×
×

عبد الكريم سفير لمرايانا: ملف سعيد ناشيد مهني محض، وطبيعة الفلسفة لا تقبل الاصطفاف الأيديولوجي

لو ترك ملف سعيد ناشيد في نطاقه المهني، لكانت الجمعية المغربية لمدرّسي الفلسفة أول من احتضن القضية وساندها وتابعها في حال كان هناك أي شطط في هذه الخطوة التأديبية، أو في استعمال السلطة من طرف الإدارة، أو في حال كانت العقوبات غير متناسبة أو كانت دفوعات الإدارة غير مقنعة… لكننا أمام ملف تأديبي تراكمي منذ 1995 إلى 2021 خضع فيه الأستاذ لأربعة مجالس تأديبية واستفاد من التدرج في العقوبة من الإنذار، ثم التنبيه، فالتوبيخ وصولاً للعزل.

ماذا لو كان لقضية سعيد ناشيد رواية مخالفة. رواية مختلفة حتى عن الرواية الرسمية، ونابعة من زملاء له؟

يتضّح ذلكَ جلياً من خلال هذا الحوار مع عبد الكريم سفير، الكاتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، الذي يؤكد أن كل ما قاله سعيد ناشيد… مجرد ادعاءات لم تُثبت بعد.

سفير ينتصرُ في حواره مع مرايانا إلى كون الفلسفة قوية بطبيعتها النقدية الرّحبة، وهو ما يجعلها تنأى بنفسها عن الاصطفافات الأيديولوجية الضّيقة.

عمل سعيد ناشيد كباحث يتطلّب إطاراً واحداً، وهو أن يكون أستاذاً جامعياً باحثاً.

أيضاً، الكاتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة يعتبرُ ملف سعيد ناشيد، ملفاً مهنياً محضاً، لا علاقة لأي طرف سياسي به، لأن قرار العزل جاء بعد تراكمات يوضحها لنا سفير في هذا الحوار…

  •  بعد عزله، سعيد ناشيد روّج لكون هذا القرار هو هجوم “سافر” على الفلسفة والتفلسف أكثر منه عقاباً زجرياً، بينما أنت في مقالك “عزاء الفلسفة” تؤكد أن الفلسفة بخير في بلدنا وأنها لا تشهد أي هجوم بأي شكل من الأشكال. هل يمكنك أن توضح هذه النقطة؟

صراحةً، في المقال، أردتُ أن أوضّح ما سيمكنُ اعتباره بالفعل تضييقاً على حرية التفكير، وما يمكنُ إدراجه حقاً في دائرة منع مفكّر ما أو مصادرة حقه في التعبير عن رأي مختلف، وهو مثلاً حين تُمنع كُتبه عمليا من النّشر أو التوزيع أو تُمنع محاضراته، أو يمنع هو من حضور فعاليات ثقافية، أو غير ذلك…

الحقّ أن هذه الأمور كلّها، لا وجود لها في ملف الزّميل سعيد ناشيد، لأنه يكتب وينشر ويحاضر ويلتَقي جمهُوره وقُرّاءه بكلّ حرية، وليس هناك أي تضييق عليه.

ما أثار حفيظتنا في الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، هو أنّ سعيد ناشيد يريد الزجّ بالفلسفة في حرب أيديولوجية ضارية لا دخل للفلسفة فيها؛ ذلك أن الملفّ ذا طابع مهني صرف، وشخصيّ خاصّ بسعيد ناشيد حصراً دون غيره.

هناك من استغلّ هذه الادعاءات الباطلة، غير محسوبة العواقب، التي تلفظ بها الأستاذ سعيد، قصد حشد التضامن، وربطها بتراجع المغرب على المُستوى الحقوقي

ما ينبغي أن يفهمه الرأي العام، أن الزّميل ناشيد، هو مجاز في الفلسفة، لكنه لا يدرّس الفلسفة. إطاره المهني هو أستاذ للتعليم الإبتدائي، وتمّ تكليفه مؤقتا بتدريس الفلسفة لمدة ستة أشهر سنة 2015، ومن تمّ إعادته إجرائيا لسِلكه الأصليّ بشكل عاديّ.

بالتالي، حين يتحدّث سعيد ناشيد عن استهداف الفلسفة، فأنا أودّ أن أؤكد أنه ليس هناك أي هجوم على التّفلسف. بالعكس، فهي تحظى بمكانة اعتبارية مهمة داخل المنظومة التربوية المغربية، لأنها أولاً معمّمة على جميع مسالك وشعب البكالوريا، إلى جانب كونها مادة إشهادية، وتدرس طيلة ثلاث سَنوات من التّدريس الثّانوي التّأهيلي. حتّى حين تمّ استثناؤُها في التكوين المهني، ترافَعنا بخصوصها وتمت إعَادتها إلى نِصابها. قَبلها، كُنا قد خضنا نقاشات دفاعاً عن الفلسفة في وجه بعض المحتويات البيداغوجية المسيئة للفلسفة والتفلسف، فتفاعلت المنظومة معنا وأزالت تلك المضامين… إذن، أي استهداف هذا والفلسفة في وضعٍ عاديّ جداً وتؤدي دورها التربوي؟

لو ترك ملف سعيد ناشيد في نطاقه المهني، لكانت الجمعية المغربية لمدرّسي الفلسفة أول من احتضن القضية وساندها وتابعها في حال كان هناك أي شطط في هذه الخطوة التأديبية، أو في استعمال السلطة من طرف الإدارة، أو في حال كانت العقوبات غير متناسبة أو كانت دفوعات الإدارة غير مقنعة… لكننا أمام ملف تأديبي تراكمي منذ 1995 إلى 2021 خضع فيه الأستاذ لأربعة مجالس تأديبية واستفاد من التدرج في العقوبة من الإنذار، ثم التنبيه، فالتوبيخ وصولاً للعزل. ومنه، لا أرى أي جدوى في جرّ الفلسفة إلى نقاش هي بعيدة عنه كلّ البعد.

الفلسفة بطبيعتها لا تقبل الاصطفافات الأيديولوجية أو الاستقطابات السياسية. ميكانيزماتها الفكرية تجعلها تضعُ نفسها موضع النّقد والسّؤال والتّفكير في جميع الخِطابات. هذه هي هُوية الفلسفة. هوية نقدية، وليست هوية اتّباعية اصطِفافية إلى جانب هذا لنصرة هذا ضدّ هذا.

من هذا المنطلق تأتي عبارة “عزاء الفلسفة”، وهي عنوان أحد كتب الزميل ناشيد. لكن استلهام العبارة يرنو للتّأكيد على أن أدلجة الفلسفة وتسييسها، هو مغامرة بالفلسفة وزج بها في متاهات قد تعود علينا بالعزاء الحقيقي للفلسفة في نهاية المطاف…

  •  لكن، ما الذي يمكن أن يدفع سعيد ناشيد إلى إفراغ القرار من محتواه التّأديبي وإلباسه لباساً أيديولوجياً، يُعرّض صُورة البلد ومكانة المثقفين، في المشهد الثقافي المغربي، للخَطر ويسيء إليها سواء صَريحاً أو ضِمنياً؟

أعتقد أنّ هذا السؤال ينبغي أن يجيب عنه الزّميل سعيد ناشيد أكثر من غيره، لأنه سؤال شخصي يعنيه هو، بما أنه قبل أن يعطي للملف بعداً أيديولوجياً وسياسياً، وعمد إلى تضخيم المفاهيم والأمور للقول بأن حِزبا في السلطة هو الذي يستهدفه…

مع ذلك، شخصياً، أرى أنه كان هناك تسرع انفعالي وسوء تقدير للعَواقب والتّبعات، بهكذا ادعاءات. فببساطة، لم يدرس سعيد مثلاً تداعيات المسألة على صورة البلد وصورة المثقّف والثقافة في شموليتها عندنا.

الفلسفة تحظى بمكانة اعتبارية مهمة داخل المنظومة التربوية المغربية

لكن، في نفس الوقت، سننتظر أن يثبت القضاء أن الملف  يحمل بالفعل غِلاًّ أيديولوجيا من عدمه، لأن تدوينة سعيد ومداخلاته حُبلى بكمّ هائل من الادعاءات، أتمنى أن يُثبتها.

للأسف، هناك من استغلّ هذه الادعاءات الباطلة، غير محسوبة العواقب، التي تلفظ بها الأستاذ سعيد، قصد حشد التضامن، وربطها بتراجع المغرب على المُستوى الحقوقي، في حين أنّ الملف لا علاقة له بحُرية التّعبير والتّفكير، وأخصّ بالذّكر إعلام مصر وتونس وبعض الدّول العربية الأخرى. وهذا في تقديري من أبرز الانزلاقات التي حدثت في هذه القضية، وقدّمت لخصوم البلد طعماً تقتاتُ منه.

كما أن ما يثير في القضية، هو بروز نوع غريب من الحجج، التي ساقها الكثيرون، منها مثلاً أنّ سعيد ناشيد كمفكّر يتمتّع بوضع اعتباري، يجعله غير خاضع للمُساءلة، وأنه ينبغي أن ينتصر الكلّ لروايته.

الفلسفة بطبيعتها لا تقبل الاصطفافات الأيديولوجية أو الاستقطابات السياسية. ميكانيزماتها الفكرية تجعلها تضعُ نفسها موضع النّقد والسّؤال والتّفكير في جميع الخِطابات.

تناست هذه الأطروحات أنّ الأستاذ في الأصل موظّف عمومي، يؤدي خِدمة معيّنة ويتقاضى عليها أجرة من الدّولة. فإذا كان هذا الشخص لا يقوم بعمله كما يجب، هل سيشفع له وضعه كمفكر أن يخلّ بواجبه المهني؟

هذا ليس اتهاماً للزميل ناشيد، وإنّما محاولة للوقوف على ارتجالية هذه الحجة. حتى لو كانت الوثائق الإدارية، التي اطلعنا عليها، أكدت أنّه كان هناك إخلال… كلمة الفَصل على كل حال تبقى للقَضاء.

  • مع أنّ هناك من الحقوقيين والمتتبعين من قال بأن هذه الوثائق الإدارية التي سرّبتها المديرية في ملف سعيد ناشيد تبقى مشمُولة بالسّر المهني؟

في اعتقادي، ليس هناك تسريب. أظنّ الموضوع بات حينها جدياً وأخذ منحى مختلفاً، ألقى بالمديرية والوزارة الوصية في وضع لا تحسدان عليه، فاضطرّتا إلى نشر بلاغات تكذِيبية وتوضِيحية للأمُور، في أفق أن يرفع اللبس وتكتمل الصّورة من النّاحية الرّسمية.

من الجانب المبدئي، فحين يغدو الأمر قضية رأي عام، لا أعتبر ذلك تسريباً، لأن من حقّ الرأي العام أن يعرف حقيقة الموضوع، من باب الحق في الوصول إلى المعلومة. ذلك أصلاً مكفول للجَميع بموجب القانون. بخصوص مسألة السّرية، فالقضاء الإداري من شأنه أن يوضّحها.

  • طيب، قلتَ في تدوينتك: “لعلّ هذا الطّلاق هو فأل خير عليه حتى يتفرّغ للقراءة والكتابة والتفكير والتأليف وحضور الملتقيات الوطنية والدولية وفي القنوات بكلّ حرية”. أيمكننا اعتبار ذلكَ بأنك تتفق، حدّ الغلو، مع السّردية القائلة بأن سعيد ناشيد “كان يهتمّ بالرّسالة الفِكرية على حِساب الرّسالة المهنية والتّعليمية، التي أهمَلها مع سبق إصرار”، كما يرى البعض؟

كانت بُغيّتي من هذا القول تحديداً هو التّأكيد على الفجوة بين وضع سعيد ناشيد كمعلّم في السّلك الابتدائي، وبين وضعه كمؤلف ومفكر وباحث. عملياً، ليس هناك تناسب، فالحُضور في مجموعة من اللّقاءات الإعلامية والنّدوات وطنياً ودولياً، لا تضمنهُ مهمة التعليم الابتدائي ولا حتى الثانوي الإعدادي ولا التأهيلي، نظراً لضيق الإطار الزّمني.

عمل سعيد ناشيد كباحث يتطلّب إطاراً واحداً، وهو أن يكون أستاذاً جامعياً باحثاً. وقتها، سيضمن له القانون الأساسي المنظم للتعليم العالي، أن ينخرط في الأنشطة العلمية والبحْثية، ويشارك في المعارض والصالونات الفكرية، وأن يحصل على تراخيص لأجل ذلك، لدرجة يمكن عدّ غزارة النّشاط الأكاديمي حينها بمثابة مِفتاح التميّز بين أستاذ وآخر.

ما يثير في القضية، هو بروز نوع غريب من الحجج، التي ساقها الكثيرون، منها مثلاً أنّ سعيد ناشيد كمفكّر يتمتّع بوضع اعتباري، يجعله غير خاضع للمُساءلة، وأنه ينبغي أن ينتصر الكلّ لروايته.

إلاّ أنّ هذا كله غير مُتاح للزّميل ناشيد، نظراً لكونه في وضْعٍ فيه إحراج، بما أنه معلّم في التّعليم الابتدائي، ويتوجّب عليه الحضور في الصّباح والمساء. لذلك، هو لم يتوفر على الوقت الكافي للقِيام بالبحث العلمي؛ فاضطرّه الأمر للخروج في الفترات التي قدّم فيها شواهد طبيّة.

بديهيّ أن تعتبر الوزارة المسألة بمثابة استِغلال رخص طبية في غير العلاج. أي أنه يقدم شواهد بأنه مريض، في حين هو خارج البلد في نشاط أكاديمي معين أو يكتب وينتج مؤلفات فِكرية. يبقى للمديرية، بموجب القانون، الحق في تعيين لجنة إدارية، تذهب لعنوان المريض المرخّص له، وذلك من أجل معاينة هل هو فعلاً مريض، ويتابع النّصائح الطّبية ويأخُذ الدّواء بانتظام…

الأمر في النّهاية يبقى مهنياً بحتاً…

_______________________________

لقراءة حوار سعيد ناشيد مع مرايانا:

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *