النساء والتمثيلية السياسية… تحول عددي لا يعكس تأثيرا على صناعة القرار السياسي - Marayana
×
×

النساء والتمثيلية السياسية… تحول عددي لا يعكس تأثيرا على صناعة القرار السياسي

سنة 1993، سيعرف البرلمان المغربي انعطافا تاريخيا حينها، تمثل في ولوج المرأة لأول مرة إلى قبة البرلمان، وذلك بوصول امرأتين لهذه المؤسسة.
توالت السنوات لنصل اليوم إلى 96 امرأة بسبب نظام الكوطا والتعديلات التي أقرها دستور 2011 في ما يخص المناصفة والمساواة في مختلف القطاعات.
رغم كل هذه التحولات، يظل السؤال الجوهري: هل هذا التحول الكمي والعددي يعكس تحولا كيفيا، خاصة في ما يتعلق بالتأثير على السياسات وصياغتها، أم أن الأمر مجرد واجهة حداثية للمؤسسة التشريعية؟

كَميا، لا يمكن أن نُنكر التحول الذي طرأ على التمثيلية النسائية على المستوى السياسي، وخاصة داخل قبة البرلمان.

حضور نسائي، يتصاعد بشكل تدريجي، ولو بشكل نسبي، فمنذ أول تمثيلية للنساء خلال الانتخابات التشريعية لسنة 1993 بحضور برلمانيتين حينها، وصولا إلى انتخابات 2021 الذي بلغ فيه عدد النساء داخل القبة 96 برلمانية، يظهرُ هذا التحول العددي، لكن…

يظل السؤال المطروح: هل هذا التحول يعكسُ بحق تأثيرا نسائيا على مستوى السياسات والتشريع؟ أم أن الأمر مجرد أرقام تطبعُ المؤسسات بطابع حداثي وعصري؟

التمثيلية النسائية… أي تحول؟

في كل المحطات التاريخية التي عرفها المغرب الحديث، كان للمرأة حضور فاعل وأساسي إلى جانب الرجل. حملت السلاح ضد المستعمر، وكانت طرفا أساسا في الاستقلال. ناضلت من أجل المساواة والمناصفة. كل ذلك لم يشفع لها أن تضع قدما داخل قبة البرلمان. إلى أن جاءت انتخابات 1993 لتكسر هيمنة الذكور داخل المؤسسة التشريعية.

هذه السنة عرفت أول مشاركة نسائية في البرلمان، حيث تمكنت سيدتين (لطيفة بناني سميرس وبديعة الصقلي، عن حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) من ولوج قبة البرلمان، وهو الشيء الذي أعاد نقاش وسؤال تمثيلية النساء.

التحول العددي سيعرف ارتفاعا سنة 2002، حين تم اعتماد نظام “الكوطا” الذي يفرض حصصا معينة للنساء في المجالس التشريعية وغيرها من الهيئات السياسية والإدارية، ليصل العدد إلى 30 مقعدا نسائيا من أصل 325 مقعدا في إطار اللائحة الوطنية، إضافة إلى 5 نساء فقط تمكن من الفوز بنفس شروط المنافسة مع الرجال.

بعد دستور 2011 الذي أقر مبدأ المناصفة، ارتفع العدد تدريجيا ليصل في انتخابات 2021 إلى 96 مقعدا نسائيا داخل قبة البرلمان… لكن لنتأمل هذه الأرقام.

هل الثقافة السياسية لدى النساء بشكل عام حاضرة؟

دراسة أنجزتها المنظمة المغربية لإنصاف الأسرة كشفت أن 86.32% من النساء لم يسبق لهن أن تشرحن للانتخابات. كما صرحت 94.92% من النساء المستجوبات أنهن لم يسبق لهن أن تحملن مهمة انتخابية في إطار الهيئات المنتخبة. وكشفت نفس الدارسة أن 8.49% فقط من النساء المستجوبات ينتمين لأحزاب سياسية.

الأزمة إذن أعمق من ذلك، فالأمر لا يتعلق بمجرد الرفع العددي من النساء داخل البرلمان، بقدر ما يجب العمل على ترسيخ الثقافة السياسة لدى النساء. ثقافة المشاركة وصُنع القرار. فلا يكفي أن تضمن الدولة، مجرد حق الوصول إلى المؤسسة وفقط.

الذي يكشف الأزمة أيضا أن التمثيلية النسائية اليوم داخل قبة البرلمان وصلت إلى 24.3%، مقابل 75.7% بالنسبة للذكور، وهو رقم، ربما مقارنة مع السنوات السابقة، يظل معقولا. لكن المفارقة أن نسبة النساء داخل المجتمع أعلى من الذكور. وبالتالي، يتعلق الأمر هنا بأزمة تمكين سياسي نسائي أيضا.

غير أن الأزمة تتحملها الأحزاب السياسية كذلك؛ فحين يتم تحديد أو تدبير لوائح المرشحين، كثيرا، وربما غالبا، ما يتم الاعتماد على الذكور أو الأعيان، باعتبار أن الأمر يتعلق كثيرا بالكم والعدد وحصد الأغلبية، لا بالكفاءة والأهلية.

لا يمكن أن نُنكر أن بعض النساء قدن معارك داخل قبة البرلمان كان لها صدى داخل الرأي العام، وشكلن فارقا داخل هذه المؤسسة. لكن هذا الحضور يظل محدودا خاصة داخل اللجان البرلمانية وفي صياغة السياسات.

مجرد رقم في خطاب رسمي؟

فاطمة الزهراء التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، اعتبرت أن نظام الكوطا، ثم بعض مقتضيات دستور 2011، جعل التمثيلية النسائية داخل البرلمان تعرف ارتفاعا تدريجيا نوعا.

غير أن ذلك، وفق النائبة البرلمانية، غير كاف، فهذا في حد ذاته مكسب على مستوى كسر الاحتكار الذكوري للمجال السياسي، لكن يجب التفريق بين الحضور العددي والنفوذ السياسي الحقيقي.

فاطمة الزهراء التامني تضيف في تصريح خصت به مرايانا: “التمثيلية النسائية الحالية، رغم أهميتها الرمزية، لا تعني بالضرورة أن النساء أصبحن فاعلات أساسيات في صناعة القرار؛ لأن البرلمان نفسه، في بنيته الحالية، مازال في كثير من الأحيان مؤسسة محدودة الصلاحيات الفعلية، وتشتغل داخل توازنات تتحكم فيها السلطة التنفيذية ومراكز القرار، مما يجعل هامش التأثير ضعيفاً، سواء بالنسبة للنساء أو حتى بالنسبة لعدد كبير من البرلمانيين عموما”.

بشكل أكثر تدقيقا، حسب المتحدثة، المرأة دخلت المؤسسة، لكن المؤسسة لم تتغير، وإن كان دخولها ضرورة ديمقراطية. ومن هنا فالمشكل ليس فقط في عدد النساء، بل في طبيعة القواعد التي تتحكم في العمل السياسي؛ هيمنة المال الانتخابي، المحسوبية، الولاءات، غياب الإرادة في جعل قضايا المساواة والعدالة الاجتماعية أولوية تشريعية.

بذلك، فالتأثير مازال محدود، تتابع التامني؛ لأن السياسات العمومية الكبرى لا تزال تُصاغ خارج منطق المساواة، وتستمر في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والنوع الاجتماعي، ومازال حضور النساء يُستعمل في كثير من الأحيان كـ” ديكور سياسي” أكثر منه تعبيرا عن انتقال ديمقراطي حقيقي.

ما المطلوب إذن؟

تجيب فاطمة الزهراء التامني: “المطلوب هو الانتقال من تمثيلية رقمية إلى تمثيلية نضالية، من خلال جعل مشاركة النساء مرتبطة ببرنامج سياسي واضح قائم على المساواة الفعلية وليس فقط المساواة القانونية رغم أهميتها. إضافة إلى بناء قيادات نسائية مستقلة داخل الأحزاب والمؤسسات، قادرة على المقاومة داخل المؤسسة وليس التكيف معها”.

تضيف النائبة البرلمانية: “لا بد من إصلاح المنظومة الانتخابية والسياسة حتى لا تبقى الكوطا مجرد مدخل لإعادة إنتاج نفس النخب، إلى جانب دعم الحركة النسائية والنقابية والحقوقية باعتبارها القوة الاجتماعية الحقيقية القادرة على فرض أجندة النساء داخل البرلمان وخارجه”.

المطلوب كذلك، حسب المتحدثة دائما، ربط النضال النسائي بالنضال الاجتماعي العام؛ فلا معنى لتمثيلية داخل البرلمان لا تنعكس على أوضاع النساء إذا كانت السياسات تستمر في ضرب قطاعات حيوية، وهي القطاعات التي تؤدي النساء ثمن انهيارها أكثر من غيرهن.

إذا لم تتحول التمثيلية النسائية إلى قوة سياسية تحمل مشروعا ديمقراطيا عادلا، فإنها تبقى مجرد رقم جميل في خطاب رسمي، بينما الواقع يستمر في إنتاج نفس الإقصاء، لكن بواجهة حداثية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *