×
×

الدّيمقراطية في المغرب… النّموذج الذي لمْ يُفهم بعد! 4\4

أي شكل من الديمقراطية يمكن القول إنه معتمدٌ في المغرب؟ ما مآل الانتقال الديمقراطي المرفوع؟ وأي ديمقراطية ممكنة بدون ملكية برلمانية، كما يقول البعض اليوم؟ وهل وجود انتخابات ومؤسسات منتخبة يحسمُ مع كون المغرب بلداً ديمقراطياً أم أنّه استلهم القشور فقط؟

هل يتعلق الأمر بنموذج دولة ديمقراطية… أم أن الأمر، في النهاية، مجرد حكاية قديمة، عنوانها “دولة الواجهات الديمقراطية” فقط لا غير؟

فصّلنا في الأجزاء السّابقة نشأة وتطور النظرية الديمقراطية وكذلك أنماطها وأشكالها. في هذا الجزء الأخير، نقتفي ملامح الديمقراطية في المغرب.

في التجربة المغربية، غالباً ما نسمعُ توصيفات من قبيل “السّلطوية”، “التّحكم”، “الاستبداد”، “الردة الحقوقية” و“الإجهاز على الحريات الأساسية”… وبأنّ هذه التوصيفات بالتدقيق هي ما يعود بالديمقراطية المغربية إلى الدّرجة الصّفر!

قبلها، كان الحديث أصلا، يقف عند حدود “الديمقراطية الحسنية”، خلال عهد الراحل الحسن الثاني. الديمقراطية الحسنية، كانت عنوانا كافيا لتحديد المسافات الفاصلة بين نبتة أثينا… وبين فاكهة الشوق المغربي للديمقراطية!

المغرب: ديمقراطية “معيبة”… فعلاً؟ 

عقب انتخابات شتنبر 2021، صرّح كلٌّ من عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، ونبيل زكاوي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، بأنّ المغرب من “الدول القليلة على المستوى الإقليمي، التي نجحت في المسار الديمقراطي من خلال الحفاظ على دورية الانتخابات”.

لكن، أستاذ القانون الدستوري والمحلل السياسي عبد الرحيم العلام لا يُسلّم بالطّرح الذي يقدّمهُ عبد الحفيظ اليونسي ونبيل زكاوي.

يبدو هذا بوضوح في “جزم” العلام في تواصله مع مرايانا بأنّ “الانتقال الديمقراطي لم بنجح في المغرب. ولا أحد حتى داخل السلطة يقول إننا بلدٌ ديمقراطيّ. كل ما نسمعه، أننا بلد سائرٌ في طريق الديمقراطية، ولا أحد يدري متى تنتهي هذه السيرورة”.

هي “ديمقراطية شكلية” يراها العلام، تتعضّد فقط، “بوجود الأغلبية والأقلية والحكومة و”المعارضة” وانتخابات دورية… لكن، ما هي وظيفة هذه الاستحقاقات في المغرب؟ ألا ينبغي أن نطرح سؤال ماهية هذه الانتخابات التي تسمح للأحزاب المقربة من السلطة أو الأحزاب المتشابهة في التّوجه، بالتّناوب على رئاسَة الحكُومة أو التّواجد ضمن الأغلبيّة الحكُومية؟” يتساءل العلام.

حين نتابع، نجد من الحجج التي دفع بها عبد الحفيظ اليونسي في تواصله مع منابر دولية أنّه يعتبر “مخرجات التعديلات الدستورية، قد مكّنت من تحقيق انتظامية الانتخابات واحترام نتائجها من خلال تراجع الإدارة في التّأثير في النتيجة النّهائية للانتخابات وتشكيل الحكومة، حيث يعينُ رئيسها من الحزب الفائز الأول”.

لكن، على الناحية النقيض، يتساءل عبد الرحيم العلام: كيفَ نتحدّث عن انتخَابات حرّة ونزيهة ولازالت وزارة الدّاخلية تشرف على العَملية الانتخابية؟ كيف يمكن أن نتحدّث عن شفَافية الانتخابات والتقطيع الانتخابي يُفَصّل على مقاس ما تريده السّلطة ما بين قرى ومدن واقتطاع من مدن وإلحاق بالقرية، إلخ؟

وفق العلام، كل هاته الأمور تجعلنا نجزمُ بوجود شكليات ديمُقراطِية في المَغرب، وليس تجربة ديمقراطية واعدة أو فعلية. “إنّ الديمقراطية مثل عربة تسير على عجلتين، هناك عجلة الإجرائيات والشّكلانيات، من قبيل الانتخابات والأغلبية والأقلية والحكومة والمعارضة والبرلمان، ثمّ هناك روح وقِيم الديمقراطية، التي تتعلّق بحرية الضّمير وحُرية العَقيدة وحُرية التّعبير والحقّ في الاحتجاج السّلمي… وهذه الروح الديمقراطية باتت حتماً مهدّدة في المَغرب”، وفق قوله.

هل هذا هو الرأي الذي يمكن أن نستقرّ عليه… مثلاً؟ من ناحية أخرى، يذهب عبد الحميد بنخطّاب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أنّ سيرورة الانتقال الديمقراطيّ لازالت مستمرة ولم تتوقّف؛ علما أن هذا الاستمرار هو في حد ذاته مؤشر جد إيجابي في منطقة جد متقلّبة وغير مستقرّة.

بهذا المعنى، يكون المغرب نموذجاً متفرّدا بين دول المنطقة وبعض الدول الإفريقية، بحسب بنخطاب، والديمقراطية المغربية نموذج يطرح إيجابيات ممتازة فيما يخصّ استتباب الاستقرار السياسيّ، وأيضا بقدرة الفاعلين السياسيين على التّفاوض والتوافق حولَ أهمّ خيوط اللّعبة الديمقراطية في المغرب.

ما يعابُ على هذا النموذج، يقول المتحدّث، أنه انتقال بطيء للغاية، لدرجة لا يَكاد يُرى ولا يفهَم.

هل يمكن اعتبار هذا البطء مؤشرا سلبيا؟… “لا أعتقد ذلك، بل أراه مؤشرا إيجابيا؛ لأن التعجيل بالانتقال الديمقراطي إلى منتهاه غير ذي جدوى حالياً، وقد يخلق صراعات سِياسية لا يحتاجها المَغرب في الظّرفية الحَالية، خصوصاً مع اشتِداد النّقاش حول صحرَائنا المغربية”، هكذا أجمل بنخطّاب حديثه مع مرايانا.

الديمقراطية المغربية وإشكالية التنمية

بالنّسبة للحقوقي عبد الواحد رشيدي، فإنّ “ما يعرف في المغرب بالانتقال الديموقراطي، هو في حقيقة الأمر “إعاقة ديموقراطية”. ولا أحد اليوم يستطيع إنكار أن الديموقراطية لا تستقيم في غياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لكن هذه الأخيرة مرهونة بوجود رؤية استراتيجية، هي بالضبط ما يعوز المسؤولين المغاربة أصحاب القرار”.

لتوضيح الأمر، يقوم رشيدي بإجراء مقارنة بين المغرب وكوريا الجنوبية. الأخيرة مثل المغرب، لم تعرف الديموقراطية من خلال ثقافتها الخاصة، وهي كذلك عرفت الاستعمار والاستغلال الأجنبي، الياباني ثم الأمريكي بالنسبة إليها، والفرنسي والإسباني بالنسبة إلى المغرب. وأثناء الحرب الباردة كانت كوريا الجنوبية، مثل المغرب، مصطفة إلى جانب المحور الأمريكي الرأسمالي، في جوار معاد مصطف إلى الجانب السوفياتي: كوريا الشّمالية بالنّسبة إليها، والجزائر بالنسبة إلى المغرب.

رغم الاختلافات الجوهرية بين البلدين، يمكنُ تلمس أوجه الشبه بين التجربتين، والاختيارات المُخالفة الناتجة عنها.

يقول رشيدي في حديثه مع مرايانا، إنّ كوريا الجنوبية شهدت تجربة ديموقراطية من 1960 إلى 1963، كما عرفها المغرب سنة 1960 مع حكومة عبد الله إبراهيم. لكن سُرعان ما انهَارت في كلا البلدين، وتم تأسيس نظام سلطوي طاغ، على يد الحسن الثاني في المغرب، والجنرال بارك شونغ-هي في كوريا الجنوبية. تم تعطيل المؤسسات المنتخبة للاستفراد بالحكم في كلا البلدين… لكن الاختيارات الاقتصادية كانت مختلفة تماما.

يقدّم المتحدث مثال استرجاع الأراضي الفلاحية من المعمرين، الذي أدى في كوريا إلى إعادة تنظيم المجتمع القروي ومكننة الفلاحة وكهربة القرى وإصلاح الطرق ودفع الإنتاج لتغطية متطلبات الغذاء القومي، في الوقت الذي أدت فيه سياسة السدود في المغرب إلى خلق طبقة غير محلية غايتها التصدير، فيما ظل العالم القروي مهمشا يعيش على الكفاف، وظلت الدولة تستورد خصاصها من الغذاء، لحد الآن!

يضيفُ رشيدي بأنّ بارك شونغ-حدّ من الاستيراد، على عكس المغرب، ووضع خططاً خماسية كما فعل الحسن الثاني، لكن بمنطق مغاير، حيث أوقف الاقتراض، وقلص من الاستثمارات الأجنبية، وأقر حمائية قوية للاقتصاد الوطني، وخلق طبقة برجوازية من تجمعات عائلية: سمسونغ، هيونداي، مجموعة إل جي. هذه التجمعات استفادت من معونات عمومية، لمواجهة المنافسة الأجنبية… والنتيجة نعرفها الآن.

بعد “اغتيال الجنرال بارك سنة 1979، وموت الحسن الثاني في 1999، استطاعت كوريا الجنوبية الانتقال إلى الديمقراطية، معتمدة على بنيات اقتصادية واجتماعية نامية، فيما ظل المغرب يراوح مكانه، غارقا في القروض الخارجية وإكراهاتها، وفي بنيات اجتماعية واقتصادية متخلّفة”.

العبرة التي يودّ الحقوقي أن نستشفّها، هي أن التنمية لا تستلزم ضرورة الديموقراطية. لكن هذه الأخيرة، مرهونة أساسا بتنمية اقتصادية واجتماعية ملائمة لها. هنا، يُطرَح مشكل الفساد من جهة، الذي يجعل أيّ مجهود تنموي عقيمًا، ومشكل الرؤية الاستراتيجية التي تنظر إلى المستقبل، عوض تدبير الأمور يوما بيوم.

الانتقال الديمقراطي المنشود دفع الجميع لإدراك أنّ النظام السياسي في المغرب هجين. مؤسساته الحديثة صورية شكلية، فيما جوهر النظام تقليدي، وهو ما نسميه “نظام المخزن” الموروث منذ العهد السعدي في القرن 17.

في النهاية، لا يمكن للنظام الديموقراطي أن يستقر في المغرب إلا بوضع لبنات الدولة الحديثة، اقتصاديا واجتماعيا، والتخلص نهائيا من دولة المخزن العتيق والذهاب نحو ملكية برلمانية.

مبدئياً، لا يتّفق الباحث في العلوم السّياسية عبد الحَميد بنخطّاب مع الحقوقي رشيدي، ويعتبرُ أنّ المغرب عرف تطوراً نحو الملكية الدّستورية، إلاّ أنّ مسألة إقرار ملكية برلمانية، يسُود فيها الملك ولا يحكم، ليس مطروحاً للنقاش في المغرب، أولاً لأن المَملكة يرأسها أمير المؤمنين، وثانياً لأنّ الملك هو الرئيس الفعلي للجهاز التنفيذي، ومن المستبعد أن تقبل الملكية المغربية بأن يتجرّد الملك من اختِصاصاته السّياسية.

الكلّ يعرفُ أنّ المَلكية هي مركز النّظام السّياسي ومركَز المؤسّسات السّياسية… برمّتها، وفق ما يقوله بنخطّاب.

في ختام هذا الملف، بدا واضحاً أنّ الديمقراطية، عموما، ليست حلاّ سحرياً أو نموذجاً اكتمل، ولا تعتبر خلطة جاهزة للتغلب على كل الإشكالات البنيوية في دولة معينة…

كلّ ما تتوفر عليه الديمقراطية من قوّة، هو تبيئةِ منظومة دستورية وقانونية للدفع نحو العدالة بين كافة المواطنين وخلق علاقة تعاقدية بين الحاكم والمحكومين… على أساس المحاسبة!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *