×
×

محمد الاشعري لمرايانا: من الضروري أن يكون الأدب مستقلا عن الأيديولوجيا والسياسة والمعتقدات، ولا أرتاح إلى الشعارية المهيمنة على فكرة تكسير الطّابوهات…

من الأدب إلى السياسة، ثمّ من السياسة إلى الأدب. في هذه الجملة يتلخّص مسارُ الشاعر والروائي والمناضل السياسي ووزير الثقافة السابق، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محمد الأشعري…
يظل الأشعري، في نظر البعض، من الأدباء الذين لم ينزووا إلى الصّمت، ويظلّ حضورهم لافتاً، سواء من حيثُ الإصدَارات الروائية أو من خلال الخرجات الإعلامية أو النقاشات السّياسية.
لم يُشف الاشعريّ من الكتابة، وظلّ مسكوناً بالحروف والتأليف، فأطلّ على جمهوره، بعد سنوات من إصدار “جنوب الروح”، برواية “القوس والفراشة”، الحائزة على البوكر للرواية العربية سنة 2011، ثم “علبة الأسماء” سنة 2015 و”ثلاث ليالٍ” 2017، فـ”العينُ القديمة” 2019… فضلاً عن دواوين شعرية كثيرة…
… في هَذا الحِوار، نسائل محمد الأشعري في بعض المواضيع التي تطرق إليها في تجربته الرّوائية… لفهم نظرته لفنّ السرد وتمثلاته له!

  • في آخر أعمالك “ثلاث ليالٍ”، حاولتَ  أن تسلّط الضوء على ثلاثِ مراحل أساسية من قهر المرأة داخل المجتمع المغربي. لماذا بات هذا التوجه نحو التاريخ منهجاً للرواية المغربية على غرار المغاربة لعبد الكريم الجويطي والحجر والبركة لعبد الرحيم جيران والملف 42 لعبد المجيد سباطة. ولعلّهُ أيضاً ما قمتَ به في رواية عُلبة الأسماء؟ هل دور الرّوائي مزاحمة المؤرخ؟

لعلّ أيّ قارئ لاحظ أنني، سواء في “ثلاث ليال” أو في “علبة الأسماء” أو في غيرهما، لم أكتب إلا من الآن. بمعنى، انطلاقاً من المعيش اليومي.

إذا كنتُ، بالفعل، قد وظّفت معرفة تاريخية في بناء الرّواية، فليس ذلك إلا لاستعمالٍ وظيفِي في نسْج الحكاية. أما الحكاية في حد ذاتها، فتنتمي لزمن الرواية وليس لزمن الحدث التاريخي.

الأشعري: هل استطاعت الرواية المغربية أن تصالح الطابو كما يقول البعض؟ لا أدري… وعموماً فإنني، شخصياً، لا أرتاح إلى الشعارية المهيمنة على فكرة تكسير الطّابوهات.

بهذا المعنى، فإن استعمال التاريخ كتقنية للكتابة، لا يختلف عن استعمال الحبكة البوليسية، أو التّحقيق الصحفي، وما إلى ذلك.

لكن، لابد من إدراك البون الشاسع بين عمل تخييليّ يتوسل بوسائِط قد يكون التاريخ من بينها، وبين عمل يهمه التاريخ أكثر مما تهمه الرواية.

  • لكنّ الروائي لا يعالج التاريخ بحياد، الأمر الذي جعل موضوع الأدب والأيديولوجيا، يطرح عادة الكَثير من الالتباس، أمام ظُهور “رأي” راديكاليّ، يدافع عن “حِياد” الأدب تُجاه ما يجري داخل المُجتمع والسّياسة والأكاديميا والتاريخ… ما هي قراءة محمد الأشعري للعلاقة الجامعة بين الأدب والأيديولوجيا؟ وهل ينبغي للأدب أن يكُون رسالة “جوفاء” لا تعبّر بالضّرورة عن “فظَاعة” الوَاقع؟
الروائي والشاعر محمد الاشعري

من المسلّمات أنّ هُناك فرقا بين الاستقلالية والحياد. أن يكون الأدب مستقلا عن الأيديولوجيا والسياسة والمعتقدات، هذا شيء ضروري لوجود الأدب، كحرية، وكوسيلة لإنتاج قيم جمالية وأخلاقية منقذَة. لكن ذلك لا يعني كون الأدبِ جسداً مفصولاً عن محيطه، والحياد ليس ممكناً.

ليس مطلوباً من الأدب أن ينعكس في ردود الفعل وفي المتابعة السّاذجة للأحداث، وليس مطلوبا منه أن يتحوّل إلى منبر للاحتجاج والاستنكار.

بالمقابل، هو مطالبٌ بخلق الرغبات المستحيلة، وعلى رأسها الانعتاق من الإذعان والتكرار وقبول الأمر الواقع… ينبغي أن تكون للأدب رسالة دون أن يدّعيها، ودون أن تكون سبباً في تجريده من المبرر الوحيد لوجوده، وهو الأدبُ نفسه.

  • تبعاً لذلك، صدرت روايتك جنوب الروح منذ 1996، وعالجتَ فيها، بأسلوب روائيّ، مأساة بعض المغاربة مع الجنس واللّذة ومحنة الخصوبة ببومندرة. بعد عقدين ونصف من الزّمن، ألا ترى أنّ هُناك تصالحا نوعيا مع الطابو والحديث عن الجنس في المغرب، أم أن الأمر ظلّ فقط سارياً بنوع من الصّمت والحُشمة في النّقاشات المُجتمعية؟

في “جنوب الروح”، كان هاجسي هو استحضار مسار قرية ولدت من رحم الهجرة، وذهبت تدريجياً نحو التلاشي، وهو ما سمح لي بنوع من التّأمل في اندثار الأمكنة، وما يصاحبه من انهيارات وتشكلات.

الأشعري: النّص الأدبي قد يحمل سماتَ البداياتِ، ولكنه لا يحمل عمر صاحبه… وما أكثر ما قرأنا روايات شيوخ في آخر العمر طافحة بالجرأة والتجريب واختراق المنتظر، وقرأنا بالمقابل لشباب في مقتبل العمر روايات شاخت قبل ميلادها.

لقد قادني هذا التأمل إلى استعادة تفاصيل الحياة اليومية في القرية، بما في ذلك ما يتّصل منها بالشهوة والجنس والرغبات المصادَرة، وبما في ذلك ما يتصل منها أيضاً بالمعيش الروحي، وبالعنف المعلن أو المضمر.

لكن… هل استطاعت الرواية المغربية أن تصالح الطابو كما يقول البعض؟ لا أدري… وعموماً فإنني، شخصياً، لا أرتاح إلى الشعارية المهيمنة على فكرة تكسير الطّابوهات.

أقصد أنه لا يروقني الاستعمال الشّكلي لنوع من الجرأة الجنسية سعياً إلى تحقيق إثارة قد تنفع النص… لكن، تروقني الجرأة التي تطرق مسكوتاً عنه أو متسترا عليهِ، تماماً كما فعلت فاتحة مرشيد مثلاً، عندما تخيّلت روايةً بطلُها متحول جنسيّ من الدار البيضاء.

  • الملاحظ في رواية “القوس والفراشة”، أنك تجمع بين الكثير من المتناقضات: الإرهاب/السلام، التقليدانية/الحداثة، الحب/الخيانة… وهذا، ربما، ما جعل الرّواية كجنس أدبي في موقع قُوة بفضل رحابتها. لكن، ما هو تفسيرك لموجة استسهال كتابة الرواية التي اشتدت في السّنوات الأخيرة وأساءت إلى ماهية هذا الجِنس الأدبي النّخبوي؟

العمل الروائي ككل عمل أدبي يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى موهبة تتغذى باستمرار من الحياة ومن نصوص الآخرين، ويحتاج إلى مكابدة، ويحتاج أولا وأخيراً إلى طموح كبير، يجعلنا نكتب ونحن نستحضر المنجز العالمي في الكتابة، لا أن نتوهم أنه من الممكن أن نبدأ من الصّفر ونصل في القَرن المقبل الى أدب يستحق الاحترام.

الأشعري: ليس مطلوباً من الأدب أن ينعكس في ردود الفعل وفي المتابعة السّاذجة للأحداث، وليس مطلوبا منه أن يتحوّل إلى منبر للاحتجاج والاستنكار.

مع ذلك، فإن الاستسهال الذي تتحدث عنه لا يزعجني، أعرف أن النص الرديء يظهر من جمله الأولى، ولا أحد سيجبر أحداً على قراءته.

سياسة التكريس المفتعلة لم تنجح حتى في الصناعات الثقافية الكبرى.

لذلك، ينبغي أن نقرأ في الطفرة التي تعرفها كتابة الرواية ملمحا إيجابيًّا، بمعنى أن ثمّة إيمانٌ أكبر بجدوى الأدب، بل وبضرورته.

  • لكن على كل حال، ثمّة روائيون شباب مثل مراد الضفري وعبد المجيد سباطة وكريمة أحداد، “حلّقوا بالرّواية المَغربية إلى عِنان السماء”، كما يُقال، بل وساهموا في تحديث ميكانزمات اشتِغالها من حيثُ الأسلوب. كيف ينظُر محمد الأشعري للرّواية المغربية الشّبابية؟

سأستسمحك في القول إن لا أحداً حلق بالرواية المغربية إلى عنان السماء. فكلنا نتعلم كيف نُسمع صوتنا الخاص في الشّرط الثّقافي والسّياسي الذي نعيش فيه، والذي لا يشجع إلا على الدّروشة والتّسطيح.

ما يسميه البعض بأدب الشباب، أنا أؤكّد أنه لا يوجد على الإطلاق، لا في أدبنا العربي ولا في أي أدبٍ في العالم.

من البديهي أنّ النّص الأدبي قد يحمل سماتَ البداياتِ، ولكنه لا يحمل عمر صاحبه… وما أكثر ما قرأنا روايات شيوخ في آخر العمر طافحة بالجرأة والتجريب واختراق المنتظر، وقرأنا بالمقابل لشباب في مقتبل العمر روايات شاخت قبل ميلادها.

لذلك، أفضّل الحديث عن أعمال ناضجة، وعن أخرى أقل نضجاً. ما يكتبه عبد المجيد سباطة، بغض النظر عن عمره، هي أعمال ناضجة، وتستحق أن تتبوّأ المكانة التي تبوّأتها…

مواضيع قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *