×
×

منع الكتب: سلاح الاستبداد في محاربة التحرر

الكُتب، إذا تم النظر إليها من الناحية المادية، ليست بأشياء ذات قيمة لا بديل للإنسان عنها من أجل البقاء على قيد الحياة، فهي ليست بأهمية الطعام أو الماء أو الهواء …

الكُتب، إذا تم النظر إليها من الناحية المادية، ليست بأشياء ذات قيمة لا بديل للإنسان عنها من أجل البقاء على قيد الحياة، فهي ليست بأهمية الطعام أو الماء أو الهواء بالنسبة للبشر. إلا أن قيمة الكتب الرمزية تتعدى كونها مجرد ورق مطبوع عليه بعض العلامات “الغريبة”.

كما أنه لا شيء يرعب “السلطة” أكثر من التاريخ والفنون والآداب، لما لهما من قدرة على “تحرير” العقول من الأوهام، التي تتغذى “القوة” عليها للحفاظ على بقائها في مواجهة تقلبات الزمن المختلفة. لذا، لجأت السلط الاستبدادية، منذ أقدم الأزمنة، إلى منع الكتب التي لا توافق على “الحقيقة المُمأسسة”.

حينما حاكمت الكنيسة الكاثوليكية العالِم الإيطالي جاليليو جليلي، خلال القرن السابع عشر، بالسجن المؤبد متهمة إياه بالهرطقة، وذلك لنشره كتابا يقلب فيه نظام الكون رأسا على عقب، خلافا لما كانت “العقيدة” الكنسية تعتقد به طيلة قرون، لم تكن تعلم أنها تُقدم على فعل سوف يخلده التاريخ فيما بعدُ “كوصمة عار” أبدية على جبين “قداستها”.

منعُ الكتب من التداول ملتصق بأنظمة سياسية دون غيرها، حيث شهدت بعضها حالات منع أكثر من نظيراتها

بالرغم من السنوات الكثيرة التي مرت على هذه المحاكمة الشهيرة، إلا أن بعض المجتمعات إلى حدود ماض قريب مازالت تقدم على منع تداول بعض الكتب المثيرة للجدل، والتي رأت بأنها تسللت على نحو جَسور إلى أكثر المناطق حساسية في نظامها: الدين والسياسة والجنس.

كما أن منعُ الكتب من التداول ملتصق بأنظمة سياسية دون غيرها، حيث شهدت بعضها حالات منع أكثر من نظيراتها، وفي مقدمة هذه الأنظمة، حسب مجموعة من التقارير، توجد دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والتي مارست قبل ظهور الأنترنيت، وفق المتتبعين، رقابة خانقة على كل ما يتصل بالأدب والفنون والعلوم، ضاربة عرض الحائط كل “الخيرات” التي قدمها قديما ويقدمها، إلى حدود الراهن، العلماء والفنانون والمبدعون. فهناك العديد من الكتب العربية التي مُنعت لتناولها مواضيع “حساسة” بطريقة، اعتبر الكثير من الملاحظين، بأنها تحمل همّا تنويريا، يتوخى تحرير الشعوب العربية من سطوة “الإيديولوجية الغيبية”.

اعتبر العظم في كتابه بأن الوقت قد حان من أجل نقل الإيديولوجية الدينية من حالتها العفوية اللاشعورية، إلى حالة التنظيم المنطقي

من بين الكتب الكثيرة الممنوعة في تاريخ هذه الدول أو الأنظمة، سنتطرق في هذا المقال لأربعة كتب أثارت بعد انتشارها نقاشات حادة، وحظيت بمتابعات إعلامية واسعة، بالنظر إلى الأحداث المثيرة التي رافقت منعها، وبالنظر أيضا إلى مضامينها “الجريئة” التي حركت المياه الراكدة.

1- نقد الفكر الديني

شكل صدور كتاب “نقد الفكر الديني”، سنة 1969، لصاحبه صادق جلال العظم، المفكر السوري المتوفى مؤخرا في المنفى بألمانيا، حدثا ثقافيا هامّا في سوريا تخصيصا، وفيما يُعرف بالعالم العربي عامة؛ فقد استقبلته الأوساط اليسارية بالترحيب، في حين أثار حفيظة بعض رجال الدين، لما كان يحتوي عليه من أفكار “جريئة” تمس قضايا دينية بالغة الحساسية، على حد تأكيد مختلف النقاد.

اعتبر العظم في كتابه بأن الوقت قد حان من أجل نقل الإيديولوجية الدينية من حالتها العفوية اللاشعورية، إلى حالة التنظيم المنطقي، معتبرا أن هذه الطريقة هي التي يمكن أن تسعف في تحرير الشعوب العربية من هيمنة “الإيديولوجية الدينية” على تفكيرها.

موقف المفكر السوري لم يرق للكثيرين، وبالأخص من محيط رجال الدين، حيث انبرى الكثير منهم إلى التعليق عليه. مع ذلك، كان لمفتي الجمهورية اللبنانية آنذاك، الشيخ حسن خالد، موقفا آخر مغايرا، بإقدامه على تحريك دعوى قضائية ضد صاحب الكتاب، متهما إياه بالإساءة إلى الإسلام.

لم تشفع للعظم مكانته الثقافية في تجنب المتابعة القضائية، بالرغم من المساندة الكبيرة التي تلقاها من طرف الكثير من المثقفين اللبنانيين. وبالفعل، تم سجنه على ذمة التحقيق، لمدة عشرة أيام، حسب ما صرح به صادق جلال العظم في إحدى البرامج التلفزيونية.

2- نقد الخطاب الديني

لم يكن يخطر على بال نصر حامد أبو زيد، المفكر المصري، أن ينتهي نشر كتابه “نقد الخطاب الديني” بإبعاده عن زوجته وتفريقه عنها تطبيقا “للحسبة”. إذ قضت محكمة مصرية، على إثر دعوى رفعها شيوخ من الأزهر، بالحكم على أبو زيد بالردة، ومنع كتبه من التداول أو النشر.

هذا الحكم جعل نصر حامد أبو زيد يضطر إلى اتخاذ قرار مغادرة مصر، رفقة زوجته “المطلقة” بالقوة، صوب وطن آخر لا يضيق بالكتب والأفكار التي تحملها كالهدايا لكل من يطلبها، فاستقر قراره على الاستقرار بهولندا، التي احتضنته جامعاتها كأستاذ جامعي مختص في الأديان.

منع الكُتب لم يقتصر على مجالات الدراسات الفلسفية-التاريخية ذات الحمولة النقدية العالية تجاه المعتقدات والمجتمع والأنظمة، بل طال حتى مجال الرواية الأدبية

على أن كتاب “نقد الخطاب الديني” لم يكن الثمرة الفكرية الوحيدة التي مُنعت لنصر حامد أبو زيد، فالرجل كانت له تجارب سابقة مع هيئات الرقابة في مصر، لمنعها الترخيص بنشر بعض كتبه المتعلقة بتأويل القرآن، إلى جانب دراسات أخرى، أسالت مدادا كثيرا في صفوف المؤيدين كما في صفوف المعارضين.

وقد رفض أبو زيد في تصريحات صحافية سابقة الضغط النفسي الذي تمارسه بعض التيارات على الكُتّاب والمبدعين، والتي تجد نفسها مدعومة من طرف الدولة نفسها، مشيرا إلى أن “محاكمة كاتب على كتاب تعد جريمة”، مستدلا بأبيات للشاعر السوري المعروف نزار قباني: “لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية”.

 

3- أولاد حارتنا

منع الكُتب لم يقتصر على مجالات الدراسات الفلسفية-التاريخية ذات الحمولة النقدية العالية تجاه المعتقدات والمجتمع والأنظمة، بل طال حتى مجال الرواية الأدبية، أحد أسمى الاختراعات البشرية، التي ينفلت الإنسان من خلالها من “قهر” الواقع غير المنضبط.

لقد طالت مخالب المنع الطويلة، على سبيل المثال لا الحصر، رواية “أولاد حارتنا” للأديب المصري نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل للآداب 1988.

صدرت هذه الرواية على شكل حلقات في جريدة الأهرام المصرية، ولم يكتمل عالمها إلا بعد ثلاث سنوات، لما نُشرت كاملة عن دار الآداب البيروتية سنة 1962، بحيث لم يرخص لها بالنشر في مصر سوى سنة 2006 عن دار الشروق.

أثارت هذه الرواية، منذ كانت سلسلة في الجريدة، ضجة واسعة لما رأى فيها البعض، ولاسيما شيوخ الأزهر، من مساس “بالذات الإلهية”، انتهت باتهام نجيب محفوظ بالكفر والإلحاد والخروج عن الملة.

وكان ممن انبروا للهجوم على الأديب المصري، الشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد الحميد كشك، متهمين الكاتب بالاستعاضة بالشيوعية والماركسية والاشتراكية العلمية عن الدين والألوهية، وأصدر الشيخ كشك عن الرواية كتابا تحت عنوان “كلمتنا في أولاد حارتنا”.

مخالب المنع التي طالت رواية “الخبز الحافي” ساهمت في الشهرة العالمية الواسعة التي حازت عليها هذه الرواية

وعلى خلفية “الجبلاوي” و “أدهم” و “إدريس” ومختلف شخصيات رواية “أولاد حارتنا”، تعرض نجيب محفوظ إلى محاولة اغتيال فاشلة سنة 1995، من شاب حاول طعنه من عنقه. وحين سُئل الشاب عما إذا كان نادما على جريمته، أجاب بالنفي، باعتبار أن محاولة الاغتيال هاته جاءت على خلفية فتوى أصدرها أحد الفقهاء أباح فيها دم صاحب “بداية ونهاية” و “ثلاثية القاهرة”. ويُحكى في هذا الصدد أن القاضي حين سأل الشاب المُتهم عن الذي قرأه في الرواية، طالبا منه إمداده بما يثبت إلحاده انطلاقا من متن النّص، أجاب الشاب بأنه أمّي لا يعرف القراءة ولا الكتابة؛ لتبقى بذلك هذه الحكاية دالة على المدى الذي يمكن أن يقود إليه الجهل.

4-  الخبز الحافي

رغم طغيان مشاهد العنف والبؤس والجنس على رواية “الخبز الحافي” للكتاب المغربي محمد شكري، في خطوة وصفها الكثير من النقاد بأنها “جريئة”، إلا أن مخالب المنع التي طالتها، على خلفية نشرها بالمغرب في نسختها العربية سنة 1982، ساهمت أكثر من غيرها في الشهرة العالمية الواسعة التي حازت عليها هذه الرواية.

منع “الخبز الحافي” لم يتوقف على المغرب فقط، بل اتفقت مجموعة من الدول في شمال إفريقيا والشرق الأوسط على قرار منع انتشارها. ومع ذلك، تضاربت الآراء بشأن الجهة التي كانت تقف وراء قرار منع صدور الرواية بالمغرب.

أصابع الاتهام بشأن قرار المنع توجهت إلى مجموعة من النخبة المغربية المثقفة، وفي مقدمتهم عبد الله كنون، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس رابطة علماء المغرب، حيث كان محمد شكري يتهمه بالوقوف وراء قرار المنع، وتوفي وهو مقتنع بذلك. إلا أن المؤرخ عبد الصمد العشاب، محافظ خزانة عبد الله كنون سابقا، صرّح في حوار إذاعي بُثّ على أمواج إذاعة طنجة، سنة 2011، بأن صاحب كتاب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” لا دخل له في منع رواية “الخبز الحافي”.

ومع ذلك، حققت الرواية ناجحا باهرا، قادت الشحرور الأبيض، كما كان يُلقب محمد شكري من طرف أصدقائه، إلى قمة المجد الأدبي، وجعلت منه كاتبا عالميا تخطت أصداؤه أسوار “سوق الداخل” بطنجة، فقد ترجمت الرواية إلى أكثر من 38 لغة عبر العالم، لتضرب بذلك المثل بخصوص قصور المنع في محاربة الكتب والإبداع ومصادرة الحريات.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *