×
×

الشباب المغربي والقراءة… كيف ننمي شعورنا بالحاجة إلى الكُتب؟ 3\3

تابعنافي الجزء الأول أن العيش بدون كتب، يكرّس الجوع المعرفي، ثمّ طرحنا صورة للقراءة في المجتمع وكيف نستطيع أن نجعل منها شأنا مجتمعيا لوقف تشرذمنا الثّقافي في الجزء الثاني.
في هذا الجزء الثالث، نرصد بعض الإجراءات العملية، التي تساعد في تنمية شعور الشباب بالحاجة إلى القراءة.

على المستوى المبدئي، فإن الموضوع لا يتطلّب سوى رغبة حقيقية وتفكيرا جديا، بغية خلق دينامية ثقافية معممة تهتم بفعل القراءة وتشجعه، ثمّ تتمّ ترجمتها فيما بعد، على المستوى التطبيقي، بتوفير فضاءات عمومية مخصّصة، ومكتَبات عُمومية، والاهتمام بنشر ثقافة الكتاب، خصُوصا بين الشّباب، والأجيال الصّاعدة باعتبارها أساس النهضة المجتمعية.

الرهان ينبغي أن يكون على الأجيال الحالية والمسقبلية، نظراً لارتفاع نسبة الأمية والفقر داخل فئات كبيرة من المجتمع المغربي. ولابدّ من تجاوز المنظومة التعليميّة التي لا تشجّع على القراءة، وتعتمد النسقَ الدمجيّ، الذي يدمج التّلاميذ في المنظومة عوض مساعدتهم على تحليل المعطيات وتوظيفها. من الواضح أنه حان الوقت لمقارعة نظام تعليمي يقوم على الحفظ عن ظهر قلب وحشو العقول… بالمعرفة الجاهزة.

دور المدرسة

يقول أحمد حميد، الجامعي وأستاذ اللغة العربية في المركز الجهوي للمدرسين بالرباط، في تصريحه لـ”مرايانا”، إنّ مفهوم القراءة يقترنُ “في أذهان عموم الناس بعمليّة تلقي النص اللغوي المكتوب، في أفق فهم فحواه وتأويل رموزه. إلا أن فتوحات وإنجازات الدراسات السيميائية، نقلت القراءة من المجال اللسني إلى مجالات أكثر رحابة واتساعا، لتشمل إلى جانب الرمز اللغوي، جميع العلامات غير اللغوية، المؤثثة لفضاءات حياتنا؛ من أجسام وأحجام وأشكال وألوان وأصوات وحركات”.

فضلاً… عن تلك المحملة برسائل مشفرة أضحت تستلزم منا تعلم أبجدياتها الأولى، إن نحن أردنا الإبقاء على مستوى مقبول من التواصل مع أيقونات عالمنا في الحاضر والآتي من الأيام.

بالنّسبة للمتحدث، فإن القراءة تعتبر شأنا مجتمعيًّا بشكل عام، غير أن المؤسسة التعليمية هي المسؤولة، في المقام الأول، عن تأصيل عادات وسلوكات صحيحة بشأنها، وتدريس مهاراتها في كل مراحل التّعليم وفق أسس علميّة، تراعى فيها مجموعة من العمليات الاستراتيجية، الهادفة إلى إكساب الفرد المتعلم آليات تحصيل المعرفة، والتحكم في تنظيمها وتحويلها وتطويرها واستثمارها في الإنتاج وإعادة الإنتاج.

لذلك، فإنّ تدريس “أسس القراءة يكتسي خلال السّنوات الأولى طابع الأهمية على المستوى الحس–حركي، بحكم ما يستوجبه ذلك من دقة علمية، بخصوص مراقبة كيفية اشتغال حواس الأذنين والعينين واليدين والشفاه… وتتبع عملها وتصحيح حركاتها، وجميع هذه الأعضاء تقوم بوظائف أساسية في إطار شبكة علاقات تكاملية ومعقدة”.

في النهاية، يجمل أحمد حميد بأن تدريس قواعد القراءة، وفق ضوابط علمية سليمة، يستلزم الانفتاح على مستجدات الأبحاث ذات الصّلة، والتي أجريت في العقود الأخيرة في مجالات علم النفس اللغوي وعلم النفس المعرفي وعلم النفس العصبي… في تقاطع مع جديد الدراسات السيميائية واللسانية بمختلف تشعباتهما البحثية، في إطار تزايد الاهتمام الموجه في العقود الأخيرة إلى إبراز أدوار القارئ في عملية القراءة، وكشف خبراته في بناء المعنى، ورصد ما لذلك من أبعاد وتأثيرات سلوكية، أو ذهنية، أو نفسية، أو اجتماعية.

يبدو أنه، من أساسيات تنمية شعور القراءة، أن تكون المادة التعليمية بمثابة حافز للتلميذ على القراءة، بما هي مجموعة من المضامين الحيوية والأساليب التّشويقية وإبلاغ الأفكار لبنة لبنة؛ ومنه، فلا مفرّ من صبّ الاهتمام والتّركيز على تنمية مهارات الناشئة وتقوية مداركها.

ومن الطّبيعيّ القول، كذلك، إنّ المدرسة تحتاج إلى دور الأسرة والمثقف والأحزاب السّياسية، لنشر الوعي بأهمية القراءة والتّداوي بها.

التّداوي بالقراءة

من الأشياء التي لا يمكن تخطّيها، في هذا الملف، أنّ هناك من الأخصائيين النفسيين من ارتقى بالقراءة إلى مرحلة علاجية، أطلق عليها علمياً، العلاج بالقراءة أو الـBIBLIOTHERAPY. وهو علاج يعتقد بقدرة الكتب على تحمّل المسؤولية والبحث عن حلول ذاتية للمشاكل التي يواجهها الأشخاص، لأن أفق العقل يمتدّ عند القراءة، حين يتخلّص من التّوتّر.

الكاتبة فدوى مسك، في فيديو لها على مرايانا تجدون رابطه أسفل هذا المقال، توضح إجراءً عملياً ملموساً لأهمية القراءة وقدرتها على تغيير حياة الإنسان كلّيا. ضمن ذات الإجراء تقدّم نموذج الإصلاح بالقراءة، لإعادة تأهيل السّجناء، وهو إجراء معمول به في البرازيل منذ 2009. كما ناقشت نفس الكاتبة، في فيديو آخر تجدون رابطه أسفله، أهمية القراءة في العلاج من الأمراض، استناداً على معطيات منظمة الصحة العالمية.

حسب برنامج تأهيل السجناء الذي تطرقت له فدوى مسك في حلقتها المذكورة أعلاه، فإنّ قراءة كتاب واحد تقلصّ المدّة السّجنية بأربعة أيّام.

النتائج كشفت أنّه، خلال مدة بقاء النّزلاء بالسّجن، فهم يتعلمون بأن هناك، بالفعل، شكلا آخر لرؤية العالم. وسبيلا مختلفا لتمثّل الإنسان للكون والوجود والحياة، إذ يدركون أنّ القراءة وحدها الطريق الأنسب لاكتساب المَعرفة والحياة أيضًا.

من جهته، يؤكّد عبد الصمد زقوري، أستاذ اللغة العربية، أنه في خضمّ تجربته في التّعليم، فطن إلى إمكانية التّداوي بالقراءة، خُصوصاً من الجَهل والأميّة والسّطحية والابتذال.

زقوري، وفق ما يفسره في تواصله مع مرايانا، حاول قدر المُستطاع تحبيب القراءة لدى المتعلّمين الذين يدرّسهم، عبر “إعارتهم كتباً وروايات لتحفيز حسّهم النّقدي، واستفزاز بحثهم عن المَعرفة بشكل فرديّ. وذلك في أفق تعميق ملكات التّعلم الذاتي لديهم، وتنمية مستوياتهم الأدائية والمعرفية، وكذلك الوجدانية والنّفسية. ولعلّ هذا ما ينبغي أن يكُون أصلاً في النّظام التّعليميّ”.

ولكَونها جهودا فرديّة وأحاديّة، فزّقوري يعتبر أنّ التّجربة لم تنجح بشكل كفيل بتَكريسها وتحقِيقها النّتائج المرجوة منها، نظراً للمرحلة العُمرية الحرجة التي يُوجد فيها تلامذته. إنهم مراهقون، يقضُون أغلب وقتِهم في الفضاءات الافتراضية ويستَهلكون مضامينها بوفرة. إلاّ أن بعض التلاميذ تفاعلوا مع الخطوة واستجابوا للمبادرة، ولازالوا يستجيبون.

في ختامه تصريحه، يشدّد زقوري أنه لكي نحبّب الأجيال في القراءة، فإن الرّهان الأساسيّ هو أن يستوعبَ التّلاميذ أن القراءة من أكثر الأشياء أهمّية في الحَياة. فهي النافذة الوحيدة نحو العلم، والتحرر من التقاليد الباليّة. ومنها ينجح الإنسان في تشكيل مناعة صلبة، تساعده في التخلص من التفاهات والخطابات الضّحلة، المنتشرة في الفضاءات التقليدانيّة وحتى في الرّقمية بدورها.

… في المحصّلة، يتّضح أنّه، حين لا يقرأ الشباب، باعتباره العمود الفقري للتنمية، فالأمر ليس رهيناً بمستواهم الثّقافي والفكري فحسب، بل خطورة الموضوع تكمنُ في اتّصالها بشكل مباشر بتطوّر المستوى الثّقافي للبلد، وعلاقتها ببقاء المجتمع ونموه وتقدّمه… وإلا، حكم على نَفسه بالمَوت والرّكود الثّقافيين.

القِراءة ليست إلا اكتشافاً جميلاً لحياة جديدة… ممتدة في عالم من الورق!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *