×
×

شهاب الدين السهروردي… حلقة من مسلسل إعدام التّصوف في التّاريخ الإسلامي! 1\3

الحديثُ عن شيخ الإشراق شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي المتصوّف، يدفعنا إلى سؤال ظلّ على الدّوام حارقاً: لماذا سُلِّطت الشريعةُ لقتل أعلام التصوف، رغم أنهم ظلموا مسالمين تجاه الآخر ومتسامحين مع مختلف العقائد؟

قتلوا الحلاج، وقتلوا عين القضاة، وقتلوا السّهروردي وغيرهمْ من الذين أُعدموا جزاءً لممارساتهم وأفكارهم التي كانت تسعى للبّ الحقيقة وتغادر قشور الشريعة. ممارسات نقلت التجربة الدينية من محتواها الخارجي الطّقوسي إلى تجربة ذاتيّة داخلية جد عميقة.

السهروردي كان من ضحايا العنف والتنكيل الممارس ضد الصوفيين. فمن هو السُّهروردي؟ وما طبيعة العصر الذي نبغ فيه؟ وكيف قتل ولماذا قتل؟ وما هي معالم تجربته الفلسفية؟

هذا ما سنتابعه في هذا البورتريه.

مشاهد من حياة السُّهروردي!

ولد شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي حوالي منتصف القرن السادس الهجري. تذهبُ التقديرات التاريخية إلى عام 545هـ كتاريخ لمولده، بينما الكثير من المصادر رجّحت، دون تدقيق، أن يكون تاريخ الولادة بين 545 و550 هـ، في قرية سُهرورد.

هذه المنطقة التي ولد فيها السُّهروردي، عُرفت حينها بالتّحرر الفكري والعقائدي، وشهد فيها العقلُ الإنسانيّ نشاطاً ملحوظاً؛ حتّى أنّ بعض المراجع تقول إنّ هذا التحرر، بالذّات، كان عاملاً أساسيًّا في أن يهجرها الكثيرون من سكّانها، وظلّت عائلاتٌ معدودة لم تبرح المدينة، بما فيها أسرة السُّهروردي.

سُهروَد هذه بلدة كردية في شمال غرب بلاد فارس، قرب همذان، وهي منطقة ميديا القديمة. والسُّهروردي هو يحيى بن حبش بن أميرك، وكنيته أبو الفتوح، ولقبه شهاب الدين. لقب بالمقتُول تمييزاً له عن متصوّفة آخرين حملوا اسم “السُّهروردي” أيضاً.

صفة “المقتول”، هذه، فيها نقاش، وهناك من يجدُ أن الأصل هو صفة “الشهيد”. أحمد أمين، مثلاً، يعتبرُ أنّ تلقيبه بصفة المقتول إنّما هو مبيّن عن إقرار خفيّ بأنّه قتل استحقاقاً لهذا القتل، وإلاّ، لكان أولى أن يوصف بالشّهيد. لذلك، يكون السّهروردي، بهذا المعنى مقتولاً عند جمهور المؤرخين والفقهاء، بينما هو شهيدٌ عند تلامذته.

لُقّبَ كذلك بالشّهيد وبالحكيم. قيل اسمه أحمد وقيل اسمه هو أبو الفتوح… لكنّه عرفَ بشهاب الدّين السّهروردي.

قضى السنوات الأولى من حياته في سُهرورد، وفيها تلقى ثقافته وعلومه الأولية، سواء أكانت دينية أم فلسفية أم صوفيّة. إلاّ أنّه ليستْ هناك معطيات دقيقة حول تفاصيل مرحلته العلمية الأولى.

بعض المعلومات المتناثرة التي ينقلها المتخصص في فلسفة السهروردي، خنجر حميّة، تشير إلى أن هذا المتصوف لم يكتف بما تلقاه من العلوم في بلدته سهرورد، وإنما قام برحلات علمية عديدة، مثله في ذلك مثل كثيرين من طلبة العلم في عصره، فكان كثير الترحال من بلد إلى آخر، مثل أصفهان ومراغة في أذربيجان، حيث تناول علمه على يد ظهير الدين القاري، وقابل عددا من شيوخ المتصوفة ومال إليهم وإلى ما عندهم من علم الباطن، ودرس علوم الفلسفة والدين في مراغة من أعمال أذربيجان على يد مجد الدين الجيلي، الفقيه الأصولي المتكلم، ولازمه مدة، إلى أن برع فيهما.

مجد الدين الجيلي هذا هو شيخ فخر الدين الرازي وعلى يده تخرج. كان أساتذته في هذه المرحلة أساتذة فخر الدين الرازي أنفسهم، وهم من كبار الأشاعرة.

ترك السهروردي أذربيجان واستقلّ بنفسه ومال إلى المباحث الفلسفية والصوفية، لأنه كان من أسرة صوفية معروفة. ثم تنقل في البلاد على قدم التّجرد، ولقي بماردين الشيخ فخر الدين المارديني، وكانت بينهما صحبة.

ويبدو أثر ذلك في مذهبه الذي لم يخل من نزعة مشّائية (مدرسة أرسطو) في بعض الأحيان، رغم أنه أقرب للتقليد الفلسفي الأفلاطوني. كان فخر الدين المارديني يثني عليه كثيرا ويقول: “ما أذكى هذا الشاب وأفصحه! لم أر في زماني أحداً مثله”. في أصفهان، التقى بتلامذة الفيلسوف الشهير ابن سينا، واطمأن إلى صحبتهم، وأولع بهم، فكانوا أصدقاءه.

كما زار غربا دیار بکر أيضا، وكان يفضل الإقامة فيها، واتصل بأمير خربوط عماد الدين قره أرسلان، وأهدى إليه كتابه “الألواح العمادية”. المستشرق ماسينيون يرى أنه أسس مذهبه الإشراقي في بلاط هذا الأمير.

بعدها، سافر إلى الأناضول في آسيا الصغرى، وهي جزء من تركيا حاليًّا. وكان كلما حل ببلد، يبحث عن العلماء والحكماء فيه، فيأخذ عنهم، ويصاحب الصوفية، ويأخذ نفسه بما كانوا يمارسونه من مجاهدات وریاضات روحية. ثم رحل إلى سوريا فزار دمشق واستقر به المقام أخيرا في مدينة حلب، حوالي سنة 579 هـ.

السُّهروردي… متصوّف عاثر الحظّ؟ 

كلّما يتمّ الحديث عن السّهروردي، إلا وكان هناك إصرار على رسم صورة للطّبيعة “الغريبة” سياسيا وعقديا وأيديولوجيا، التي حكمت الفترة التي جاء فيها هذا المتصوفة إلى حلب وقتئذٍ.

جرت العادةُ أن تتمّ الإشارة إلى أنّ عصر السّهروردي، أي القرن السادس الهجري، كان منغلقا وعرف فيه التعصّب للرأي أَوْجَهُ، واندحرت الأفكار التّحررية واشتدّت الصراعات المذهبيّة والصراعات السياسية.

الأصلُ أن القرن السادس الهجري كان امتداداً لحلقات الصراعات التي طفت منذ القرنين الرابع والخامس الهجريين. لكنّ ذلك أخذ نزوعات مذهبية حين تقوّى المذهب الأشعريّ وأصبح مذهباً لحكم صلاح الدين الأيوبي وقتها.

من المعروف أنّ أبا الحسن الأشعري انقلب حينها على المعتزلة بعد أن كان منهم، وأعلن الثورة عليهم، وخرج عن أصول المذهب الخمسة، فرفض موقفهم من الذات والصفات ومسألة خلق القرآن وغيرها… ثمّ أخذ يهدمُ وينسفُ المذهب العقليّ الوحيد وقتها، محتميا بدرع السنّة لدحض المذاهب الباطنية والتأويلية.

تقولُ الباحثة في التّصوّف أسماء خوالديّة أنّه سرعان ما وجد أتباع “المنقول” الخانقين على “المعقول” بغيتهم في النهج الأشعري، ولاسيما أتباع المذهب الشافعي، فاعتنق كثير من الفقهاء والعلماء الفكر الأشعري؛ وحمل لواءها بعض مشاهير المفكرين، من أبرزهم أبو حامد الغزالي، الذي عُرف بلقب “حجة الإسلام”، ربما لأنه شنّ حملات شعواء على الفلاسفة.

يبدو ذلك جليًّا في تأليفه كتاباً بعنوان “مقاصد الفلاسفة” و”تهافت الفلاسفة”. لكن، عموماً، كان العصر مرحلة انغلاق ملحوظ، وكانت ثمّة حملة شديدة من الاضطهاد والتّعصب تتجهُ مدافعها ضد الفلاسفة والباطنية من إسماعيلية وإماميّة وغيرهم من مذاهب الشّيعة.

أمَّا من النّاحية السّياسية، فكان العالم الإسلامي موزعاً بين الخلافة العباسية السّنية، والخلافة الفاطميّة الشيعية، وكان البويهيون الشيعة قد هيمنوا على مقاليد الأمور في إيران وکردستان والعراق، وأبقوا على الخلافة العباسية ظاهريًّا، وتحكموا في الخلفاء حقيقة.

بمجرّد صعُود نجم التركمان السلاجقة في الشرق -وكانوا قد اعتنقوا مذهب السنة- حتى استعان بهم الخلفاء العباسيون للخلاص من البويهيين الشّيعة. وهذا ما أنجزه السلاجقة، ووجدت المؤسسة السلجوقية الحاكمة أن الخط الأشعري هو خير سلاح لتحقيق الانتصار الإيديولوجي على البويهيين، بعد تحقيق الانتصار العسكري، كما وجدوه خير سلاح لمقارعة الأيديولوجية الفاطمية منافستهم القوية، كما تقول الباحثة خوالدية.

بهذا، سلك الزّنكيون، وهم تركمان من أتباع السّلاجقة، مسلك سادتهم، وضغط آخر سلاطينهم، نور الدين زنكي، على واليه في مصر، صلاح الدين الأيوبي، لإلغاء الخلافة الفاطمية، واتخاذ المذهب الشافعي بتوجهه الأشعري مذهبًا رسمياً للدولة.

كان الأيوبيون الكرد قد تربوا على الثقافة ذاتها، فكان من الطبيعي أن يكون للمذهب الشافعي بتوجهه الأشعري المقام الأول في أرجاء الدّولة الأيّوبية… التي قُتل فيها السُّهروردي!

في الجزء الثاني، نرصد حضور السّهروردي بحلب، وتأثير تجربته الصوفية على علاقته مع الفقهاء ومحنة التكفير… والقتل!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *