×
×

الفجوة بين الشباب المغربي والكتاب… أو حينَ لا “يقدّس” المجتمع “طقس” القراءة! 2\3

في الجزء الأول (الذي تجدون رابطه في الأسفل)، قمنا برصد صورة تدنّي القراءة في المجتمع المغربي، وكيف يشتدّ إصرار بعض الكُتاب، مع ذلك، ومحاولة تقريب القراءة من مختلف القراء المفترضين، خصوصا الشّباب.
في هذا الجزء الثاني، نحاول أن نقف على بعض التطورات الطفيفة التي تشهدها القراءة، مع بروز نصائح كثيرة لمطالعة الرواية والقصة لتحفيز فعل القراءة، وكذلك النظرة المجتمعية الكلاسيكية للقراءة.

حالياً، ثمّة دينامية مجتمعية تحاول التشجيع على القراءة سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها، من خلال تنظيم مسابقات خاصة بالقراءة، وتوفير أندية للقراءة، بالإضافة إلى مبادارت فردية وجماعية تحاول أن تستغل الفضاءات الرّقمية لنشر ثقافة القراءة، والنقاش والتقاسم المعرفي. لكن هذه المبادرات تبقى محدودة، حسب ما يبيّنه أحمد العمارتي، أستاذ الفلسفة والباحث في سوسيولوجيا التّواصل، لـ”مرايانا”.

قارئ… في مجتمع لا يقرأ!

يرى أحمد العمارتي، أنّ من بين أهم العوامل في ضمور القراءة في المجتمع المغربي، هناك التمثلات الاجتماعية التي تربِط فعل القِراءة بالدّراسة، وتجعلها مرتبطة بالواجب المدرسي أو الجامعي.

في الغالب، ينظر إلى القراءة من حيث المردودية المادية، وهذه الفكرة تعكسها مجموعة من العبارات الشائعة في مجتمعنا، من قبيل “عيا ما يقرا مسكين، القراية غادي تحمقك، باش غادي تنفعك هاد القراية”…

هذا الوضع، يردفُ العمارتي، جعل من حمل الكتاب في بعض الأماكن أمراً مثيراً للاستغراب، لأنّ مجتمعنا لا تربطه علاقة حميمية مع الكتب، ولا يحمل انجذاباً لطقس القِراءة.

أكثر من ذلك، فـ”حضوره في بيوتنا ليس أمراً ضرورياً وغيابه لايشكل أي نقص. الكتاب ارتبط في أذهاننا بالواجب والإلزام التّعليمي وليس بإرادة التعلم الذاتي وتطوير الذات والارتقاء بالفكر الحر. لذلك، غالباً ما تنحصر عملية القراءة في الأوساط الجامعية وتقتصر على النّخبة المثقفة”.

لكن الأمر ازداد سوءاً مع الثّورة الرقمية، ففي الوقت الذي أصبح الكِتاب أقرب إلينا من حبل الوريد، ازداد ابتعادُنا عنه. تملّكتنا ثقافة الشّاشة، والصّورة العابرة للعين، بدل القراءة.

معدل استخدام الفرد المغربي للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في ارتفاع دائم، ومعدل القراءة في تراجع، وربما، المتأمل لسلوكيات الناس، يتبين له بجلاء أن الهاتف واللوحات الإلكترونية قد تملكتنا، إذ أصبحت تشكل امتداد لأجسادنا بتعبير المحلّلة الفرنسية إلزا گودار.

حسب ما أفاده العمارتي لـ”مرايانا”، فإن الفرد المغربيّ أصبح مُلتصقا بهاتفه، إنّما دون استثمار هذه الثوّرة التقنية في عملية القراءة، وتأثير التّقنية، ليس فقط على الجانب الكمي، بل أيضا لها تأثير على الجانب الكيفي في عملية القراءة، إذ أصبحت تشجع على القراءة المتجزّئة والسّريعة من خلال الاعتماد على المقالات القصيرة والمقتضبة، كما كرّست ثقافة copier/coller، التي تمسّ بالملكية الفكرية للأفراد، وهو ما حال دون تشجيع آخرين على الإبداع والكتابة كعملية موازية للقراءة المنتجة.

سيمكننا أن نستشعر خُطورة العيش بدون كتب، يقول العمارتي، حين ندركُ أن القراءة هي العمود الفقري لبناء النّهضة الفكرية والثقافية، التي هي، بالتّبعة، مفتاحُ التّقدم الفكري والازدهار المعرفي.

يُجمل العمارتي بأنه لا مواربة في حتمية المراهنة على القراءة كضرورة لتنمية المجتمع، وهذا الأمر لن يتأتى إلا بالاشتغال مع الناشئة والأطفال والمتعلمين وتربيتهم على القراءة كسلوك يومي ضروري.

كيف تُبنى حميمية المجتمع والكتب؟

يبقى هذا السؤال هو مربطُ الفرس دائماً، لبناء مجتمع قارئ، ولكن المسألة تحتاج أولاً إلى رغبة وإرادة حقيقية من طرف الإعلامي والسّياسي والمثقف، ثمّ بترجمة هذه الإرادة في برامج عملية للنهوض بالقراءة مجتمعياً. ولكن، كيف؟

وفق الباحثين، فإنّ الحميمية مع الكُتب تبنى أساساً من الجُذور، أي من التّعليم الأولي، ويواكبها المجتمع والإعلام.

الكثير من الأطفال المغاربة تتأتى لهم فُرص رؤية ذويهم يقرأون، فيستوعبون أهمّية المطالعة منذ طَراوة العود. إلاّ أن الأغلبية السّاحقة لا تمنحها تلك الفرصة.

ينصحُ المهتمون بسلوك القِراءة بمطالعة الرّوايات والقصص، كمرحلة أوّلية نظراً للجانب التشويقي، الذي يلعبُ دوراً مهما في استمالة القارئ وإيقاعه في فخّ إتمام العمل، وبالتالي تحبيب المطالعة إليه، في أفق القذف بالقراءة من حالة فردية خاصة نحو حالة اجتماعية عامة.

بيد أنّ هذا الرّأي يصاحبهُ رأي متطرّف ورَاديكالي تُجاه الرّواية، إذ يعتبرها “أعجز على أن تنتج معرفة، لأنها لا تعدو أن تكون ركاماً من السّرد”، وفق هذه الأطرُوحة.

الروائي عبد المجيد سباطة يستهجن هذا الرأي، متحجّجا بأنّ هناك روايات تمكنت من تغيير مصائر دُول، وغيّرت رؤى نمطية كثيرة. فلا يمكن أن يزدري الإنسان قيمة الرواية ودورها التّحديثي. على سبيل المثال، رواية كوخ العم توم كان لها دور في إماطة الحجب عن معاناة السّود في الولايات المتحدة الأمريكية، تحت سياط العُنصرية.

حتى الرواية التي قرأنا مثلاً في الثانوي، والتي ترجمها بعض الكتاب للعربية تحت عنوان مذكرات محكوم بالإعدام LE DERNIER JOUR D’UN CONDAMNÉ، لعبت دوراً مفصليًّا في دفع الدّولة الفرنسية لإعادة النّظر في عُقوبة الإعدام. هنا، ندرك أن إدماج الرّواية ضمن المؤلفات المدرسية، ليس إلا لغرض بيداغوجي، وهو تقريب الناشئة من القراءة.

يتقاطع مع سباطة في هذا الرأي أنس محمد سعيد، الكاتب المغربي، الذي يعتبرُ أن علاقة الرواية بالمعرفة تجعلنا نتسائل: “أولاً ما المقصود بالمعرفة؟ كما يجب أن نكون على وعي كامل بخصائص الرواية وحدودها ومجال اشتغالها. أغلب الذين ينكرون إنتاج الرواية للمعرفة يحصرون هذه الأخيرة في قشور من المعلومات المجردة، والتي مكَّنتنا الطفرة التقنية اليوم من الوصول إليها بسهولة تامة. مفهوم المعرفة إذن لم يعد محصوراً في “كمية المعلومات”، بل تطوَّر ليشمل كل مخرجات الاشتغال العقلي والمتمثلة في الانتاجات الفكرية والأدبية والفنية”.

الرواية بطبيعتها، حسب محمد سعيد، يمكن أن تجمع بين الفكر والأدب والفن، كما يُمكنها أن تصهر الذات والموضوع والواقع والخيال في بوتقة إبداعية واحدة، ليتحوَّل كل ذلك إلى “منتج معرفي” قائم بذاته، ومشحون بحمولة معرفية قد تكون هائلة، كما أنها في الغالب، أكثر تأثيراً ونفاذاً إلى الأعماق، ومن ثمَّ فهي أكثر قدرة على إحداث التغيير من “المعلومات المجردة” التي يحصر البعض فيها مفهوم المعرفة.

كتوضيح، يقول محمد سعيد إنّ الرواية ليست فقط قادرة على خلق ذوق قرائي والرقي به، بل أيضاً إنتاج المعرفة بشكلها ومضمونها معاً. حين يختار الرّوائي موضوعاً لعمله الإبداعي، كيفما كان ذلك الموضوع، فهو ولا بد يفتح للقارئ آفاقاً معرفية جديدة.

هنا، قد يعترض البعض بقولهم إن مصداقية الرواية تكون على المحك، بسبب إغراقها في السرد القصصي واعتمادها على الخيال، وهم بذلك يقعون في مغالطة منطقية إذ يحاكمون الرواية -وهي نص أدبي- وفق قواعد نقدية تنتمي لمجالات أخرى مختلفة تماماً (التاريخ أو العلوم الطبيعية مثلاً).

بالنسبة للمتحدث، فإن الرواية والقصة تنتميان إلى المجال الأدبي، والمعرفة التي تنتجانها معرفة أدبية بالأساس، وهي، إن احتوت على العلوم والتاريخ، فمن باب توجيه الأنظار وإثارة الفضول وإعطاء الكلمات المفتاحية فقط، لأن الأدب مجالٌ معرفي شاسع جداً، وقائم بذاته، يتكامل مع المجالات الأخرى، يأخذ منها ويعطيها، ولا يتعارض معها بالضرورة.

حتى على مستوى الشكل، فإن كل تجربة سردية هي رصيد يضاف إلى المعرفة الأدبية، وكل عبارة أصلية لكاتب ما، هي براءة اختراع لغوية تُنسب إليه. بالنظر لاتساع آفاق الرّواية وضخامة حجمها، فإن الإصدارات الروائية في مجموعها، تشكِّل نهراً متدفقاً هادراً يصب بلا انقطاع في بحر المعرفة الأدبية الذي لا حدود له، يختم الكاتب المغربيّ أنس محمد سعيد حديثه مع مرايانا.

بالتالي، ليس ثمّة ما يعابُ على الرّواية، أو يشكك في قصور دورها في أن تكون جسر الوَصل بين القِراءة والمجتمع.

قد يقول قائل: هل الرواية تحمل ذلك الترياق السّحري لإنهاء أزمةالقراءة؟

قطعاً لا، وهذا ما سنراه في الجزء الثالث من هذا الملف.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *