخضر من جديد. لن تشكك البيولوجيا في هذا، وسيتواطأ معها علم النفس لإثبات ذلك. هل يستحق العدم حفرا في الذاكرة لنسطره ها هنا؟ إلا العدم. ستسعفنا ساعتها حكاية الثقوب السوداء.

قالت جوليا: غابت شمس الحق. واليوم تغيب شمس الحب بل حب الحياة بكامله.

المهدد بالموت العاطفي كما الغريق يتشبث بكل الألواح الطافية. لعله يكسب طاقة خارجية تمنحه دقائق إضافية للتنفس. وفي كل الأوقات لا تصادف الألواح الطافية الغريق في نفس اللجة. إذ تجري الأمواج بما لا يشتاق الغريق. ساعتها هل يفيد اللوح المحفوظ في الذاكرة؟ أم نستشرف احتمال دور مقبل للألواح الشمسية ترافقنا وترفق بنا في الماء؟

تغرق الذاكرة كلها. وأول ما ينمحي، بعد تحول الجسد إلى تغذية للأسماك، الروح التي من أمر قلبي.

قيل: وجعلنا من الماء كل شيء حي. وحده الغريق يجد الموت في الماء نفسه. فإذا زاد الماء عن حده انقلب إلى غياب أبدي. قاعدة أخرى: بعيد عن العين بعيد عن القلب. لكن الوهم ينسي أهله أبسط القواعد المنطقية. ظن الغريق الحب شركة تأمين بلا أداء للحصص المستحقة. كما لو كان الحب شرفة مفتوحة لا تغلقها تلقائيا رياح الغياب.

حتى موريس دوفيرجي الذي أتينا به لتُدفئه شمس مراكش من برد بقايا عمره في الشبيبة الفاشية تحت راية بيتان، لم يكتف بصياغة دستورنا الأول، بل راح يلوح برزايا الرأسمالية الفجة، مطمئنا لنا بمصير الاشتراكية الديمقراطية، مغرقا براءة اختراع جاك أطالي وإشراقه الجميل في وحل التعميم.

أيتها الطيور المهاجرة، لامسي تلك الشرفة كي تنقل رائحة المودة المتبقية. فلا بديل للحب. يكفي أن للموت جبروته الحتمي. لا يكلف الحب القلب إلا وسعه. من أمسك صبيب الأوكسجين هكذا؟ أللغياب كل هذا الجبروت بوزن حكم إعدام القلب؟

إقرأ انفس الكاتب: حزن الظن: باب الجياف… باب اليهود!

أيها المفترشون شقاوة العدم طول الوقت، البيولوجيا تحكي أن في الجسم قلب. والثقافة تعزف لحن المرايا التي صنعت لقياس أنين القلب على قسمات المحيا. لا إشراقة فوق الوجه إن لم ينبض القلب بدقات من ذكرى حبيب ومنزل. فلا البرد يقتل ولا للسَّموم لهيب.

أمام الجدار. والزقاق غير سالك إذن.

******************            

بعدما سقطت التهنئة بالسنة الجديدة ورقة في ماء بئر مظلم. شيعت قلبي إلى مثواه الأثير: النسيان بمعنى من معاني محمد برادة: امرأة النسيان، المثوى الذي كاد أن يكون الأخير: الملاذ، كذلك اعتقدت ساعتها.

طرحت على نفسي السؤال المرير كما لو كان آخر ورقة لإطفاء شظايا حارقة عن أمل مفقود: كيف سأسمع الأغاني بعد اليوم؟ هل بطعم الغصة أم للقصة بقية في حلم الوقت؟ تركت الجواب في دولاب التجاهل غاية في الجفاء. لعل زئبقة الربيع تجود بعودة ماء…. مترنحا تحت ثقل يأس اللحظة، مترنما بطرب الفراغ الشامل من حولي كالصمت بفم فاغر مخيف. بالمداراة المألوفة ساعة الحزن، توهمني الذاكرة بجرعة نسيان لم أنس علقمها قط. فالتذكر رحى تدور بلا قمح تصطك صخرتاها بلا توقف. ليعلن لي مرات ومرات أنه ليس تذكرا، فالنسيان لم يحضر لقص قليل من شَعَر الهم والغم. فاليأس المتوحش اِلْتَهَمَ الحزن أصلا. والنسيان أبكم لا يجيد إسماع شِعْر الرثاء. فالحب “غضب الله” عن أبيها ساخرا ضاحكا كما استمعت – يوم سألت – وروت نجلاء.

******************

كي يبرد الحديد وينطفئ جمره، ولو أن “الحدّاد ما يحن، ويلا برد زاد النار عليه”، تظل جمهرة الشأن العام، ملاذا أبديا لكل من ضاقت به أشواق العيش اليومي.

كل السلط: باسم القانون، باسم الدين، تتفنن في ممارسة “الحب العنيف” في حق من يحملها القانون مسؤولية تدبير شؤونهم، فتجد أسهل الطرق لتدبير شؤون الناس، في صيغ المنع… أسنان الوصاية وأنيابها….

من خلال مناورات الشعب للتكيف مع البؤس، كانت الأحكام الثقيلة ملاذا/تفسيرا محقّاً لصناعة القادة في الواحد والعشرين من قرون الثور واستغاثة من لوفياثان كي يبقي حرب الكل ضد الكل ملهاة لا تنتهي. مثل الرد على محمد شفيق في حديث “المسيد”، ها هي العشرين سنة تقصف ناصر بتعلّة مهاجمة الإمام. فأصولية لوفيثان وتجار الإمامة قرنان لثور واحد، يزمجر عندما تلوح أُسُد الشعب على الأجمة، سواء لاهية بأغاني الحرية في شوارع الحسيمة، أو عالية أصواتها في المدرجات رفقة اتحاد طنجة.

******************

تلك كيمياء تفاعل المفرد بالجمع، حتى في ألمانيا ذات ماي 68، اشتبكت حرية الأفراد بقضايا في عز الفوران. إذ منعت المحكمة رواية “يوسفينه موتسنباخر” تحت طائلة الوقوع في منطقة الفصل 184، من قانون العقوبات، كونه يعاقب على جعل قراءة الأدب حول الجنس في متناول صغار السن. الكتاب الذي صدر أول مرة سنة 1905، بقي ممنوعا حتى خلال سبعينات القرن 20. إذ لم تشفع الحدود المشتركة الدنماركية الألمانية لكتاب طبع في الدنمارك حيث يسهل اقتناؤه في ألمانيا نفسها، ولم يسمح هذا الجوار الفاقع الدامغ لمحكمة ألمانيا من أن يتخلى القضاة الألمان عم في أدمغتهم من تحجر بقايا النازية الفقهية لتفسير النازلة القضائية بما قد تتيحه القاعدة القانونية الملائمة.

إقرأ أيضا: منع الكتب: سلاح الاستبداد في محاربة التحرر

ولأن الرأسمالية تتفنن في جبر الخواطر، تترك للمحاكم دور كسرها عندما تنتج بعض الخواطر رواية، بينما تسمح نفس المحاكم لخواطر أخرى بإنتاج فيلم من سيناريو استخرج من نفس الرواية الممنوعة. ولأن المنتج أراد اللعب على “شهرة” الرواية الممنوعة كان ملصق الفيلم يضع صورة غلاف الرواية في يد بطلة الفيلم. ولأن دولة القانون في ظل الرأسمالية سارية المفعول المتناقض، فقد كانت الشرطة تحتفظ بأمر منع الرواية، فتقتلع ملصق الفيلم من أماكن الإشهار، لتكتب الصحف عن اقتلاع الملصق في اليوم الموالي، فتزيد الفيلم شهرة.

ولأن الرأسمالية تتفنن في جبر الخواطر، تترك للمحاكم دور كسرها عندما تنتج بعض الخواطر رواية بينما تسمح نفس المحاكم لخواطر أخرى بإنتاج فيلم من سيناريو استخرج من نفس الرواية الممنوعة. ولأن المنتج أراد اللعب على “شهرة” الرواية الممنوعة كان ملصق الفيلم يضع صورة غلاف الرواية في يد بطلة الفيلم

ساعتها ولتخرج المحكمة الألمانية من ورطة التناقض بين شرعية الفيلم السينمائي ولا شرعية الكتاب الروائي، أجازت بيع الرواية المكتوبة مشروطا بمطبوع يملأه المشتري يلتزم بموجبه عدم اطلاع كل من لا يبلغ سن 21 من العمر… يومها (سبعينات القرن 20) كان سن الرشد في ألمانيا يقتضي بلوغ 21 سنة بينما يكتفي اليوم بسن 16، وحتى في إيران اللاهوتية. يا للعجب، يا رجب (ماشي طيب أردوغان).

كل السلط: باسم القانون، باسم الدين، تتفنن في ممارسة “الحب العنيف” في حق من يحملها القانون مسؤولية تدبير شؤونهم، فتجد أسهل الطرق لتدبير شؤون الناس، في صيغ المنع… أسنان الوصاية وأنيابها…

إقرأ أيضا: لِماذا لا تُجسَّد شخصية الرسول محمد في السينما العربية؟

حتى موريس دوفيرجي الذي أتينا به لتُدفئه شمس مراكش من برد بقايا عمره في الشبيبة الفاشية تحت راية بيتان، لم يكتف بصياغة دستورنا الأول، بل راح يلوح برزايا الرأسمالية الفجة، مطمئنا لنا بمصير الاشتراكية الديمقراطية، مغرقا براءة اختراع جاك أطالي وإشراقه الجميل في وحل التعميم.

لم يعد للإيديولوجيا بريق التموقع نعم، لكن الهوى غلاب بلا تساؤل أم كلثوم. مع الشيوعية يمكن لهواة الشعر ترديد كلام نزار قباني: “بردت قهوتنا”، لكن الرأسمالية بارعة في إشعال الحرائق، فلا مناص لتدفئة الأسواق… لكن جويس أبلبي ما زال يراها ثورة لا تهدأ…

ثورة الشعوب أم… ثورة التقنوقراط؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *