لسان بنكيران في تالسينت: مدينة تعيش التهميش؟ الحل… “ما تعطلوش فالزواج” - Marayana
×
×

لسان بنكيران في تالسينت: مدينة تعيش التهميش؟ الحل… “ما تعطلوش فالزواج”

“ما تعطلوش فالزواج إلى جاب الله شي راجل فيه مايدار توكلو على الله”.
هكذا اختار رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران أن يُحول لحظة استقبال له في منطقة تالسينت بإقليم فكيك إلى منصة لتمرير خطابه المشرعن لتزويج الفتيات الصغيرات.
لحظة كان ينتظر منها في الأصل أن تحمل دفقَ أمل وتحفيز لفتيات المغرب العميق من أجل مواصلة التمدرس والترقي الاجتماعي، فإذا بها تتحول إلى تأكيد للطرح المحافظ الذي يرى في الزواج المبكر حلا واقعيا لكل مشكلات الدين والدنيا.

على عادات المغاربة في كرم الضيافة، استقبلت ساكنة تالسينت بإقليم فكيك، “الأستاذ” عبد الإله بن كيران بـ”الحليب والتمر”.

“حليب وتمر” قدمته إحدى فتيات المنطقة بابتسامتها العريضة. لم يسألها بنكيران عن دراستها أو عن أحوالها أو شكرها وفقط، بل اختار أمام الكاميرات أن يمرر خطابه المعتاد: “ما تعطلوش فالزواج. إلى جاب الله شي راجل فيه مايدار توكلو على الله“.

في لحظة كان الطبيعي فيهَا أن تكون مناسبة لتقديم البدائل التنموية والتنافس على مستوى الرؤى والبرامج، في ظل اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تحولت منصة “تالسينت” إلى رسائل مُبطنة تمس مستقبلا كاملا لفتيات بعمر الزهور.

بدل أن يحمل أمين عام حزب سياسي في حقيبته حلولا لمعاناة مناطق تعيش الفقر والهشاشة، اختار تقديم أطروحة تختزل طموح الفتاة القروية في “السترة” وسرعة الالتحاق ببيت الزوجية بمجرد ظهور ذكر “فيه ما يدار“.

تناقض صارخ بين انتظارات أهالي المنطقة من هذا الوافد إليهم، وبين خطاب موجه يقيد أفق الفتيات القاصرات خارج أسوار المدرسة، جعل المحطة زلة أخلاقية وسياسية، تسائل أدوار الأحزاب السياسية في معالجة القضايا الحيوية بدل تكريس واستغلال لحظة من أجل تمرير خطاب تقليداني يتغذى على الهشاشة بدل أن يفكك أسبابها.

بنكيران اختزل أزمة المنطقة في نصيحة معجلة للزواج، وكأن معركة الفتاة القروية اليوم هي ظفرها بـ”زوج قاضي الغرض“، وليس حقها في مقعد دراسي وأفق أرحب للتكوين والكرامة.

لحظة كشفت فجوة عميقة بين أزمة واقع واستغلال أيديولوجي؛ حيث يُستبدل نقاش التنمية وتكافؤ الفرص ببدائل تبسيطية تُجهض أحلام جيل كامل، وترده إلى مربع التبعية والتهميش.

هذه لم تكن المرة الأولى التي يوجه في رئيس الحكومة الأسبق، الذي يتقاضى أجرة شهرية من المال العام المغربي، خطابا مثل هذا، فالرجل مدافع شرس عن تزويج الفتيات القاصرات في خرجات كثيرة له، لكن..

المفارقة العجيبة أن بنات بنكيران، ولا يزال تصريحهُ حولهن موجودا على منصة اليوتوب، كلهن درسن وحصلن على تكوين عال وعلى مناصب، بل إن إحدى بناته، كانت قد اشتغلت متصرفة من الدرجة الثانية في الأمانة العامة للحكومة، أثناء ولايته.

بنكيران حرص على توفير أعلى مستويات التعليم الأكاديمي لأبنائه وبناته. في المقابل، ظل يُشرعِن لخطاب تزويج الفتيات، في تناقض صارخ بين مسار بناته الأكاديمي والوظيفي، وبين أفكار يُراد تطبيقها على عامة الفتيات.

بنكيران يصدق عليه المثل:” كيبيع الما فدرب العطاشة، وهو شارب من العين“.

العجيب ليس في أنه يطلب الأفضل لبناته، فهذا حق كل أب وعين العقل، بل العجب في أن يُحرم على بقية الفتيات الانتماء لنفس الأفق… وكأن المعرفة حق للخاصة و”الستر” و”الزواج” قدرٌ للعامة.

في وقت تسير فيه الدولة نحو التمكين الاقتصادي للنساء وتمتيع الفتيات بحق التمدرس الكامل، يأتي هذا التناقض ليسجل مفارقة صارخة: كيف يُراد لفتيات المغرب أن يبقين رهينات الرؤى التقليدية، بينما يضمن الفاعلون السياسيون “المحافظون” لأنفسهم وذويهم أقصى درجات الحداثة والجاهزية لسوق الشغل؟

نحن هنا أمام خطاب تحولت فيه لحظة استقبال واحتفاء، كان يفترض أن تكرس قيمة الأمل وتشجيع الفتيات على التمدرس إلى لحظة “إحباط مبكر” وتوجيه مباشر نحو خيار واحد ووحيد: الزواج، وكأن الزواج عند هؤلاء أقصى الطموحات.

في مستوى آخر لسقطة بنكيران في تالسينت، نستطيع أن نقف، أيضا، عند تلك الرسالة البشعة التي مررها رئيس الحكومة الأسبق، وهو يصر على الحصول على قبلة من طفلة صغيرة كانت في استقباله. رسالة تذهب عكس كل الرسائل التي يفترض أن تمررها الشخصية العمومية للأسر أولا وللأطفال الذين يجب أن نحثهم على الدفاع عن حرمة أجسادهم وعن مناطقهم الحساسة في مجتمع لازال يتواجه يوميا مع جرائم البيدوفيليا والاعتداءات الجنسية على الأطفال.

“ما تعطلوش فالزواج. إلى جاب الله شي راجل فيه مايدار توكلو على الله” و”تقبيل طفلة قاصر” لم تكن بالضرورة الرسائل والحلول التي انتظرها أهل تالسينت من رئيس حكومة سابق… والصمت أمام هكذا رسائل، لن يكون بالضرورة هو الرد الذي ينتظره أهل تالسينت وكل المغاربة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *