البرامج الانتخابية بالمغرب: حين تسقط الحريات والمساواة أمام الأرقام المعيشية - Marayana
×
×

البرامج الانتخابية بالمغرب: حين تسقط الحريات والمساواة أمام الأرقام المعيشية

في كل استحقاق انتخابي تشهده المملكة، تعود البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، لتضع المطالب “الخبزية” في صدارة وعودها الانتخابية، مراهنة على الأرقام والمؤشرات المعيشية.
في مقابل ذلك، يسجل المشهد السياسي تراجعا حادا للنفس الحقوقي، حيث تتوارى قضايا حقوق الإنسان، وقضايا المساواة والإنصاف، واستقلال المؤسسات… إلى هامش العرض الانتخابي.
فهل أصبحت الهندسة الانتخابية تتعامل مع الناخب كمجرد مستهلك يبحث عن لقمة العيش؟

بدأت مختلف الأحزاب المغربية تطرحُ برامجها الانتخابية استعدادا لخوض الانتخابات التشريعية يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026.

الملاحظ في هذه البرامج، مع وجود استثناءات، أنها تتنفس المنطق الاستهلاكي “الخبزي”؛ رفع الأجور، الرفع من المعاش، حماية القدرة الشرائية، مناصب شغل… في المقابل يغيب النفس الديمقراطي عن هذه البرامج، فلا حديث عن محاربة فساد وريع، ولا تطرق لإصلاح العدالة، ولا لتفعيل المساواة والإنصاف بين الجنسين، وكأن مشكلة المغاربة ترتبط بالخبز فقط.

لا يمكن إنكار أن هذه التعاقدات تمس انشغالات المواطنين في ظل التقلبات الاقتصادية والمعيشية، غير أن المراهنة عليها وحدها تدخل في إطار المجازفة السياسية.

الوعود الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تجد مبررا لوجودها دون أن تتم حمايتها بضمانات مؤسساتية صلبة، ومن ثم فإفراغُ البرامج الانتخابية من شقها الديمقراطي والحقوقي، لا يقلل من جودة الطرح السياسي فحسب، بل يفرغ التعاقد مع المواطنين من مقومات الاستدامة.

ماذا عن غياب المساواة والمناصفة؟

ترى الفاعلة الحقوقية أمينة التوبالي أن هذا الاختزال الشديد يتعامل مع الناخب كمستهلك يبحث عن لقمة العيش فقط، ويجرده من كينونته كفاعل حقوقي يحتاج إلى بيئة تشريعية تحميه وتضمن كرامته.

أمينة التوبالي تضيف في تصريح خاص لمرايانا:” مع انطلاق كل استحقاق انتخابي، تتنافس الأحزاب في عرض وعود تفيض بالأرقام والمخططات التي تلامس المعيش اليومي للمواطن، بينما يلاحظ المتابع للمشهد السياسي تراجعا حادا، يصلُ إلى حد التغييب التام، للشق المتعلق بالحقوق والحريات، وفي مقدمتها حقوق النساء وقضايا المساواة والمناصفة“.

هذا التباين، وفق الفاعلة الحقوقية، يطرحُ علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الفكرية والسياسية التي تحكم صياغة هذه البرامج، ويفتح النقاش مجددا حول مفهوم المواطنة الشاملة. مما يؤكد على أن العقل السياسي الذي يشرف على صياغة هذه البرامج ما زال أسيرا لمعادلة تقليدية ترى في قضايا حقوق الإنسان وكرامة المرأة “ترفا فكريا” أو شعارات وملفات تؤجَّل إلى حين تحقيق “الرفاه الاقتصادي”.

في هذا الإطار، تتساءل الباحثة في قضايا المرأة بكلية الحقوق أكدال: “كيف يمكن لبرامج تدعي السعي نحو الرفع من نسب النمو وخلق فرص شغل، أن تتجاهل في الآن ذاته إقصاء نصف المجتمع من مراكز القرار، وغياب آليات حقيقية لتفعيل المناصفة؟”.

تسترسل أمينة التوبالي: “تغييب قضايا من قبيل محاربة العنف ضد النساء، وضمان المساواة في الأجور، وحماية كرامة المرأة في الفضاءين الخاص والعام، يعني ببساطة تقديم وعود بتنمية ناقصة ومؤقتة؛ فالتمكين الاقتصادي لا يمكن أن يؤتي ثماره في بيئة تشريعية واجتماعية لا تضمن للمرأة الأمان والكرامة والمواطنة الكاملة”.

كما أن الرهان على مواضيع مرتبطة بالتغذية، تتابع التوبالي، مع استمرار التمييز القائم على النوع الاجتماعي هو مراهنة خاسرة لا تؤسس لدولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية التي تتبجح بها الكثير من الهيئات السياسية، وذلك لا يستقيم طالما أن حقوق النساء تدرج في خانة “الهوامش” أو تترك للصدف التشريعية.

الرهان اليوم، كما ترى الفاعلة الحقوقية، هو الحاجة إلى جيل جديد من البرامج الانتخابية التي تدرك أن لقمة العيش والكرامة الإنسانية خطان متوازيان لا يفترقان، وأن بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي يبدأ بالضرورة من الاعتراف الكامل بالمناصفة والمساواة كركائز أساسية للمستقبل، وليس مجرد شعارات سطحية.

“خبز” دون ديمقراطية؟

من جانبه، يعتبر الباحث في العلوم السياسية رشيد لزرق أن هيمنة البعد الاجتماعي والاقتصادي على البرامج الانتخابية يعكس تحولا صريحا في طبيعة التنافس الحزبي نحو الاستجابة المباشرة لانشغالات المواطن المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

الإشكال الجوهري وفق لزرق يكمن في تراجع النفس الحقوقي والديمقراطي داخل هذه العروض السياسية، بحيث أضحت قضايا الحرية، واستقلال المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقوية الرقابة البرلمانية، وتوسيع المشاركة السياسية، أقل حضورا وتأثيرا في الخطاب الانتخابي.

يضيف الباحث في العلوم السياسية: “من منظور أطروحات الانتقال الديمقراطي، لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين المطالب الاجتماعية والإصلاح السياسي والتنموي؛ إذ إن بناء دولة اجتماعية فعالة يظل شرطاً مرتهناً بوجود مؤسسات صلبة، وحكامة شفافة، وآليات حقيقية للمساءلة والمحاسبة، وضمانات فعلية للحقوق والحريات”.

الاقتصار على الوعود “الخبزية”، حسب رشيد لزرق، قد يمنحُ البرامج الانتخابية جاذبية تعبوية آنية ومؤقتة في صندوق الاقتراع، لكنه يظل عاجزا وقاصرا عن بناء مشروع ديمقراطي متكامل ومستدام، من شأنه إعادة بناء الجسور وتعزيز ثقة المواطن في العمل السياسي والمؤسسات الممثلة له.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *