×
×

سعيد ناشيد لمرايانا: عزلي محبوكٌ من طرف البيجيدي، وقطع الأرزاق راجع إلى طبيعة الفكر البراغماتي للإسلاميين

المَسألة تخفي هُجوماً “سافِراً” على الفلسَفة، لكن بطُرق لا أخلاقِية؛ وهذا راجعٌ إلى طبيعة الإسلاموية العاجزة عن النّقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة. فكرهم قائم في أساسه على الجهل المُقدّس؛ وحين يأتي فكر عقلاني متمكّن من التّراث، فسيواجهونه بطُرق غريبة.

لا يختلفُ اثنان على أنّ استهداف الفلسفة ليس جديداً على التيارات الإسلامية المحافظة، فبدءاً بتهم الزندقة ومروراً بالاعتقال والاغتيال، فجّرت قضيةُ المفكر المغربي سعيد ناشيد، شكلاً جديداً من الرغبة في تحجيم الفلسفة لدى الإسلامويين… إنها طريقُ قطع الأرزاق.
ناشيد تمّ فصلهُ من الوظيفة العمومية “ظلماً” وتواطُؤاً، كما يخبر مرايانا في هذا الحوار… لكنّ ذلكَ لم ولن يفصلهُ عن المشروع الفكري الذي يرومُ، عبرهُ، إعادة بناء المواطن بملكات نقدية فلسفية وعقلية.
في هذا الحوار تحاول مرايانا الوقوف على خلفيات ما وصفهُ ناشيد بالقَرار الجائر والانتقامي.

  •  على ضوء النّداء الذي نشرتهُ على صفحتك وعنونته بـ”نعم، أصبحتُ أتسول الآن”… ما هي الخَلفية الحقيقية لعزلك من العمل، والذي جاء تتويجاً للكثير من مخاضات “الظّلم” التي عرضتها في النّداء بالتّفصِيل؟

ما تعرّضتُ لهُ هو نتيجة لعمل تنسيقي ممنهج بين أشخَاص، تمكّنوا من اختِراق الإدارة والدّولة المغربيتين في مُختلف المستويات، وحتّى أعلاهَا من داخِل الحُكومة.

لم ننتبه لهذا التنسيق حتى جاءت النّتيجة كاشفةً كلّ ما حدَث. الغاية من هذا العمل “الإجرامي” و”الظّلامي”، هو تكسيري مادّياً، لكي أتوقّف عن التّفكير والكِتابة.

هذا ليسَ تأويلاً انفعالياً، بل كلّ ما سبق هذا القرار الجائر من ظلم، يؤكّد أنه عمل استهدافي. كيف نفسّر مثلاً أنه في بداية العام الدّراسي المَاضي، اتّصل بي المدير الإقليمي السابق لسطّات، واتصل أيضاً بأحد ممثلي حزب العدالة والتنمية بسطات. جلسنا ثمّ قال لي حرفياً: “إذا كنتَ مريضاً، لا يجبُ أن تكتب… بل ينبغي أن تشرب دواءك وتخلد للنوم، وإلا سنعقد المجلس التأديبي ونتخذ عقوبات صَارمة في حقّك”.

الظّلاميون لا يستطيعون إذلال الفكر الفلسفي العقلاني بهذه التكتيكات، التي تعبّر عن فظاعتهم. الزرق لا يعني إطلاقاً الفِكر، وقطعه لا يحدّ من قوة الفكر وتوغّله.

بعد هذه الإهانة، أمام أحد “رموز” العدالة والتنمية بسطات، راسلتُ الوزير، أطلبُ فتح تحقيق في الواقعة. تمّ الأمر بشكل إداريّ أوّلا. ثمّ، بعد مدة، راسلتهُ عن طريق محامي، لأبين أني أخذت الأمور بجدّية، ولن أسمح لأي كان المساس بكرامتي أو أن يخرقُ القانون في الاعتداء على حقّي.

لم أتوصّل بعدها بأي إشعار من الوزارة، و لا عرفت هل فُتح التّحقيق أم لا في هذه النّازلة.

لكنّ الغريب أنه، وأنا أنتظرُ فتح التّحقيق، تم استدعائي من طرف المدير الإقليمي نفسه لأشغال المجلس التّأديبي في حقّي. عيّن المدير بنفسه الأعضاء الإداريين بعناية، وَغُيِّبتْ بالمقابل لجن الكونفدرالية المغربية للشّغل والاتحاد العام للشّغالي، بينما حضر ممثلو العدالة والتّنمية. قضى المجلس في قراره النهائي بعزلي من الوظيفة العُمومية…

هذه الحبكة في الملف، أدهشتني وأفجعت النّقابات وفاجأت الشّغيلة التعليمية والحقوقيين والمتنوّرين في البلد. في وقتٍ يشهد فيه مساري التربوي بالنّزاهة والاجتهاد، ولم يُثبت في حقّي تغيّب عن العمل بشكل غير قانوني وشواهدي الطبية أصادق عليها عن طريق اللّجنة الطّبية، وطلبتُ التقاعد النّسبي، رغم أني أعاني من ثلاث انزلاقات غضروفية في العمود الفقري ومن حساسية تنفسية ومن الكلي، والعشرات استفادوا وأنا لم أستفد، ما يوضح بالملموس أني مستهدف وأن هناك “بلوكاج” في ملفي، رغم أنه لم تسجّل عليّ أي إساءة لأي جهة في المنظومة التربوية، من التلميذ إلى الوزير.

  •  كتب المتَضامنون معك بأن المُستهدف الحَقيقي هو فكرك والطّروحات الإنسية التي تُدافع عنها، وليس أنت كشخص… في حال كان ذلك صَحيحا، من تتهمُ بشَكْل مُباشر في الضّلوع في هذا التّضييق “السّافر” على الفِكر الفلسَفي التّنويري؟

طبيعة خِياطة الملف من البداية إلى النهاية، تجعَلنا نُوجّه أصابع الاتّهام مباشرة للفكر الإسلامي الظلامي، المتجسّد صريحاً في حزب العدالة والتنمية.

وكلّنا نعرفُ أن المدير الإقليمي، الذي تزعّم الملف في الصّورة، كان خدِيماً طيّعاً لصقور الحزب ذي المرجعية الإسلامية، يتحكّمون فيه مثل “التيليكوموند”.

هذا التضييقُ يأتي بوضوح بناءً على أيديولوجيا “رجعية” و”ظلامية”، تُحاول شجب كلّ الأطروحات العقلانية التي تتعارضُ معها وتمحقُها فِكرياً.

الغريب أن الإسلامويين حين يفكّرون بقطع الأرزاق كمنحى انتقامي، فهذا يدلّ على ارتباط فكرهم جدلياً بكلّ ما هو براغمَاتي: المَال، الأكل، الوَليمة، الزرود، الغنيمة…

لو لم يكُن الأمر في صُلب اهتمام الإسلام الحَركي، لما كان رئيسُ الحكومة، الذي يغيبُ عن قَضايا اجتماعية أساسية حساسة وراهنة، حاضراً في قضيتي عبر توقِيعه قرَار العزل بسُهولة وبجرّة قلم. أَلَم يبلغه مثلاً أن الشّخص المعزول له سجلّ نظيف في مسَاره المهني؟

لذلك، فأنا أتّفق أنّ المَسألة تخفي هُجوماً “سافِراً” على الفلسَفة، لكن بطُرق لا أخلاقِية؛ وهذا راجعٌ إلى طبيعة الإسلاموية العاجزة عن النّقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة. فكرهم قائم في أساسه على الجهل المُقدّس؛ وحين يأتي فكر عقلاني متمكّن من التّراث، فسيواجهونه بطُرق غريبة. اغتيال فرج فودة أو حسين مروة أو مهدي عاميل وغيرهم، يبيّن أنّ الإسلام السّياسي لا يقبل قراءة نقدية أو عقلية للتّراث. وحين تضبطُ التراث جيداً من جانب يتعارضُ ومرجعيتهم وباعتماد آليات جديدة، ثمّ يظهرُ لهم أنك تشكّل تهديداً لأفكارهم الظّلامية، فسيتصدّون لك.

لحسن الحظّ أن المغرب بلد قويّ أمنياً، ولكنّه مع ذلك ضعيفٌ إدارياً، لذلك تمكنوا من اختراقه. على كلّ حال، فهُم إذا فشلوا في ضرب الأعناق، يقطعون الأرزَاق.

لكني أود أن أؤكّد أني أواجهُ الرّجعية، وسأبقى أواجهها، لأن الأمر جدّي…

  • لكن، هل يمكنُ أن يبلُغ الاختلافُ في الرّأي والمرجِعيات منحى “انتقامياً”، لدى ما أسميتهم بـ”الرّجعية” يصِل حدّ قَطع الأرزاق؟

حتى في سنوات الرّصاص، لم تصل الدولة إلى هذا المستوى من الانتقام، رغمَ أنّه كانتْ هُناك طُرق أكثَر خُطورة. لكِنّ المُستوى لم يتدنَّ بهذا الشّكل.

هذا مُستوى آخر من الخُبث. هم يعتقدون أن قطع الرزق سيوقفني عن مشروعي الفكري ويجعلني أذعن وأتراجع، وهم في ذلك واهمون.

عسى في كلّ ما حدث خيراً، لأن قيمة التضامن لم أتوقعها، وهذه هي “البركة” الحقيقية، وليس المال.

الظّلاميون لا يستطيعون إذلال الفكر الفلسفي العقلاني بهذه التكتيكات، التي تعبّر عن فظاعتهم. الزرق لا يعني إطلاقاً الفِكر، وقطعه لا يحدّ من قوة الفكر وتوغّله.

المغرب بلد قويّ أمنياً، ولكنّه مع ذلك ضعيفٌ إدارياً، لذلك تمكنوا من اختراقه.

الفكرُ قويّ بطبيعته. وأرض الله واسعة. مسألة الرّزق تبقى في كلّ الأحوال نسبية… لكن الغريب أن الإسلامويين حين يفكّرون بقطع الأرزاق كمنحى انتقامي، فهذا يدلّ على ارتباط فكرهم جدلياً بكلّ ما هو براغمَاتي: المَال، الأكل، الوَليمة، الزرود، الغنيمة… كلّما غنمت كثيراً، فأنت على السّراط المستقيم! هكذا يفكّرون. لذلك، هم كلّما بدت عليهم “نِعم” الريع، تغيّرت أحوالهم وانقلبوا رأساً على عقب. بينما نحنُ نعيشُ في الزّهد بأفكارنا وفلسفتنا.

الفكر الإنساني لا يؤمن بالغنيمة، لذلك هو دائماً رحب وخِصب وراسخ وتاريخي. يجعَلنا نُركّز على حركة التاريخ، أكثر من التركيز على الحسابات الضّيقة والصّغيرة.

في الجزء الثّاني من الحوار، نتعرّف أكثر على دعوة سعيد ناشيد إلى إعادة قراءة الخطاب الدّيني، وتجريد الإسلام السياسي من قبضة هذا الخطاب واستغلال المشترك لغايات سياسية وانتهازية…

_________________________

لقراءة وجهة النظر الأخرى: عبد الكريم سفير لمرايانا: ملف سعيد ناشيد مهني محض، وطبيعة الفلسفة لا تقبل الاصطفاف الأيديولوجي

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *