×
×

الجنس في التجربة الروائية المعاصرة: بين المشرق والمغرب… حكاية جنسانيّة مضمرة! 3\3

تابعنا في الجزء الأول نظرات حول الجنس كضرورة فنية لتأثيث عالمٍ سرديّ، وقاربناه وفق رؤية تقول بالاحتجاج ضدّ الحرمان ومصادرة الرغبة. في الجزء الثاني، قدمنا آراء عن الجنس كسلعة روائية خالصة، أي كحاجة تسويقيّة لها غاية البيع والمزيد من البيع.
في هذا الجزء الثالث والأخير، نقارن، بشكل بسيط وغير معقد مشهد الجنس بين الثقافتين المشرقيّة والمغربيّة، فيما يتعلق باستعمال الجنس لضرورة أدبية، أو ليّ عنقه ليحضر قسرا.

كان جورج طرابيشي أكد في كتابه: “شرق غرب، رجولة أنوثة”، أنّ بعض الأعمال التي درسها: “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم، “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، جاء فيها الجنس كضرورة فنيّة وأدبية، لاسترجاع الذات المستلبة والانتقام لها والتعويض عن النّقص والحِرمان…

فهل ينطبقُ هذا على بعضٍ من التّجربة الرّوائية المغربيّة التي احتضنت الإيرويسية ضمن متُونها بجرأة؟

محمد حجو: السياقات بين المشرق والمغرب تختلف 

يعتقد محمد حجو، أستاذ السيميائيات وتحليل الخطاب بجامعة محمد الخامس بالرباط أن السياق يختلف بين هذه التجارب الواردة هنا والتجربة الروائية المغربية في هذا المجال. ذلك أن عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، هوعبارة عن قصة أو مسرحية ذهنية، يتخيل فيها الكاتب حكاية شاب مصري مع فتاة فرنسية، كأنه قد وضع نصب عينيه، ومنذ البداية، إدانة الغرب أو الحضارة الغربية، بسبب ما يطغى عليها من مظاهر الماديات والمكاسب الدنيوية المزيفة، في مقابل الشرق أو الحضارة الشرقية التي تبقي باب الأمل مفتوحا بين حياة دنيوية وحياة أخرى بعد الممات.

لعلّ استدعاء توفيق الحكيم لشخصية روسية، وفق حجو، لا يخلو من موقف سياسي، وإن كانت وظيفة هاته الشخصية (إيفانوفيتش) هي تتبع القصة والقيام بالمقارنة. فما معنى حضور روسيا (وهي شرق)، في ذلك الوقت؟

أما رواية موسم الهجرة إلى الشمال، للطيب صالح، فهي تجربة مغايرة، وإن كانت بدورها تضع العربي (مصطفى سعيد، الطالب السوداني، بطل الرواية) في مواجهة الآخر الغربي الإنجليزي. هذا العربي المحروم (المنهزم أو المهزوم) الذي يمارس فحولته الجنسية تعويضا أو تنفيسا أو تداركا لشيء، أو أشياء كثيرة من هويته، سقطت من حقائب التاريخ حين ركد الزمن العربي، وتحركت قطارات الاستعمار والهيمنة الغربية.

لكن… تجدر الإشارة إلى أنه، على اختلاف التجارب الأدبية الروائية العربية، يبقى توظيف الجنس لصيقًا بهذه الرمزية التعويضية أو الانتقامية، إن صح القول، من الآخر/ الغربي/ المضطَهِد في هذا النوع من الروايات. وذلك ما قد لا نعدمه في رواية مثل المرأة والوردة لمحمد زفزاف من المغرب، ونحن نتتبع مغامرات الرواية وتسكع بطلها في أزقة وشواطئ طوريمولينوس الإسبانية.

حسب ما شرحه حجو لمرايانا، فإنّ هذا لا ينفي أن توظيف الجنس في الرّواية المغربية قد أخذ منحى تصاعديا في تجارب عديدة، منذ السبعينيات إلى الآن، منها ما نجح ومنها ما لم يرق إلى درجة التعبير الفني الملائم عن طبيعة التّصدعات الاجتماعية والنفسية التي عرفها المجتمع المغربي، كغيره من الشعوب الخارجة لتوها من هيمنة الاستعمار.

كخلاصة، يقول المتحدّث إنه لم يقتصر ذلك على الروائيين، بل طال روائيات مغربيات أيضا، ممن سعين إلى التعبير عن تجربتهن ورؤيتهن الإبداعية للتحولات الاجتماعية والنفسية للحياة المغربية. ونذكر منهن، على سبيل المثال لا الحصر: فاتحة مرشيد في روايتيها: لحظات لا غير، ومخالب المتعة، والزهرة رميج في روايتها: عزوزة…

محمد أمنصور: لا يمكن تعميم قول طرابيشي

محمد أمنصور، الناقد والروائيّ، يجد أنه لا يُمكن تعميم قول طرابيشي لا على الرواية المكتوبة بالعربيّة ككل، ولا على الرواية المغربية بشكل خاص، لأنه ينصرف إلى متن روائي بعينه، تقاطعت موضوعاته وتيماته عند موضوعة الجنس في إطار قراءة نقدية معينة  توسع الناقد جورج طرابيشي في عرضها.

يعتقد أمنصور، في هذا السياق، أنه لا ضرورة فنية أو غير فنية تفرض على أي أديب روائي مغربي أن يراهن على الجنس وحده للاحتجاج أو التصدي لمعضلات الحرمان أو استعراض النقص الجنسي أو استعادة السيادة على الذّات المستلبة والانتقام لها والتعويض عن مكبوتاتها…

ما يراه أمنصور، في حديثه لمرايانا، أنّ العنصر الحاسم في التّعاطي مع هذه التيمة، هو طبيعة الحكاية ونوعية الشّخوص والرؤية الوجودية التي يرغب الروائي في تقديمها لقرائه. أما الموجه في كل هذا، فهو موقف هذا الروائي أو ذاك من الجسد بما هو جسم بيولوجي وجسد ثقافي، حتى إن المظهر الحكائيّ للرواية قد يبدو أحيانا وكأنه مجرد عنصر مجسد لموقف الروائي من الجسد والوجود، سواء كان هذا الكاتبُ مغربيًّا أو مشرقيًّا.

من جهة أخرى، يختم المتحدث معتبراً أنّه لا يمكن التعميم والحديث عن التجربة الرّوائية المغربية ككّل، للجزم بأن جميع الأعمال المغربية التي وظّفت الجنس في عوالمها الروائية، قد استعملته للضرورة الفنية والأدبية أو العكس. الحالة المعروفة والمؤكدة، هي حالة محمد شكري في سيرته الذاتية “الخبز الحافي”، هذا نموذج إيجابي في التعامل مع موضوعة الجنس، فهو لم يلجأ إليه إلاّ لضرُورة فنيّة اقتضاها إبراز مكامن الشّخصية السير ذاتية التي يتمحور حولها عملهُ السّردي.

سلمى الغزاوي: اختلافٌ داخل ثقافة واحدة 

تعتبر سلمى الغزاوي، في حديثها لمرايانا، أنه في سياق المغرب، يبدو أنّ الجنس، حين ارتَمى إلى دواخِل الرّواية المغربية المُعاصرة، كانت له رهاناتُ نسف كثير من التّصورات الوصيّة على التّعبير وعلى الجسد، وتبيئة لغة أدبية تكسر الطابوهات والمستور؛ بل كان يرمزُ للسلطة الأبيسيّة، ويؤدي وظائف كثيرة في المتن السرديّ. بمعنى أنه لم يكُن شيئًا مفصُولا عن عالم الحِكاية ويمكن بتره أو الاستغناء عنه.

حتى الغزاوي تأبى إلاّ الاستشهاد بمحمد شُكري، الذي تقول إنه دشّن هذه التّجربة لمّا كان يطمح إلى جعل الجنس مُكوّنا محمولاً بصيغ مجتمعيّة وسياسيّة. إنّه كان يبحث من خلاله عن هويّته، ولم يخفِ هوسهُ بأجساد النساء ولم يتحرّج في بسط مضاجعهتنّ بأدقّ تفاصِيلها. كان الجنس جزءا مهمًّا من الحكاية مثل النبيذ والجُوع والسّجائر… وهذا التّوظيف، الذي في أصله هُروب من واقع مُتردي وقاتم، عبّد الطّريق أمام رواية الخُبز الحافي لتكتبَ مساراً آخر حاول كثيرون السير على منواله.

تنظر الروائيةُ إلى شكري ومن حاقَبه من مبدعين، وكثيرون آخرون، أنهم وظفوا الجنس لأغراض نبيلة بيّنت عمق التجربة الروائية المغربية المعاصرة في محاكمتها للطّابوهات، وتحرير عمليّة الإبداع من الوصَاية والرّقابة. المجتمع المغربي مختلف، والرواية نتاج مجتمعي خالص، لهذا بدأ الجنس كمعْطى فني لا غنى عنه.

لكنّ الآونة الآخرة، وما لاحقَها من استسْهال للرّواية، اتضح فيها أن هناك، أحيانا، نزوعا إلى تسليع الجنس وتصويره بشكل فجّ ومبالغ. يكاد الوضع يغدو بورنوغرافيًّا خالصًا في بعض الأعمال. هناك خلطٌ في مفهوم الجرأة وما تستدعيه الرّواية كفن له مقوّماته الشكليّة والمضمونيّة. إنه أكثر من ذلك، خلطٌ بين الإيروتيكية كشرط جمالي، وبين الإباحيّة كترف تعبيري وحشو سردي لا جدوى منه؛ وبتره لن يخلّ بتماسُك الحبكة الروائيّة للعبة السرديّة في كليّتها.

هذه الروايات، وفق الغزاوي، تخبرنا أن التّجارب مختلفة حتى داخل المجتمع الواحد، أي وسط الثّقافة عينها، وليس فقط بين المَشرق والمَغرب… كما يبدو وكأنّ الذين يكتبونها، لا يفعلون ذلك بمعزل عن طموح خفيّ يرنو نحو خلودٍ ما. غير أنّ الراجح، أنّ الخلود لا يقاس بمدى توظيف الجنس، بل بالقيمة المضافة التي ستخلُقها الرواية في المشهد الثقافيّ المغربي، والمنطقة النّاطقة بالعربيّة عمومًا.

في نهاية الملف، يبدو أنّ هناك خيطا رفيعا جدا بين الإيروتيكية كشرط جمالي وفني وبين الإباحيّة كوسيلة تسويقيّة أو كرغبة في البحث عن كلّ السّبل المُمكنة لإسماع صوتٍ فتيّ داخل مشهد ثقافي معين.

كما يبقى الأدب فضاءً خصبًا وحرًّا لاقتراف كلّ حريات التعبير الممكنة، دون قيود، لكن شرطَ ألاّ تقع في الإسفاف، لأنّ الأدب قبل كلّ شيء، قيمة جمالية وثقافيّة. الأدب يساهم في تموقع ثقافة ما داخل فسيفساء من الثقافات العالميّة. لذلك الأعمال الأدبية لا ينبغي أن تخضع لذهنية التحريم أو لدواع متأتية من الحرص على عدم “خدش الحياء العام”…

حكاية الجنس في الرواية المغربية المعاصرة تخبرنا أننا في حاجة إلى النّقد والنّقد معكوساً فقط… وليس لشيء آخر!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *