محمد امحاسني: تكوين الملحدين على صحيح النيل من الدين
في ندوة حملت عنوان: تكوين الملحدين… معطيات حصرية حول التمويل وأجندة الاختراق بالمغرب، وعد المتدخلون بتقديم دلائل ومعطيات حصرية عن حصول “بعض المراكز المشبوهة”، على تمويلات سخية من جهات ما، لكن…
كيف تحولت “المعطيات” الحصرية التي وعدونا بها، إلى ادعاءٍ يتيم أعرج؟

نظم موقع “هبة بريس” الإسلامي ندوة نشرت على اليوتوب بتاريخ 09/04/2026 تحت عنوان: “تكوين الملحدين… معطيات حصرية حول التمويل وأجندة الاختراق بالمغرب”،
أدار الندوة، السيد نبيل غزال، وشارك فيها السيدان:
– محمذ زاوي: كاتب ومحلل، و”باحث في العلوم الإسلامية والإنسانية” حسب مدير الندوة. وخريج كلية العلوم والتقنيات (شعبة ميكاترونيك) حسب أحد المواقع.
– عز الدين زحل: صاحب قناة “موحد مغربي” وباحث في شأن الإلحاد واللادينية، على منوال أستاذه ومُلهمه، “الدكتور” المصري هيثم طلعت، قاهر الإلحاد واللادينية، وعراب التوحيدية برا وبحرا وجوا.
وكما يستفاد من عنوان الندوة، فإن الأساتذة المشار إليهم أعلاه، يعدوننا بمعطيات حصرية، أي بحجج دامغة من مصادر رسمية معتمدة، عن حصول “بعض المراكز المشبوهة”، على تمويلات سخية من جهات ما، مقابل لعبها لأدوار تهدف إلى “زعزعة الأمن الفكري والعقدي داخل المجتمع المغربي”… ووعد الحر دين عليه.
بدأت الندوة بتعليق، أصر السيد زاوي على تمريره، قبل الانتقال لباقي نقاط الندوة. يتعلق الأمر بندوة سابقة، شارك فيها الأستاذ أحمد عصيد والدكتور عبد الصمد بلكبير، في أحد الفنادق الفاخرة، وتحدثا فيها عن الحداثة، وعن الفتوحات الإسلامية، وركزا على أن الدين كان له دور سيء في لجم الحداثة.
وبعد نهاية الحصة الأولى، وجه السيد زاوي للمحاضرَين سؤالا، نبه فيه إلى أن “المسألة الدينية، إذا كنا سنناقشها في هذا الإطار، ينبغي أن نناقش كيف يمكن أن تٌعتمد إيجابيا في هذا المشروع: في مشروع التحديث الاقتصادي والسياسي والعلمي والتقني والتكنولوجي”!
ما حز في نفس السيد زاوي، هو أن لا أحد من الحضور أعار أدنى اهتمام لتدخله: “لم يعد أحد يهتم بكلامي نهائياً. وظهر بأنه (الكلام) خارج السياق”.
لكن لندع شكوى السيد زاوي جانبا إلى حين، ولنمض إلى مختلف محاور ندوة “تكوين الملحدين”.
الأمر يتعلق في الحقيقة بمحورين اثنين فقط. الأول، حيث كشف المشاركون “معطيات حصرية” عن التمويل المشبوه لمراكز الإلحاد. والثاني، حيث أطلقوا العنان، على عادتهم، لشيطنة وتخوين كل خصومهم من الليبراليين والحداثيين والقرآنيين، وكل من دعوا إلى إعادة قراءة موروثنا الديني على ضوء ما استجد من معارف علمية وتكنلوجية وفكرية على العموم.
من هؤلاء مثلا: أحمد عصيد، سعيد ناشيد، محمد الفايد وغيرهم. بل فيهم حتى بعض الإسلاميين الذين يكتبون في المجلة التي تصدرها مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”.
ولأن المجال لا يسع للتصدي لكل المغالطات المنطقية التي وظفها “الأساتذة” في محاولة لشيطنة خصومهم في الجزء الثاني، سأقتصر على مناقشة المعطيات التي ساقوها، في الجزء الأول، كدلائل قاهرة على تورط هؤلاء جميعا في “جريمة” زعزعة الأمن الفكري والعقدي للمغاربة.
لا يتعلق الأمر بدلائل أصلا. بل بـ “دليل” واحد، أفرد له الأساتذة حلقة دامت زهاء ساعة ونصف. وإليكم التفصيل.
حجة زمانه، “الدكتور” المصري السلفي هيثم طلعت، نشر فيديو على اليوتيب، وجه فيه نداء للمغاربة، بعنوان: “ياأهل المغرب احذروا” (على منوال: أختاه، احذري”).
ما لذي على للمغاربة الحذر منه؟
من “الآخرين”، من هؤلاء الذين “جاءوا بتمويلات مليارية”. خطوتهم الأولى هي نقل مركز تكوين الملحدين، إلى بلادكم المباركة”.
معنى الكلام، أن بعض ملاحدة مصر، المتخفون وراء النزعة القرآنية، (يوسف زيدان، ابراهيم عيسىى، إسلام البحيري وغيرهم) كانوا قد قرروا إنشاء مركز لتكوين الملحدين في مصر. لكن، أمام يقظة المصريين الغيورين على دينهم، دخل هؤلاء في مواجهات بينية أضعفت صفهم، وأضحى المركز شبه فارغ، إلا ممن ختم الله على قلوبهم.
فكان أن اجتمع هؤلاء وتشاوروا في الأمر، ثم خلصوا في النهاية إلى أنه، إن كان لا أمل في “تلحيد” المصريين عبر مركز لتكوين الأطر الإلحادية، فلا أقل من نقل ذات المركز إلى المغرب. لأن “المخزن” هناك لين مع الكفرة والملاحدة والمخنثين.
مركز لتكوين الملحدين! فيم؟ هل في تلقين الملاحدة الجدد مثلا، شرائع أسلافهم في المستحب والمكروه والحرام في الإلحاد؟ لا نعرف، ولم يُسِر لنا السادة بالمقررات التي سيتم على أساسها تكوين الملاحدة.
عن سؤال حول نوايا مؤسسي المركز أجاب أحدهم، بكون أعداء الدين هؤلاء، تعرضوا لملاحقات في بلدهم الأصل، كان من ضمن أسبابها: “الصور التي ظهرت… وبعض الخمور” (قل ربي الهمني صبرا).
هل من مصادر مقروءة أو مصورة تفيد تقديم خمور لضيوف المركز أو حتى للقائمين عليه؟
الجواب بسيط طبعا: لو كان هناك ما يفيد حدوث ذلك حقا، في زمن ديكتاتورية المعلومة، لكانت كل المواقع اليوم تضج بالواقعة حد الغثيان.
ثم، متى سمحت الدولة في مصر بإنشاء مركز لتكوين الملحدين، غايته (كما هو معلن من التسمية) هي “تلحيد” المصريين، يمارس نشاطه “التكفيري”، دون أدنى مضايقة لا من السلطة ولا من الـ 99،99 بالمائة من المسلمين المصريين، الغيورين على دينهم؟
أين يوجد هذا المركز في المغرب اليوم؟ وإن وُجد، فهل هو سري، لا يلجه الناس إلا بتوصية من عرابي الإلحاد في مصر والمغرب؟
لنلاحظ أصلا بأنه ليس من بين من تحدث عنهم الأساتذة المبجلين ملحد واحد!؟ جميعهم قرآنيون، جريرتهم أنهم دعوا إلى حذف السنة والأحاديث والفقه المتكلس، جزئيا أو كليا، واعتماد القرآن مصدرا واحد للتدين، وقراءته بشكل أكثر مرونة وحداثية.
ولندقق الآن في المصدر الذي اعتمده الأساتذة الأجلاء: الدكتور هيثم طلعت.
في النداء الذي وجهه الدكتور للمغاربة، لم يأت ببصيص مصدر عن صدق كلامه. يتعلق الأمر فقط، بمجرد ادعاءات قذَف بها الدكتور في وجه مريديه، كما دأب على ذلك في الكثير من الفيديوهات التي ينشر على النت، عملا بمبدأ جواز الكذب دفاعا عن صدق المعتقد.
أشهر تلك الادعاءات مثلا (والتي بوأته مكانته المرموقة بين الباحثين الأفذاذ)، أنه ذات هلوسة، صرح بأن دولة السويد الكافرة تعج بالملحدين واللاأدريين الذين يُكفِّرون بعضهم البعض (أي والله، ملاحدة ولاأدريون يُكفِّرون بعضهم) إلى درجة أن أحد الملاحدة فجر نفسه وسط ثمانية عشر لاأدريٍّ. ثم زاد وأكد، بأن الخبر منشور في العشرات من الصحف العالمية.
وحين اتضح بأن “الخبر” مجرد دعابة، نشرت في الأصل في جريدة سويدية ساخرة، وتعالت أصوات المستنكرين حتى وسط أتباعه، تغاضى المهرج عن الجواب وحاول التمويه على سقطته المدوية بالقفز بحكاية أخرى لجندي أمريكي فجر شاحنة في أوكلاهوما، أمام المبنى الفيدرالي Alfred P، قُتل فيها 168 شخصا. ثم ادعى، دون دليل طبعا، أن الجندي كان لاأدريا!
للدكتور سجل حافل بمثل هذه الخبطات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل بمثل هذه الهزليات السمجة، يتسلح إسلاميونا لإثبات وجاهة ادعاءاتهم ضد من يخالفهم الرأي؟
أليس بين الأساتذة الثلاثة رجل راشد واحد، يلقي على عاتقه عبء التحقق، والتنبيه لبطلان الادعاءات التي يرمون غيرهم بها نقلا عن مهرجين؟
ثم كيف تتحول “المعطيات” الحصرية التي وعدونا بها، إلى ادعاءٍ يتيم أعرج؟
الظاهر أن الانتشار السريع الإلحاد واللادينية عموما، صار يقض مضجع إسلاميينا. بل استفحل بهم الأمر لدرجة تلقفهم لأوهن الأسباب، لتجنب انفضاض من بقي حولهم من الأتباع، وكساد بضاعتهم الكلي.
عود على بدء: الأستاذ زاوي حين يؤكد على ضرورة اعتماد الدين إيجابيا في كل مشروع للتحديث الاقتصادي والسياسي والعلمي… هل يتغابى عن علم، أم تراه يجهل بأن العلمانية في ارتباط بالديمقراطية، من الشروط التي لا محيد عنها في كل مشروع حداثي أو تحديثي؟ وهل يجهل بأن العلمانية تحديدا، تعني تحييد الدين (أيا كان هذا الدين) عن كل مشروع ذي طابع عمومي؟
أغلب الطن أن الرجل يعلم كل هذا علم اليقين. لكن الغرض الحقيقي من تدخله كان فقط، إقامة حجة واهية في أذهان العامة من متابعيه، على أن المحاضرين يعاديان الدين وكفى.


