×
×

التعليم العالي بالمغرب… هل تؤدي الجامعة دورها في التّنمية العلميّة؟ 1\2

يحاول أن يوضح لنا الأكاديمي المغربي محمد الداهي أننا “قد نفاجأ أحيانا بوجود جامعة مغربية في عداد الجامعات الدولية المصنفة، على الرغم من امتعاضنا واستيائنا من وضع التعليم في المغرب ونتائجه لأسباب ودواع يعرفها الجميع”. لكنّ هذا عكس ما حصل سنة 2022، إذ حلّت كلّ الجامعات المغربيّة… خارج التصنيف.

كيف يمكن تقييم البحث العلمي في الجامعات المغربية؟ أي تصوّر جديد يصلحُ لكي تؤدّي الجامعة دورها المجتمعي المنشود؟ و، أساساً، أيّ دور يلعبُه تعليمنا العالي في الدفع بعجلة التنميّة العلميّة في المغرب؟

هل بلغت الجامعة المغربيّة مداها وتحتاجُ إلى رؤية جديدة فيما يخصّ البحث العلمي؟ ما هي أهمّ المشكلات التي تواجه الأساتذة الباحثين في الجامعة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

هذه الأسئلة وأخرى تجيب عنها مرايانا في هذا الملف.

البحث العلمي بالجامعة… أي تشخيص؟ 

بداية… يصعبُ أن نُقيِّمَ البحث العلمي في المغرب بطريقة موضوعية، لانعدام الإحصائيات والمعطيات الدقيقة والمُحيَّنة بانتظام، وتباين الأداء والمردود حسب كل جامعة على حدة.

هذا ما يراه الكاتب والأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرّباط محمد الداهي، الذي يعتبر أنه يفاجأ “أحيانا بوجود جامعة مغربية في عداد الجامعات الدولية المصنفة، على الرغم من امتعاضنا واستيائنا من وضع التعليم في المغرب ونتائجه لأسباب ودواع يعرفها الجميع”. لكنّ هذا عكس ما حصل سنة 2022، إذ حلّت كلّ الجامعات المغربيّة… خارج التصنيف.

وفق ما يفسّره الداهي لمرايانا، فإنّ “كتابة الدولة في البحث العلمي” كان لها في حكومة عبد الرحمن اليوسفي عام 1998 أثر بالغ في إثارة مشكل “البحث العلمي” بالجامعات المغربية، واستحداث معاهد وكليات جديدة، وتقويم النتائج المحققة، وتخصيص ميزانية للبحث العلمي تقدّر سنويًّا بما يناهز 40 ميلون درهما، لدعم جملة من البرامج والمشاريع التي تخضع لمعايير محددة لاختيار أفضلها؛ بالإضافة، طبعاً، إلى تمويل التّظاهرات العلميّة المنتظمة، وتعزيز علاقة الجامعة بمحيطها الاقتصادي والثقافي، وتطوير البحث الأساس.

مع ذلك، لم تتحقق الرهانات المنشودة لأسباب كثيرة، منها مثلا أن الإسهام المغربي في الإنتاج العالمي، حسب الداهي، لا يتعدى نسبة 1 بالمائة. كما أنّ الشراكات وسبل التعاون والإنتاج المشترك (Co-production) مع الجامعات  الدولية في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا، لم تحقق ما كان متوقعا ومنتظرا منها؛ وإن استطاعت مختبرات بعينها أن تحقق نتائج ملموسة في مجالات اهتمامها (تطوير الفلاحة، وتدبير الغلاف الجوي، وتحسين المورد المائي).

كما “تعاني أغلب فرق البحث والمختبرات من ضعف التمويل، ويتفاوت أداؤها بالنّظر إلى طبيعة المنشورات والنّدوات والمرامي. يُعتمد في هذا الصّدد على القياس البيبليوغرافي Bibliométrie (منهجية لتعيير نوعية المنشورات العلمية وأدائها) لمعرفة وتيرة النّشر في كلية ما، ونوعها، وأدائِها العلميّ، ونسبة ترويجِها والاستفادة منها، وطريقة استثمارها في قواعد البيانات المعتمدة (Scopus, Google Scholar, Thomson Reuters, cite Seerx) لمعرفة عدد المنشورات السنوية وقيمتها العلمية، وعدد الإحالة إليها من قبل باحثين آخرين”، يفصّل الجامعيّ.

كذلك، يُعتمد في تصنيف الجامعات، من بين اعتبارات أخرى، على قياس المواقع (webmétrie)  لمعرفة كيف تُستثمر الجامعة البحث العلمي على مستوى الإنترنيت وخاصة على مستوى النشر الرقمي، وكيف تستثمر أيضًا تكنولوجيات المعلومات والتواصل (TIC) في الرقي بالتدريس والتحصيل العلمي إلى المستوى المنشود، وفي توفير الخدمات البيداغوجية والعلمية عن بعد.

يقدّم المتحدّث مثالًا بأنّ معظم مواقع المؤسسات الجامعية العليا في المغرب، تستثمر في نشر الأخبار والمستجدات وصور الرؤساء والعمداء، وعندما تنتهي ولاياتهم، يأتي مسؤولون آخرون فيعمدون لأول وهلة إلى حذف صور زملائهم لتثبيت صورهم. هكذا، يتّضح أن الوزارة الوصية ليست لها رؤية شاملة للنهوض بالبحث العلمي، وخاصة بالشطر الذي أبان عن هشاشة بنيات مؤسّساتنا وضعفها إبان جائحة كورونا.

من ناحيّة أخرى، يقول الجامعيّ والنّاقد عبد الرّحمن التمارة، إنّ البحث العلمي الجامعي المغربي، مع التركيز هنا على البحث المتّصل بالعلوم الإنسانية، كان أساس التفكير عند الأساتذة الباحثين المغاربة. لهذا، فإنّ البحث العلمي بجامعاتنا تميّز، في حدود المتاح، بالنّجاعة والفاعلية والابتكار والمواكبة والمسؤولية والجدَّة. لذلك، فإنّ الكثير من الباحثين المغاربة، في مجالات العلوم الإنسانية الكثيرة، تَشكَّل إنتاجهم داخل الجامعة المغربية.

شكّل التّكوين التّربوي، وفق التّمارة، جزءاً من البحث العلمي، لدى فئات كثيرة عملت على نشر المعارف العلمية بـ”روح” الابتكار والتّطوير والتّجديد والإضافة. من هنا، فإنّ الكثير من أطر وطنِنا هم نتيجة “للاستثمار” في الرأسمال البشري بالجامعات المغربية، وتعدُّ إنتاجيتهم نتيجةً لمجهودات التأطير التربوي والبحث العلمي والإنجاز الشّخصي. بهذا المعنى، فإن تقييم البحث العلمي يتّسمُ بالإيجابية، لكن المتاح والموجود غير كافٍ، بل يتطلب الإضافة والتّعضيد.

أما الحديث عن حدود البحث العلمي وإمكاناته، في مجال العلوم الإنسانية دائماً، فيجد المتحدّث أنها تتراءى محدودة؛ بالنظر إلى الهيئات والمؤسسات والفاعلين الحقيقيين في البحث العلمي الجامعي.

لهذا، يفترض الباحثُ أن النهوض بالبحث العلمي الجامعي، في شقه الإنساني، يقتضي العناية بالعنصر البشري لأنه أساس أيّ بحث فعلاً، والعمل على تشييد نظام بحث بحوافز تشجع الباحثين على البحث و”الابتكار”، وتفعيل، عملياً، استراتيجية تشاركية خلاّقة بين كلّ الفاعلين في المجال، وتعزيز المنجز العلمي وتقويته بالبحث المفضي لإنتاج الجديد المواكب للتحولات والمستجدات في الواقع الإنساني والمجتمعي.

لذلك، يعتقد التمارة أنّ إمكانات الباحثين الجامعيين المغاربة محترمة، وقادرة على بلورة “منتوج” علمي فعّال ودال على قوة “العقل”.

الأساتذة الباحثين: مشاكل البحث؟ 

“في المغرب، أغلب الباحثين لا يستطيعون نشر أبحاثهم في المجلات ذات التأثير العالمي بسبب نقص التحفيزات المخصصة لهم”، هكذا يستهلّ الخبير في التواصل والأستاذ الجامعي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، مهدي عامري تشريحه لمشهد البحث العلمي ببلادنا.

عامري يستطردُ أنّ مشكلة ضعف البحث العلمي في المغرب، راجعة بالأساس إلى عدم وجود باحثين قادرين على كتابة بحوث من المستوى الرفيع، خاصة باللّغة الإنجليزية. ومن المؤكد أن ما يُنشر من البحوث العلمية من طرف الباحثين الجامعيين المغاربة لا يُنشر في المواقع العلمية التي لها تأثير على المستوى العالمي، ما يجعل نطاق إنتاجهم محدوداً جداً.

علينا أن نعرف أنّ “زمن الأستاذ التقليدي والطالب التقليدي ولّى دون رجعة، وهذا يقتضي إعداد باحث قادر على مواكبة التطورات العالمية المتسارعة، والاستفادة من التطور التكنولوجي والاهتمام بطفرات الذّكاء الاصطناعي والمعرفة التي تتركّز على الدقّة والتّقنيات الحديثة”، يقول عامري.

عدم التمكن من اللغة الإنجليزية، حسب المتحدث، يَجعل الباحثين المغاربة غير مسايرين للعصر وكأنهم يعيشون في الأزمنة الغابرة، وضعف الإلمام بأهمّ لغة بالعالم اليوم، يحُول دون تمكّن الطلبة من الاستفادة من المعرفة الهائلة التي تتيحها قواعد البيانات العالمية، رغم أن الكثير من الجامعات المغربية تتيح الولوج إليها مجانا.

هنا، يجد عامري أنه، إذا كان الباحثون المغاربة يواجهون صعوبات في إيصال إنتاجهم إلى العالمية، فإن أثر ما يُنتج من البحث العلمي، حتى على الصعيد المحلي، يظل محدودًا، كما أنّ الباحثين في المغرب قلّما يشتغلون على أبحاث جماعية، إذ تغيب لدى أغلبهم روح الفريق.

يجملُ مهدي عامري تصريحه قائلاً: هكذا تجد الباحثين المغاربة يشتغلون ويبحثون لأنفسهم، بينما البحث العلمي يتطلب العمل الجماعي، كما هو الحال في الجامعات العالمية المرموقة، حيث ينجز الباحثون أبحاثا مشتركة، بينما نحن لازلنا تقليديين في ممارسة البحث العلمي.

من جهة أخرى، يرى الحسن مادي، الجامعي والخبير التربويّ، أن الأستاذ الجامعي مفروض عليه، بموجب القانون الأساسي، أن يقوم بالتّدريس والتّأطير، وأن يقوم في جانب آخر بالبحث العلميّ، وهو جزء محوري من مهام الجامعة، ومن أدوار الأستاذ الجامعيّ بالضّرورة.

هذا يدفع مادي إلى القول، في حديثه لمرايانا، بأنه من الضّروري تشجيع البحث العلمي إذا أردنا من جامعاتنا أن تساهم بشكل فعّال في محاربة الجهل والتّخلف والدّوغما، والمساهمة في التنمية العلمية ببلادنا وكذا التنمية الاقتصادية والثّقافية… لذلك، ينبغي أن تتوفّر مختلف الشّروط الضرورية للأساتذة: الاعتراف المعنوي بدور الأستاذ الجامعي في المجتمع، وهذا يستدعي عملية جدّية لإرجَاع الثّقة إلى الجامعة وإعادة بناء الثقة في الكفاءات الوطنية.

من جهة أخرى، فإن معظم الأساتذة يقضُون وقتًا طويلاً في عمليّة التّدريس، وهذا ما يجعل كثيراً منهم يتخلّفون عن دورهم الأساسيّ في البحث العلمي. السبب الأساسي يعود للاكتظاظ في الجامعات، مما يحتم، حسب مادي، الزّيادة في أعداد الأساتذة الجامعيين، حتى يكون هناك متسع من الوقت للبحث العلمي.

في الجزء الثاني، نتابع الحلول الممكنة لتطوير البحث العلمي بالمغرب.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *