×
×

“محرقةُ” الكُتب بتالسِينت… هل يمكنُ عدّه هجوماً على الفلسفة فعلاً؟

… الخاسر الأكبر هم التلاميذ، الذين سيحرمون من المطالعة بعد تخريبُ طموح فتيّ يرنو إلى تحبيب القراءة للناشئة، وجعل المكتبة فضاءً روحيًّا وملاذاً للمعرفة والفكر الحرّ والنقدي.

حينَ أحرقت كُتبُ ابن حزم الظّاهريّ، قال: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرُقوا الذي… تضمنه القُرطاس بل هو في صدري”

كان هذا أفضل ردّ على عملية إعدام الكتب في الأندلس. لكن… ماذا نقولُ اليوم لأولئك الذين أحرقوا مكتبةً في جنح الظّلام بثانوية الخوارزمي التأهيلية في مدينة تالسينت التابعة ترابيًّا لإقليم فكيك، قبل أيام قليلة؟

حادثة غريبة. لكن، هل تلقي هذه الحادثة بحجرة التّأمّل في مياه الفلسفة الرّاكدة في النّقاش العموميّ؟ أيمكنُ القول إنّه عزاءٌ حقيقيّ للتّفلسف، كما قيل، أم أنّها لا تعدو مجرد حالة شُرود وشغب “شاذّ”؟ هل الفلسفة بخير في بلدنا من حيثُ قبولها مجتمعيًّا في الهوامش، أم أنّ قيمتها لا تُدرك إلاّ في أوساط معيّنة… فقَط؟

… ما الذي حدث؟

رضوان بويمتغان، أستاذ الفلسفة وصاحبُ المبادرة، يحكي لمرايانا أنّ الواقعة حدثت في نهاية الأسبوع حين غادر ثانوية الخوارزمي التأهيلية مُطمئنّا، ليعود يوم الاثنين، فيجد الصّور التّشكيلية مختفية والمكتبة خالية من الكُتب.

لا يُخفي رضوان أنّ الأمر لازال يُشكّل باعثاً على الذّهول والصّدمة وعُسر استيعاب ما حصل. وإلا، لماذا يتمّ استهداف قاعة الفلسفة بالذات دون غيرها وإحراق كُتبها؟ أو… لمَاذا تُخرّب بعضُ الصور التّشكيلية المزيّنة لجدران قاعة الفلسَفة تحديداً؟

تبقى كلّ الاحتمالات واردة ومقبولة، في نظر بويمتغان، لكن “ما يعُوز في هذه الحادثة الغريبة، هو انتفاء خيُوط منطقيّة لبنَاء تصوّر واقعي حول ما حدث. ليسَت هناك خصُومات مع أي أحد، لا من تلاميذ ولا من ساكنة المِنطقة. بالتالي، إذا كان الأمر لا يستندُ إلى معطيات ذاتية، فما هي الدوافع الموضوعيّة لفعل الإحْراق هذا؟”.

الواضحُ من كُل هذا أنّ المُستهدفُ الأساسيّ هو المكتَبة، ذلكَ أنّه تمّ تدميرُ النّافذة ابتداءً، ثمّ إخراجُ كلّ الكُتب والزجّ بها في النّار، باستِثناء كِتاب واحد بعنوان “ظهر الإسلام” لأحمد أمين.

المكتبة عمرها سنتان؛ وكانت هي الأولى من نوعها في المؤسسة. نالت، عن جدارة، استحسان الأطُر الإدارية والتّربوية، وشملتْ قبل إحراقها، ما يزيدُ عن 220 مرجعاً. كانت تلك المكتَبة تتكوّن من ستّة إلى سبعة رفوف، وتتضمّنُ أمّهات الكُتب في الشّعر والأدب والفِكر والفلسَفة والسّوسيولوجيا، وضمنها أيضاً توجد القصّة والرّواية وغيرهما.

لكن… ما الذي يحيلُ عليه ترك كتاب واحد بعنوان “ظهر الإسلام”، للمفكّر أحمَد أمين؟

يجيبُ عبد الكريم سفير، الكاتب العام للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، عن سؤال مرايانا، معتبراً أنّ الحركة تتضمّن خطاباً، أو إشارة أو تلميحاً من الجهة التي تقفُ وراء هذا الهُجوم؛ فهي أتت، حصراً، لنسفِ الكُتب التي تربّي على التّفكير النقدي. أو قُل، الكتب التي تتضمّنُ قدراً من رُوح الفلسفة وهدم اليقينيّات.

يضيف سفير بأنّه “في نفس الوقت لا نستَطيع أن نجزم في هذا الجانب، لأن جزءاً مهمًّا من المغاربة يكيلون احتراماً كبيراً للدين. لذلك مجرّد رؤية كلمة “الإسْلام” في العُنوان، ستَجعلهم يعدِلون عن إحرَاق ذلك الكِتاب بالضّبط”.

من جهة أخرى، يرى أستاذ التّربية الإسلامية، حفيظ العلوي، أنّها مغالطات في التأويل ذات نيّة مُبيّتة لإلصاق التّهمة، مجّاناً، بالتيّارات الأصوليّة، والسّعي إلى شيطنتها عبر التّلميح إليها بالقول إنه هجوم على التّفسلف. هذا التلميح يجرّ النقاش، ضمنيًّا، إلى ذلك المربّع المبتذل، المتعلّق بالعَلاقة بين الشّريعة والفَلسفة.

العلوي، في حديثه مع مرايانا، يطرحُ عديداً من الإشكالات: كيف يمكنُ أن يَعرفَ الجناةُ مضمون الكتاب الذي تُرك: “ظهر الإسلام”؟ هل لهم معرفة بأحمَد أمين أو مشرُوعه الفكريّ؟ هل هؤلاء ذووا تأطير أيديولوجيّ منظّم، أم أنها حالة شغب معزولة من طرف مجهولين؟ هل هو فعل أقدم عليه التلاميذُ الذين يكرهون القراءة ويضمرون عداءً لها، أم أنّه سلوك صادرٌ من أشخاص أمّيين من خارج المؤسسة؟

ثمّ يعلّق: هذه هي الأسئلة النّقدية التي ينبغي أن تُطرح، ولو أنّ التأويل لا يجوز والتحقيق مفتوح في الحادثة من طرف السّلطات المختصّة.

عزاءُ… الفلسفة؟

الباحث في الفلسفة، سعيد ناشيد، يعدّ  الحادث جريمة إرهابيّة تنضافُ إلى كلّ مطبّات الفكر المتطرّف. هذا السّلوكُ يُقرأ من جوانب عديدة؛ إذ يتعلّق الأمر، هذه المرّة، بالاعتداء على كُتب، وليس على أشخاص، وهذه سابقة في الأزمنة الحديثة، خصوصاً أنّ عملية إتلاف الكتب وإحراقها، اعتقدنا أنّنا طلّقناها في المغرب، ورميناها في الزّمن القَديم، مع إحراق كتب ابن رشد قبل ثمانيّة قرون.

إنّما هذه الواقعة، يضيفُ ناشيد، بيّنت أنّ الغريزة التّدميرية للكتب والاعتداء على الثّقافة، لا تزال تعتملُ في أعماق البعض على شَكل سُبات لحظيّ، تتريّث وقت الانفجار، كما حدث في تالسينت.

من جانب آخر، يعتبر ناشيد الأمر اعتداءً على الثقافة، لأنه اعتداء على المكتبة بكل ما تحمله من رهانات ثقافية، ومن المعلوم أنّ غاية التّطرف هو التصحّر الثّقافي للشّعوب.

أستاذ فلسفة آخر، فضل عدم الكشف عن هوّيته، يعلّق على الآراء التي سادت بعد الحادثة مدرجاً إياها ضمن التّفكير اليومي الاستهلاكيّ، ومخرجا إيّاها من خانة التفكير الفلسفي.

هذا الأستاذ يرى، في تواصله مع مرايانا، أنّ القول بأنّ الأمر هجوم على الفَلسفة وكفى، يصرفنا عن مراعاة الحلول الحقيقية وعجز الدولة والمجتمع والمَدرسة عن تبيئة تَصالح، ينبَني على المنطق، مع الفلسفة.

ما يودّ أن يورده المتحدثُ بهذا الصّدد، أنّ الردود الانفعالية هي من قبيل الدّوغمائية التي تُحاربها الفلسفة. الحادثة وقعت في نطاق محَافظ وفيه نسبة أمية متفشّية. بالتالي، قد يكون الأمر هجوماً عفوياً على الفلسفة، وليس عملا منظّما كما يتم تصويره، ومحاولة تحميل الواقعة ما لا تحتمل.

لكنّ محمد العلوي، أستاذ مادّة الفلسفة، يذهبُ إلى أنّ صورة الفلسفة في التّمثل الجمعيّ للمغاربة لم ترقَ إلى درجةِ الوعي بأهميتها من حيث هي فكر نقديّ يدعو إلى مساءلة المسلمات ونبذ الدوغمائية والتعصب للرأي.

بحسب ما أوضحه العلوي لمرايانا فالفلسفة لاتزال في نظر الكثيرين مرادفة للمروق والزندقة والإلحاد والتطاول على الدين وتهديد الأمن الروحي.

يتمنى العلوي أن تكون الحادثة عرَضية وأن “تتعامل معها الدّولة بما تستحقه من الاهتمام حتى لا تتكرر مثل هذه الأفعال التي تسيئ إلى مغرب التسامح وتقبل الاختلاف الذي نسعى إليه جميعًا”.

الخاسرُ الأكبر!

صاحبُ المبادرة، رضوان بويمتغان، يقول إنّ الخاسر الأكبر هم التلاميذ، الذين سيحرمون من المطالعة بعد تخريبُ طموح فتيّ يرنو إلى تحبيب القراءة للناشئة، وجعل المكتبة فضاءً روحيًّا وملاذاً للمعرفة والفكر الحرّ والنقدي.

في تواصلها مع بعض التلاميذ في ثانوية الخوارزمي التأهيلية، تأكّد لمرايانا أهمّية هذا النشاط الموازي، المتعلّق بالمكتبة، في بناء شخصية التلامذة.

التلميذ بالثانية بكالوريا أدبية بثانوية الخوارزمي التأهيلية، حميد أعلعوض (19 سنة)، يقول إنّه استفاد من زهاء الثلاثين كتاباً، لم يكُن بوسعه اقتناؤُها نظراً للفقر والوضع الاجتماعي الهشّ الذي يتواجد فيه معظم التلاميذ بالمنطقة. لذلك، كانت المكتَبة فرصةً لمُطالعة كثير من الكتب بالمجّان.

بكثيرٍ من الاعتِزاز والعِرفان، يكاشفُ أعلعوض مرايانا بأنّه يرجع كلّ الفضل الذي آل إليه في السنتين الأخيرتين إلى الكتب التي وفّرتها المبادرة “المحروقة”… وكيف ساهمت تلك المُطالعات في دَفعه إلى إعادة النّظر في كثير من الأفكَار الجامِدة، التي يقُول إنّه اعتَنقها ونشَأ علَيها.

يردفُ أعلعوض أنّ كتاب “هكذا تكلّم زرادشت” لنيتشه، هو من الكتب النّاجية من “المحرقة”، لأنّه لايزال في حوزته. ويضيفُ أنّ “جلّ التّلاميذ كانوا يرتادون تلك المكتَبة. ونراهنُ جميعاً الآن على إعادة تهيئة مكتبة أخرى في أقرب الآجال، فقد أدركنا أهمّيتها جيداً”، يجمل أعلعوض.

في النهاية، وبغضّ النّظر عن كونه اعتداء على الفلسفة أم حادثة شاذّة وعرضية وغير مؤطّرة أيديولوجيًّا، يبقى ما حدث هجوماً على الرّأسمال الرمزي وعلى رهانات المَدرسة مع الناشئة.

إنه فعلٌ لا ينبغي، على الإطلاق، أن يترك دون متابعة، ودون عقاب إذا عرف الجناة. أوّلاً لفهم ما حدث. وثانيًّا، وهذا الأهم، لتفادي تكراره مجددا في أماكن أخرى.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *