×
×

أحمد الخمسي يكتب ـ حزن الظن: باب الجياف… باب اليهود!

عبر كل فترات تاريخ المغرب، يمكن القول إن ثقوبا في مخ الأسلاف، لم تتمكن من استيعاب مبدأ “إتمام مكارم الأخلاق”. وليدعي من سوف يدعي أن الجهر بنقيصة دماغ الأسلاف سبق …

عبر كل فترات تاريخ المغرب، يمكن القول إن ثقوبا في مخ الأسلاف، لم تتمكن من استيعاب مبدأ “إتمام مكارم الأخلاق”.

وليدعي من سوف يدعي أن الجهر بنقيصة دماغ الأسلاف سبق أن فُكِّرَ فيه من قبل.

عنوان المقال يعلن الفضيحة مسبقا. لكن التطبيع مع التردي الموروث، وجه من أوجه الإذعان اللاشعوري للسلف. نعم: باب الجياف. تلك لوحة مكتوبة ضمن اللوحات التي أدت بلدية تطوان مصاريف إنتاجها وتعليقها على أبواب المدينة العتيقة.

واقفا أتأمل الفضيحة. إذا بي أجدني أمام سيارة بلوحة إسبانية تقتحم الباب رغم علامة ممنوع المرور. أما الاندهاش أمام هذا التلبس فقد تحول إلى قرف، لحظة رؤية فوج من سياح ناطقين الفرنسية بسحنة أوربية يتابعون سلوك السائق. ثم جاءت الدوخة لما نطق المرشد السياحي باسم غير الاسم الرسمي للباب (باب الجياف)، إذ اختصر الحرج والتف على احتمالات تعليق السياح الأجانب لو ذكر الاسم المكتوب على اللوحة (باب الجياف)، فادعى أن الباب يسمى باب اليهود (la porte  des juifs)، وهنا لم يجد الحرج في ربط الاسم الذي ادعاه رسميا، وفسر تسميته تلك (المبتكرة من طرفه طبعا) كون الباب على مقربة من مقبرة اليهود خارج السور، وكونه مجاورا لحي الملاح داخل السور.

كان المواطن اليهودي المغربي في تطاون يضطر إلى حمل بلغته بين يديه والمرور منحنيا أمام مجموعة صغيرة من أعيان تطاون المسلمين. لم يكن يمكنه لبسها، لاحقا، سوى بعد الابتعاد عن أولئك الأعيان.

منذ قرون، ظلت أغلبية سكان تطوان تعتبر جثامين الأموات المغاربة اليهود مجرد جيفة. يا للهول! في الحقيقة هذه حالة تفجر في وجهنا جميعا حقيقة السكيزوفرينيا، معبرا عنها بالهوة المفجعة، ما بين البروبغندة وما بين المعيش الهامد في اليومي… يومنا جميعا. نعم جميعا: مجتمعاً ومؤسسات.

في كل العروض الثقافية، يردد الأصوليون والليبراليون واليساريون، الحريصون على التعبد اليومي في المساجد، وكذا المسلمون بالثقافة الموروثة وكذا المدعون استيعاب الثقافة الحقوقية الغربية، نفس الخطاب المكرر. الجميع يمر متنفِّسا عطر الماضي التليد المبني على “التعايش” و”الاحترام المتبادل” بين المغاربة من “أهل الكتاب”.

لو أن من يصل عمرهم اليوم إلى 90 سنة وأقل، تذكروا لحظة اللباس التقليدي من طرف المغاربة جميعا (البلغة والجلباب)، لذكرونا كيف كان المواطن اليهودي المغربي في تطاون يضطر إلى حمل بلغته بين يديه والمرور منحنيا أمام مجموعة صغيرة من أعيان تطاون المسلمين. لم يكن يمكنه لبسها، لاحقا، سوى بعد الابتعاد عن أولئك الأعيان.

كانت عبودية المعيش تتجسد في اعتبار أعيان تطاون لليهود التطاونيين رعايا من درجة ثانية، لتصبح جثامينهم وهم أموات مجرد “جيفة”، أي جثامين حيوانات ميتة يحق للكلاب والغربان أن تعبث بها. فغالبا ما تطلق كلمة “جيفة” في الدارجة المغربية على جثامين الكلاب والقطط الميتة المرمية على الطرقات. لتتحول إلى مبعث روائح كريهة قد يتم إحراقها للتخلص من مصدر “الخنز”.

… لم ينتبه لهذا التمييز المرسّم، لا الجمعيات الحقوقية ولا الحركات الدينية النهضوية ولا الهيئات الحديثة التي تنبذ العنصرية والتمييز على أساس الدين. بل لم ينتبه له حتى رعاة الذاكرة اليهودية في المغرب.

دواعي اعتبار تسمية أحد أبواب تطاون باب الجياف فضيحة، كونها لم تبق عند حدود تسمية “شعبية” تعكس التخلف العنصري اللاواعي بسبب الدين، بل يتم ذكر الاسم/ الفضيحة في خرائط رسمية.

… فلم ينتبه لهذا التمييز المرسّم، لا الجمعيات الحقوقية ولا الحركات الدينية النهضوية ولا الهيئات الحديثة التي تنبذ العنصرية والتمييز على أساس الدين. بل لم ينتبه له حتى رعاة الذاكرة اليهودية في المغرب.

أما أن تغفل الدولة على هذه الفضيحة، فالأمر مخجل حقا. كما أن مواقف الأحزاب كلها مخجلة.

ما زال موقف محمد بن يوسف رائدا لما رفض خلال الحرب العالمية الثانية تنفيذ أوامر حكومة فيشي الاستعمارية الفاشية بقيادة الماريشال بيتان، والتي قضت بإصدار قوانين التمييز ضد المغاربة اليهود حينها، امتدادا لنفس القوانين المجحفة فوق التراب الفرنسي.

فهل أغفلت منظمة اليونسكو هذا الأمر عندما أقرت تطاون تراثا عالميا منذ عقدين؟ علما أن مقرها في باريس نفسها التي قاومت حكومة فيشي الفاشية العنصرية.

أم أن كل القرارات، كيفما كانت المؤسسات التي تصدر عنها، يصيبها العطب في لحظة من لحظات صناعة القرار؟

كل الأمم تراجع عثرات تاريخها، فتقدم الاعتذار للمتضررين. وقد سبق للمؤرخ الراحل حكيم ابن عزوز أن طالب من الجهات المعنية أن تنبه اسبانيا إلى ضرورة الاعتذار للمسلمين عن الكيفية التي تمت معاملتهم بها، والتي تطابق اليوم تهمة الجرائم ضد الإنسانية. فهل نقبل نحن نفس المعايير لتخليص تاريخنا من شوائب المس بالكرامة الإنسانية؟ هل نِفعل مكارم الأخلاق التي بعث خاتم المرسلين ليتممها، من أجل تجديد قيم أمة الكتاب؟

لقد ثبتت أصنام هبل والغرانيق العلا (مناة واللات والعزى) قرونا حول الكعبة في مكة المكرمة. ولما أجمعت الأمة على تغيير مضمون الإيمان الديني، لم تعد تعتبر تلك الأصنام مجرد وسائط عند لحظات الدعاء من طرف عرب جرهم وخزاعة قبل سيطرة قريش على مكة؛ بل تخلصت منها. في وقت ما، لم يبق لتلك الأصنام في مكة أثر أصلا. ملخص القول هو ضرورة التخلص من تسمية أو علامة رمزية حين تصبح نشازا في الوعي العام.

فهل أغفلت منظمة اليونسكو هذا الأمر عندما أقرت تطاون تراثا عالميا منذ عقدين؟ علما أن مقرها في باريس نفسها التي قاومت حكومة فيشي الفاشية العنصرية.

إن استحقاق التقدم الذي ينعم به بعض سكان الأرض، مثل بعض البلدان الأوربية التي بلغ بعض مغاربتها المهاجرين سدة رئاسة البرلمان فيها، يقتضي أن يعيد المجتمع تقييم بعض الأخطاء الجسيمة، والتي بفعل المنظومة الثقافية السابقة، لم تكن تعتبر أخطاء جسيمة في حق الإنسانية. لكن التحولات الكبيرة التي جعلت عدد مساجد أوربا يفوق الألف، تقتضي منا مراجعة البنية الذهنية المنتهية الصلاحية والتي تدعو إلى الخجل في كثير من الحالات، مثل حالة تسمية “باب الجياف” بتطاون.

ومثلما تُراجعُ أكاديميات الدول الغربية قواميس لغاتها كي تتلاءم مع مستجدات القيم والآلات والظواهر والأساليب والموضة، كذلك تقع على المؤسسات العلمية العليا مسؤولية استبدال تسميات ورموز ماسة بكرامة بعض المغاربة. كما تواكب الجماعات الترابية المنتخبة التوسع العمراني بتسمية الأزقة والشوارع بما تحمله الذاكرة من رموز جديدة، على جامعاتنا أيضا أن تدقق البحث والدراسة في موروثنا المخل بالكرامة، بمختلف أشكاله السلوكية والتواصلية والاعتقادية؛ ففي الحالة التي نعالجها هنا، ترك لنا السلف ما يندى له الجبين من صلف الكلام: مثل المثَل القائل: “بحال مقابر…، البيوضة وقلة الرحمة”.

ومثلما يضع قانون إنتاج الأفلام بعض الشروط حتى لا يتم تداول العنف اللغوي أو التصرف الداعي إلى العنصرية، من المفترض أن يتم رصد بعض التسميات الماسة بأبسط مظاهر الكرامة الفردية والجماعية.

إن خصما خارجيا ينتبه لاستمرارية تسميات مهينة وعنصرية سيلحق الضرر بمؤسسات سيادية في الحكومة أو في البرلمان أو في القضاء. وسيعتبر التشريعات الحديثة المواكبة للقوانين الدولية مجرد ديكور.

تعليقات

  1. محمد بوسعد

    باب الجياف لا يوجد فقط في تطوان بل يوجد كذالك بمدينة فاس ويتواجد بالقرب من مقبرة اليهود المغاربة الذين تجاورنا معهم في إخاء تام ولم يعتبرهم آباؤنا مغايرين لنا إلا في الدين وقد حكت لي أمي انهم كانوا يتداوقون بينهم حلوى الأعياد لكلا الديانتين والشهيوات المحضرة في البيت،كان اليهود والمسلمون يعيشون مغاربة في إخاء تام.
    لقد سألت غير ما مرة عن تسمية المكان بهذا الإسم وكانت تعطي أسباب كثيرة إلا حين قرأت مقالكم شكرا لكم عن النبش في تاريخ بلادنا ولكم أزكى التحيات.

  2. أمين عين

    شكرا لكم على النبش في الذاكرة.
    ولكن لا ينبغي اعتبار الدول الغربية نموذجا في مراجعة اخطائها ضد الانسانية. حيث نجد مثلا أن إسبانيا تمتلك متحفا يؤرخ لمجازر ومحاكم التفتيش بل تتباهى بماضيها القذر. كما ان بعض بلدياتها وبلديات البرتغال تحمل شعاراتها صورا لشخص نصراني يقطع ويبتر رأس رجل مسلم سواء في راياتهم أو على واجهات مبانيهم. وشكرا

  3. عبد السلام لوديي

    شكرا لكم على لفت انتباهنا لهذا الأمر المخجل والمؤسف له. آمل أن يستيقظ من يتربع على كرسي المسؤولية واتخاد القرارات البناءة والإسراع في أصلاح ما ينبغي إصلاحه. هناك بلدة بإسبانيا كانت تحمل قريبا اسم ماطا إلخوديو mata eln Jodeo إي اقتل اليهودي فانتبهت الناس لهذا الاسم واللفظ الشنيع والذي يجلب العار على الاسبان. فقامت السلطات بتغيير طفيف على الاسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *