×
×

الدّيمقراطية؟ عودة للجُذور… منذ أثِينا اليونانية! 1\4

لنقل منذ البداية، إنّ الديمقراطية مليئة بالعيوب، لكنّها في تطوّر مستمر. ولنقل أيضاً إنّها أقل أنظمة الحكم سوءاً أو أنها ضمن الأنظمة الأكثر قدرة على الصمود، بالمقارنة مع الأرستقراطية والأوليغارشية والأوتوقراطية أو الثيوقراطية.

الديمقراطية مشروع لم يكتمل… ولا ينبغي له أن يكتَمل.

في هذا الملف، نطاردُ فكرة الديمقراطية في التاريخ ونشأتها وتطوّرها إلى الشكل الذي نراه اليوم.

الديمقراطية… إشكالية المعنى!

رغم انتشار مفهوم الديمقراطية عالمياً، ورفع شعار كونه مطلباً ضرورياً للحكم، فإن تعريفُ المفهوم، على وجه الدّقة، ظلّ أمراً صعب المنال.

مثلاً، نجد إريك فروم يعرّفها بأنها، في مثاليتها، تعني أن “كل المواطنين متساوون في مسؤولية التأثير في صناعة القرار”.

بينما ينعتها سروش بكونها حق العدد الكبير من أفراد الشعب العاديين في كل بلد من البلدان، أن يستبدلوا حكامهم بحكام غيرهم، ويشرفوا على طريقة حكمهم، ويتناقشوا، علنا وبحرّية، في كل طرائق الحكم وقرارات الحكومة، مناقشة مصحوبة بالحقّ في الاحتجاج أو انتقاد كل الموجودين في سدّة الحكم. [1]

أما ديفيد بيثام، فيعتبرها طريقةً لاتخاذ القرار في أي مجموعة أو رابطة أو مجتمع، حيث لكل الأفراد حقوق متساوية لاحتساب آرائهم. [2]

شومبيتر يعدّ الديمقراطية ترتیبات مؤسسية للوصول إلى القرار السياسي، عبر حصول المنتخبين على السلطة بواسطة الصراع التنافسي على الأصوات. [3]

بالنّسبة لكارل بوبر، لا تعدو الديمقراطية أن تكون طريقة لتنصيب الحاكم ونقده وعزله. طبعاً، إمكانية عزل الحكومة من دون عنف، أو تغييرها انتخابياً، عبر صناديق الاقتراع، من دون أي محاولة لسفك الدماء. [4]

منذ ظهورها في أثينا، والديمقراطية تحاولُ أن تقدّم لكلّ مواطن مسؤولية متساوية مع الآخرين لمساهمته المباشرة في صنع القرار والمشاركة السياسية[5]

أثينا… مهدُ الديمقراطية الأوّل!

داعبت الفكر اليونانيّ القديم بناتُ أفكار كثيرة حول طريقة الحكم، وحول السبيل نحو بناء نظام سياسي معتدل ومقبول، يبتعد عن الأرستقراطية والأوليغارشية.

بدت الحاجةُ، وقتها، إلى شكل سياسي ينظر أفراده بعضهم إلى البعض الآخر بوصفهم أندادا سياسيين، يتمتعون جماعةً بسيادة واستقلالية ويمتلكون كل الطاقات، والموارد، والمؤسسات التي يحتاجون، من أجل حكم نفسهم بأنفسهم.

ظهرت فكرة الديمقراطية كسبيل لذلك في أثينا، خلال النّصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد. شاعت الفكرة بين قدماء اليونان، الذين قدّر لهم أن يمارسوا تأثيراً لا مثيل له على التاريخ العالمي برغم قلة عددهم وتواجدهم فوق رقعة صغيرة فقط من المساحة الشاسعة للكرة الأرضية: أثينا.[6]

تتوزّع الكلمة، وفق الأصل اليوناني، إلى كلمتين: ديموس “demos” تعني الشعب. وتعني كراتيا “kratia” الحكم أو السلطة، وتكون الخلاصة: حكم الشعب بنفسه لنفسه.

لقد كان اليونانيون بشكل عام، والأثينيون بشكل بارز، هم أصحاب الفضل في تحقيق النّموذج الديمقراطي الأوّل. عمدوا، على نحو مبدع، إلى تحويل ممارسة الحكم من قبل القلة ووضعه كأداةٍ طيّعة بين يدي الأكثرية.

هناك تحديداً، زمانياً ومكانياً، تمّ خلقُ دولة – المدينة من طرف اليونانيين. وظنوا، عملياً، أنّه النّطاق الممكن تصوّره لتبيئةِ الفكرة الديمقراطية.

نادت هذه الديمقراطية الأثينية بالمساواة. ولكن أي أنواع المساواة على وجه التحديد؟

قبل انتشار عبارة الديمقراطية، كان الأثينيون قد أشاروا إلى أنواع معينة من المساواة، باعتبارها سمات مميزة لنظامهم السياسي: المساواة التي يتمتع بها كافة المواطنين في مجال حقهم في التعبير عن آرائهم والتكلم جهاراً أمام الجمعية الحاكمة:إسيغوريا (Isegoriaوما يتمتعون به من مساواة أمام القانون: إیسونوميا (Isonomia).

هكذا، خلال النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد، راح أفراد الشعب (الديموس) يكتسبون تدريجيا اعترافا وقبولا بأنهم يمثلون السلطة الشرعية الوحيدة في ممارسة الحكم. رأوا، تلقائياً، بأنّ عبارة الديمقراطية، أي ممارسة الحكم من قبل أفراد الشعب، بدت هي الأخرى تحرز تقدّما، باعتبارها الاسم الأكثر ملاءَمة للنّظام الجديد حينها.[7]

منذُ ظهورها، لم تحصل الديمقراطية على الإجماع، وهذه طبيعة كلّ صناعة بشرية صرفة، إذ لاحت الانتقادات من داخل اليونانيين أنفسهم، رغم أنّهم تفرّدوا في الخصُومة: “مناوئين معتدلين أمثال أرسطو، الذي لم يستسغ هذه السلطة، حيثُ رأى أن امتداد الديمقراطية واتساع رقعتها قد قامتا بمنحها للفقراء وصغار القوم وأرذالهم”. [8]

ثمّ، هناك خصوم حقيقيون من عيار أفلاطون، الذي شجب الديمقراطية باعتبارها، حسبه، نظام حكم لمنعدمي الكفاءة والجهلة وغير المؤهلين، وراح، بالتّبعة، يدعو إلى نظام حكم يتزعّمه المؤهّلون من الأخيار والفلاسفة، باعتبار هذا النظام هو الأفضل والأكثر جاذبية على الدّوام.[9]

لكن، رغم كلّ الانتقادات، قامت الديمقراطية بدورها في حكم الأغلبية، خصوصاً في عهد کلیسثنیس cleisthenes، الذي تنقل المراجع المؤرخة للفكرة الديمقراطية، أنه صاحبُ الفضل في أن تبلغ الديمقراطية ما بلغته في الواقع العملي.[10]

کليسثنیس هذا، يشاعُ أنّهُ هو رجل الدولة الأثينيّ، الذي يعزى له بالدرجة الأولى، الفضل في توطيد أركان الدستور الديمقراطي في أثينا، وذلك بحدود عام 508 قبل الميلاد بعد الإطاحة بالطاغية ميبياس وطرده من أثينا.

رغم ذلك، كانت ديمقراطية أثينا “انتقائية”، لكونها لا تشملُ أصوات النّساء والعبيد والأجانب في العملية الديمقراطية. لم يكن من حقّ هؤلاء، المُساهمة في تسيير شؤون أثينا. وهو ما جعل الكثير من الباحثين يتساءلون: أي شعبٍ يحكم في أثينا وبعضُ الطّبقات مقصيّة؟ وأي ديمقراطية هذه التي تحصر المشاركين في العملية، في الذكور البالغين والأحرار بالضّرورة؟

إلى جانب ذلك، واجهت الديمقراطية الأثينية بدايةً، مشكلة الكمّ، إذ حين بلغ عدد السكان (الديموس) زهاء الثلاثين والأربعين ألف فرد: كيف للمواطنين معرفة الآخرين مثلاً للتّداول في شؤون المدينة وضمان عملية سير الجمعية؟ وماذا عن أولئك الذين يتغيّبون عن اجتماعات الجمعية التشريعية ولا يواظبون أصلاً على حضورها؟ ألا يسيء ذلك للديمقراطية لأن البعض لا يؤدي واجباته كمواطن؟ وهل سيتّسع موقع الاجتماع الكائن فوق قمة تل بنكس (Pnyx)، إذا حضر الشّعب كاملاً في الدّورات التشريعية؟

أيًّا يكن، لم يطرح ذلك مشكلاً كبيراً في أثينا، إلا أنه أبان عن حدود الفكرة الديمقراطية كما ظهرت في اليونان: الدّولة المدينة (البولس).

هذه الدولة… تبيّن أنها ستفقد روحها الديمقراطية، إذا اتسعت رقعتها الجغرافية عن رقعة المدينة وبلغ عدد مواطنيها أكثر من عدد مواطني المدينة عينها.

فضلاً عن ذلك، جعل الكمّ القليل للسكان من أثينا، مدينة ذات مردودية ضعيفة على المستوى الحربي، وواجهت صعوبات في صدّ هجمات الإمبراطورية الفارسية وقتها… وهو ما أضعفَها.

عمّرت الديمقراطية اليونانية قرنين، كما تقول المصادر، وظلّت مصدر إعجاب. لكنّ الواقع العمليّ عجّل بالتحول الثاني للديمقراطية نحو التّجربة الجمهورية، كيف ذلك؟

هذا ما سنراه في الجزء الثاني من هذا الملف.

هوامش:

[1]الأحمري محمد، الديمقراطية: الجذور وإشكالية التطبيق، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت 2012.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

[4] نفسه.

[5] نفسه.

[6]روبرت دال، الديمقراطية ونقادها، ترجمة نميرةعباس مظفر، دار الفارس للنشر والتوزيع، الطبعة العربية والثانية، 2005.

[7] المرجع نفسه.

[8] نفسه.

[9] نفسه.

[10] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *