×
×

التّعليم العالي بالمغرب: كيف نواجه الخصاص في البحث العلمي؟2\2

تابعنا في الجزء الأول (تجدون رابطه في أسفل المقال) التشخيص الواقعي للبحث العلمي في الجامعة المغربية، من منظور أساتذة جامعيين ومتخصصين، كماعرضنا أهمّ الإكراهات التي تواجه الأساتذة الباحثين.
في هذا الجزء، نعاينُ الحلول التي يقترحها هؤلاء المتخصصون، بحكم متابعتهم لعملية البحث في الجامعة المغربيّة، وبكونهم باحثين بصفة أساسيّة.

لننتبه أنّ الجامعات المغربيّة توجد بها كفاءات علمية عاليّة، وهي التي هيّأت وكوّنت الباحثين اليوم في الجامعة المغربيّة، كما كونوا مهندسين وأطباء وعلماء في مجالات مختلفة، وكل ما يمكن أن يحتاجه المجتمع. لكن هذا الزخم لا ينعكس على البحث العلمي في جامعاتنا… فكيف السّبيل لمواجهة ذلك؟

البحث العلمي: نحو طرح حلول!

يقدم الناقد والكاتب والأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، محمد الدّاهي، في حديثه لمرايانا، ما يراه حلولاً لتبيئة جديدة للبحث العلمي بالجامعات المغربية.

يقول الداهي إنّه “يُستحسن الانخراط في ورش لتسويق جهدنا بالطرائق العلمية والمنهجية المتطورة؛ ومن ضمنها إنشاء مواقع جيدة تتوافر فيها الشروط المنشودة: علاوة على الخدمات البيداغوجية، تُنشر فيها الأبحاث المحكمة والأطروحات الجيدة وتُعرض فيها حصيلة الكفاءات، ويُعرَّفُ بالباحثين ذوي الخبرة والتميز، وتُنشأ مجلات الكترونية ذات المواصفات المنشودة، وتُحيَّنُ المحتوياتُ بانتظام”.

يعضّد الداهي طرحه هذا بكونه من شأنه، فضلا عن اقتراحات بناءة، أن يعزز الإحالة إلى منشورات الباحثين المغاربة ويقوي نسبةَ الاطّلاع عليها. كمثال بسيط، “يحال بشكل كبير إلى المؤلفات الورقية لعبد الله العروي لقيمتها العلمية ليس في العالم الناطق بالعربية فحسب، بل في كثير من الدول الغربية؛ وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا. في حين، عندما تبحث عن مؤلفاته ودراساته في قاعدة البيانات المشار إلى بعضها في الجزء الأول من هذا الملف (Google Scholar, Thomson Reuters, cite Seerx)، تجدها شبه منعدمة رغم أن عبد الله العروي يحسن التأليف باللغتين العربية والفرنسية”.

في هذا الصدد، يجد الداهي أنّ حسن استثمار دراسات الباحثين من عيار عبد الله العروي، وتيسير إدراجها في قاعدة البيانات المعتمدة، سينعكسان إيجابا على الكلية التي ينتسبون إليها في شغل مراتب متقدمة في التّصنيف الدولي لسمعتهم العلمية وجدّة أفكارهم وملاءمتها، وحاجة الباحثين من مختلف الأقطار إليها في تطوير مؤهلاتهم وأبحاثهم.

لكن، ترتبط مشاكل البحث العلمي، حسب الداهي، بتعثر الحكامة الجيدة في تحقيق الأهداف المرجوة؛ فعدد جامعاتنا (اثنتا عشرة جامعة) قليل بالنسبة إلى بعض الدّول الناميّة التي شيّدت ما يربو على خمسين جامعة.. ومع ذلك، ما فتئنا نعاين قلة التجهيزات والمعدات، وإن تحسنت نسبيًّا مع “البرنامج الاستعجالي 2009-2012″، وعدم توحيد معايير تدريس الوحدات والتقويم، وتدابير انتقاء مشاريع الدكتوراه ومناقشتها، وعدم استحداث بنيات للمصادقة على مشاريع الدكتوراه تفاديا للتكرار، ولإجبارية اعتماد البرامج المضادة للقرصنة (Logiciels anti-plagiat) بغية احترام حقوق الملكية الفكرية من جهة والرقي بالأداء العلمي.

لذلك، بقدر ما تكثُر أشكال القرصَنة والسّرقة، يقل الإبداع ويتراجع منسوب الجودة، مما يؤثر سلبا في الإنتاجية والتنافسية والمردودية، ويكبد الدولة خسائر فادحة، ويكلف الاقتصاد العالمي خسائر تفوق 200 مليار دولار أمريكي سنويا، ويسهم في تفاقم بطالة الأطر والكفاءات المؤهلة، يقول الداهي.

إن الإنتاج الفكري “لا يقلّ أهمية عن الإنتاج المادي بما له من دور في إعطاء صورة إيجابية عن الأمم؛ إذ أصبحت درجة تقدمها تقاس بما حققته في مجالي التعليم والثقافة، وبما وفرته من آليات عملية لحماية الإبداع الفكري تنويها بجهود الإنسان في ارتياد الكواكب والآفاق، والإسهام في ركب التنمية المستدامة، والسعي إلى التشبع بالمعرفة المنتجة والاكتشافات المبهرة”.

يخلصُ محمد الداهي إلى القول بأنّ انعدام الثّقة في المؤسسات التعليميّة، واستفحال الأمية الرقمية، وتعمق الفجوات الرقمية بين الطبقات الاجتماعية والمناطق الجغرافية تقع في مقدمة المشاكل التي تواجه التعليم العالي.هذا الأمر يجعل الوزارة الوصية مطالبَة بأن تتكفل بمقاربة تشاركية ودامجة لتدبير التغيير، وتحرص على تثبيت دعائم البيداغوجيا الفعالة المحفزة على الابتكار والإنتاج، وتشرك المتدخلين المعنيين في تطوير برامج البحث والتكوين والتقويم المستمر، واستحداث بنيات البحث والمختبرات لتحسين معايير البحث العلمي وفق المعايير المعتمدة ومساعي النّموذج التنموي الجديد، وإحداث نهضة حقيقية في المنظومة التربوية عامة.

أمّا الأستاذ الجامعي بجامعة مولاي اسماعيل، عبد الرحمن التمارة، فيؤكّد ياستمرار أنه لا يمتلكُ رؤية كاشفة تتضمّن حلولاً “جذرية”، لعدّة إشكالات؛ لكنه يقترح ما يراه مناسباً لحلّ بعضِها. من بين هذه الاقتراحات، في تقديره، أنّه أولاً، ينبغي أن تكون هناك جرأة على اقتحام القضايا المثيرة والمهملة والمهمّة في الوجود الإنساني عامة.

ثانيا، الانفتاح على الجديد المعرفي، مما يستدعي توفير شروط ذلك؛ مثل مختبرات بحث، ولقاءات علمية جادة ومسؤولة. وثالثاً، التفكير في التعليم بوصفه “مقدمة” لبلورة وجود معرفي إنساني جامعي يحتفي بالفكر، بوصفه فضيلة وحاجة، وليس ترفاً لا يمثل شيئاً مقارنة مع البحث العلمي المتّصل بالعلوم الحقّة.

ثمّ رابعاً، العمل على تعزيز بحث معرفي يُسهمُ في إحداث تعديل، بطرق غير مباشرة، في أنماط الوعي المجتمعي؛ لأنه يصير بحثاً تربطه صِلَة قوية بالفاعلية المعرفية التي أسُّها التعدّدية والالتزام والاحترام والمسؤولية والإنتاجية. وخامساً، دفع المعرفة العلمية التي ينتجها البحث الجامعي في العلوم الإنسانية، الإنسان المتعلم (الطالب أوالباحث) إلى إصدار أحكام صحيحة وبنّاءة، والأهم أنها أحكامٌ مستقلة عن الإيديولوجية الموجِّهة والهدّامة.

أما المقترح السادس، فيروم التّفاعل الإيجابي مع الأفكار القديمة والجديدة، وجعلها منطلقاً لبلورة التجديد لا منطلقاً للانتكاس الفكري والارتكاس المعرفي. وسابعاً، الدفع بالمعرفة الإنسانية إلى التحرر من كلّ فكر “تابع”، وهدم التفكير الخرافي الأسطوري، ثم الإيمان بأن التوازن المعرفي والتنوير الفكري من بين “المقدمات” الكبرى والحقيقية التي تحرر الإنسان، وتدفعه للتقدّم والتطور.

يجملُ التّمارة بأنّ هذه مقترحات تؤمن بأهمية المعرفة الإنسانية، بالموازاة مع المعرفة العلمية الحقّة، في “صناعة” الإنسان المتعلم داخل فضاءات التعليم الجامعي. لذلك، فإنها مقترحات لم تصغ بلغة “المكاتب الباردة” المؤطرة برؤية سياسية موجَّهَة، قد تتبخر بمجرّد أن يغادر المسؤول عن القطاع منصبه.

ماذا أيضا؟ 

من زاوية أخرى، يحاول الحسن مادي، الجامعي والخبير التربوي، أن يضع الأصبع على مشكل أعمق يتعلّق بميزانية البحث العِلمي في الجامعة المغربيّة. فكلما كانت هذه الميزانية مهمة إلاّ وسمَحت بإنجازات أبحاث علمية في المستوى وذات قيمة عالية.

هنا، يقول مادي إنّ تجاوز محدوديّة البحث العلمي ببلدنا، تستدعي بداية، إعادة النظر في الميزانية المخصصة للبحث العلمي، التي لا تتجاوز ولم تصل بعد إلى 01% من الميزانية العامّة للدولة المغربية؛ وهي ميزانية جد هزيلة ومتواضعَة بالمقارنة مع دول أخرى ناميّة مثلنا تهتم بالبحث العلمي.

البحث العلمي له دور مهم في تنمية المجتمع، إذ لا يمكن أن تكون هناك تنميّة أو تقدم تكنولوجي وعلمي وأدبي إلا بواسطة البحوث التي تجرى في الجامعات.

هذا الجانب، حسب ما أكده مادي لمرايانا، يتطلب مجموعة من الإمكانات، أولها الإمكانات البشرية القادرة على إنجاز هذا البحث، والمقصود أساتذة يتمتعون بمستوى عالي من التكوين الجيّد، ويتّصفون بالاجتهاد والأمانة والإبدَاع. هذا بالإضافة إلى إمكانَات ماديّة للقيام بهذه البحُوث، ثمّ فضاءات ملائمة للقيام بهذه البُحوث مثل المختبرات العلميّة. بدون هذه المكونات، ومكونات أخرى متظافرة، لا يمكن القول إن لدينا بحوثا جيدة.

يجدُ مادي أنّنا أمام حاجة ملحة إلى وضع موازنة جديدة للبحث العلمي، والذي يقتضي وضع قانون أساسي جديد يتلاءم مع المستجدات التي عرفها المجتمع المغربي، ويتلاءم مع انتظاراتنا من الجامعة. وزارة التعليم العالي عليها أن تحدد بشكل دقيق: ماذا تنتظر فعلاً من الأستاذ الجامعيّ؟ انطلاقًا من هذه الانتظارات، يمكنُ القيام بأجرأة مجموعة من الوسائل الضرورية التي تسمح لهذا الأستاذ أن ينتج بأريحية ويبدع بحوثًا علمية جيدة ومعتمدة في تخصصه.

في النهاية، يتّضح أنّ البحث العلميّ ليس ترفاً، وأنّ الجامعة ليست فضاءً للتكوين فحسب.

منذ بداية الاستقلال إلى الآن، يبدو أنّ الجامعة المغربية بلغت مداها، وتحتاج إلى تصوّر جديد ومعاصر. المجال لا يسمح بضياع الوقت وضياع الفرص. على القائمين على القطاع، خصوصا وزارة التعليم العالي، الإسراع في إخراج قانون أساسيّ جديد للجامعة، حتى تقوم بدورها في التنمية العلمية… على أكمل وجه.

مواضيع قد تثير اهتمامك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *