محمد امحاسني يكتب: فتوحات المقرئ أبو زيد - Marayana
×
×

محمد امحاسني يكتب: فتوحات المقرئ أبو زيد

فتوحات المقرئ أبو زيد، تعمل في كل مرة، على إبهار متابعيه بمعطيات ومعلومات، لا أحد يعلم بها سواه…
معطيات، تنزل بالمنطق إلى ما دون القعر، لكنها تجد دائما في نظرية المؤامرة وتربص الغرب بالإسلام والمسلمين، ما يمنحها بالنسبة للمقرئ أبو زيد، شرعية الوجود.
في هذا المقال، بعض من خرجات المقرئ أبو زيد المستعصية على العد.

قد لا يكون للحديث معنى أصلا، عن شخص لا يؤمن بالمعنى كمعطى معياري مرجعي.

سيما وإن تعلق الأمر بشخص يعتبره الكثيرون عنوانا للتهريج، لا قيمة لتصريحاته، ولا تستحق خرجاتُه أدنى متابعة أو اهتمام.

لكن حين نستحضر أن الرجل يمثل اتجاها عقديا وسياسيا، يعتبر أن المعنى هو ما يوافق تحديدا منطلقاته الفكرية، الإيديولوجية والأخلاقية المتهالكة، وأن العبث بعينه هو كل ما خالف تلك المنطلقات، مهما كانت درجة تماسكه المنطقي، أو العلمي، يصبح التصدي لأفكاره بالنقد ضرورة وليس ترفا معرفيا.

ضيفنا اليوم، المقرئ أبو زيد الإدريسي، الذي يتميز في الحقيقة عن بني جلدته بكم هائل من الظُرف والتلقائية، اللتان التمستا له منفذا مباشرا “لقلوب” العامة، المحتاجة دوما لمن يطمئنها إلى صحة معتقداتها، أيا كان التبرير.

صحيح أن الرجل يبدو، رغم لسانه العربي الفصيح، كأي شخص عامي لا مؤهلات له، يحاضر على ناصية مقهى، في وشوك انهيار الغرب، والمؤامرات التي يحيكها هذا الشيطان صباح مساء للإسلام والمسلمين.

لكن المقرئ يتميز عن العوام بكونه:

كان أستاذا مساعدا في “كلية الأدب والعلوم الإنسانية شعبة اللغة العربية وشعبة الدراسات الإسلامية في مادة النحو، فقه اللغة، علوم القرآن والحديث، اللسانيات” (1986-1990). وفي “شعبة اللغة العربية وآدابها في مادة علم الدلالة، النحو العربي” (1990-1997).

“انتخب” في البرلمان “وعمل كرئيس للجنة الصداقة المغربية – الإيرانية التابعة للبرلمان” (1997-2002)، ثم “كنائب برلماني عن حزب العدالة والتنمية (2002-2007)، وأخيرا، “كنائب برلماني عن حزب العدالة والتنمية. دائرة الجديدة – أزمور” (2007-2012).

والأثقل من كل هذا، في ميزان الرجل أنه “نال عضوية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (2004).

المقرئ إذن “مثقف” طفقت شهرته الآفاق، وليس مجرد “رائد مقهى مستدام” ولا حتى فاعل/مؤثر على وسائط التواصل الاجتماعي.

لم المقارنة إذن؟

لأن بعض الأفكار الشاذة التي يطرحها الرجل في مختلف خرجاته، تضعك أمام تنافر معرفي يصعب استيعابه.

أفكار، تزعج أحيانا حتى بعض أتباعه ومقربيه، وتثير سيولا من السخرية والاستغراب من قبل ذوي النوايا “السيئة”.

هذا مجرد نموذج لبعض فتوحات ضيفنا “المظفرة”:

1- في سياق حديثه عن الهوية وأشياء أخرى (لقناة عربية)، استشهد الشيخ، في محاولة للتقليل من شأن الأمازيغية كمحدد لهوية أمازيغ شمال إفريقيا، بنكتة عن “الشلح القروفي” الذي اضطر من فرط بخله، لوضع مرآة في الدرج، ليتأكد من أنه هو، وليس غيره، من يفتح الدرج.

المفروض، على حد فهمي، أن الحديث في الأصل، كان عن الأمازيغية كلغة محدِّدة لهوية عدد من الشعوب المسلمة، وليس عن ممارسات أحد، أو حتى بعض الأمازيغ. هذا إن تغاضينا عن العنصرية والبذائة المقرفتين في النكتة السمجة إياها.

وأمام سيل ردود الفعل المستنكرة، رد السيد أبو زيد أولا بأن “التعبير خانه” ثم بأن“الكلام أُخرج عن سياقه” وأخيرا، بأن هناك “جهات معينة … وراء هذه الهجمة عليه”. بل إن المقرئ ” أخذته جلالة الموقف، وادعى بالمرة، بأنه “تلقى تهديدات بالقتل” وبأن ابنته “تلقت تهديدات بالاغتصاب”!. بل وبأنه “ممنوع، منذ زمن، من الظهور في الإعلام الرسمي”.

من اعتراف المذنب، إلى الإنكار، إلى اتهام الخصوم بالتآمر عليه.. وهلم مظلومية.

تماما كما يفعل كل الإسلاميين اليوم، حين يحاصرهم غيرُهم بأسئلة أو انتقادات تضرب في صميم مشاريعهم السياسية المفلسة.

2- خاطب خالد مشعل (عضو المكتب السياسي لحركة حماس)، عبر تقنية الفيديو، المغاربةَ مباشرة (على منوال ماكرون) متجاوزا أعلى مستويات السلطة في المغرب، محرضا إياهم على الضغط على الدولة، لتتراجع عن سياسة التطبيع مع إسرائيل.

وأمام طوفان ردود الفعل المستنكرة والـمُدينة لهذا التنطع والتطاول، بادر المقرئ إلى الدفاع عن عرابه بالقول: “يا ليتني أكون تراباً ليمشي فوقه خالد مشعل وإسماعيل هنية وغيرهم”!

تقديس أبله لعاهات سياسية، وجلد وإذلال مرعبين للذات.

3- قال المقرئ خلال ندوة بمدينة العيون “إن إسرائيل استولت سابقا على ثلاثة ملايين وثيقة مقدسية من الأرشيف العثماني، “لسرقة القدس معرفيا”. وبأن مهندسا فلسطينيا (نسي اسمه)، كشف “قيام اليهود بتطوير مواد كيميائية، توهِن الحجارة الضخمة التي بناها العثمانيون، لتسهيل عملية إسقاط أساسات القدس”.

فيما يخص سرقة الوثائق المقدسية، فالخبر الوحيد المتوفر يفيد بادعاء سرقة “وثائق ومقتنيات تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية أثناء اقتحام المسجد الأقصى سنة 2017″، وهو الخبر الذي علقت عليه دائرة الأوقاف نفسها، بالدعوة “إلى الحذر من تداول هذه الأخبار ما لم تصدر عن مصدر رسمي”.

بالمقابل،تقول صحيفة “Israel Hayom”، إن تركيا زودت السلطة الفلسطينية سنة 2018 بأرشيف عثماني، “يثبت ملكية الفلسطينيين للأراضي التي تحتلها “إسرائيل”، ولا سيما في القدس والضفة الغربية، مضيفةً أن الأرشيف الذي تم تسليمه في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، يحتوي على عشرات الآلاف من وثائق التسجيل العقاري في أراضي الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت فلسطين في الأعوام ما بين 1516-1917”.

فكيف تسرق إسرائيل وثائق من السلطة الفلسطينية، لم تكن بحوزتها أصلا؟

أما عن خبر “حقن” أساسات القدس بمواد كيماوية، فهو عبارة عن هلوسة انفرد بها المقرئ وحده.

4- خلال ندوة حول “الأسباب النفسية والمعرفية للإلحاد”، علق المقرئ في سياق حديثه عن إحدى طروحات الفيزيائي ستيفن هوكنغ بالقول: “إما أنا أذكى من ستيفن هوكنغ، وإما ستيفن هوكنغ صار في لحظة أبلد من الحمار”.

السيد أبو زيد، ذو التكوين الأدبي الصرف، قرأ واستوعب جيدا ما عجز كبار الفيزيائيين عن فهمه من تلك الطروحات، وأفتى بجرة قلم، ببطلانها جميعا.

لنهب أن الأمر كذلك فعلا، هل هذا يعطي الحق لعالم، سبق له البرهنة على بطلان نظرية سابقة، أن ينعث صاحب تلك النظرية بكونه أبلد من الحمار؟

عذرا للحمار على قلة الأدب هذه.

5- بدعوة من الملك محمد السادس، زار بابا الكنيسة الكاثوليكية فرنسيس، المغرب سنة 2019، وكانت تلك الزيارة مناسبة لكي يطلق المقرئ على البابا سلفستر الثاني لقب “البغل” هذه المرة.

البابا سلفستر الثاني، للعلم، درس في جامعة القرويين بفاس، “وهو البابا الوحيد الذي تعلم العربية وأتقن العلوم عند العرب (…) حتى أصبح أوسع علماء عصره الأوربيين إطلاعاً”

لكن هذا العارف باللغة، الواسع الاطلاع على شؤون المسلمين، استحق لقب البغل، وفق المقرئ، لأنه كان يستعمل “الضراكات” حتى “لا يتأثر بالإسلام. رغم أنه يسمع الأذان يوميا ويرى حجاب المسلمات”!

منطق كهذا، يعني أحد احتمالين: إما أن كل من درس في بلد ما، مُلزم بالضرورة باعتناق عقيدة أهل ذلك البلد، أو أن الشيخ يعتبر دينه هو الحق، دون سواه.

في الحالتين، يتعلق الأمر بمنطق متعال، يقطر نرجسية وكراهية للآخر، دون أي مبرر يذكر.

6-  أسرّ الشيخ لأتباعه ذات هلوسة، بأمر “سري جدا جدا جدا” (التكرار ليس من عندي)، فحواه أن “جهات” أمريكية نافذة، خَلُصت بعد بحوث لسانية مضنية، إلى أن العربية هي اللغة الوحيدة التي ستظل، كما كانت وكما هي اليوم، صامدةً، في وجه أدنى تغير محتمل.

عكس كل اللغات الأخرى، التي تتغير بسرعة، سيستحيل معها، أن يفهم من سياتون بعد قرن ما يقوله أسلافهم اليوم.

ولأجل ذلك، بادرت الجهات إياها إلى إعادة تدوين كل ما أنتجته الأنجلوساكسونية، من علوم وآداب وفنون، باللغة العربية، في أرشيفات يمكنها التعرف إلى فحواها بعد قرون.

وكأن اللغات التي كانت تتكلمها الشعوب الأخرى سابقا، ليست مدونة اليوم بما يكفي لاستيعاب مختلف التغيرات التي طالتها.

وكأن الناس حين كفوا عن الحديث باللاتينية مثلا، ذابت تلك اللغة في الأرض، ولم تترك خلفها لغات جديدة ولا قواميس.

ثم، هل تَحَجُّر لغة ما، على مدى قرون، دليل على قدرة متكلميها على تواصل أفضل مع “الآخرين”، أم أنه فقط عنوان عن أن تلك اللغة آيلة حتما للاندثار، إلم يبادر أهلها إلى تطويرها بما يجعلها تستوعب مجمل التطورات العلمية والتقنية التي تمور بها المجتمعات الحية؟

7- يدعي “الإخوة” سقوط نظرية التطور، للتدليل على صحة نظرية الخلق من طين. هذا أمر مفهوم على كل حال.

لكن أن يصل الأمر بأمريكا، إلى سحب مقررات نظرية التطور، من كل الجامعات ذات التخصصات العلمية، فهذا ما يُعد فتحا فريدا للرجل.

لا نحتاج طبعا للكثير من التحري، لنفهم بأن هذا محض افتراض باطل، أمام العجز الفاضح إزاء زحف نظرية التطور، حتى في اتجاه المؤسسات التعليمية في الوطن العربي والإسلامي.

في أمريكا اليوم، أكثر من 90 بالمائة من الجامعات والمراكز العلمية، تدرس نظرية التطور، لأنها النظرية الوحيدة، إلى حد اليوم، التي أثبتت قدرتها ميدانيا، على التفسير العلمي لنشأة الأنواع الحية على كوكب الأرض. ولا أخال السيد أبو زيد وحلفاءه وأتباعهم اليوم، قادرين على تجاهل تطبيقات هذه النظرية في الصيدلة والزراعة وعلوم الحاسوب و”ما لا يعلمون”.

سؤال تافه: كيف أخذ الأستاذ علما بتفاصيل خطة الماريكان هاته، رغما عن كونها سِرّية بالثلاث؟

سقطات المقرئ تتجاوز الأمثلة الواردة أعلاه. وهي مجرد مثال على نموذج تفكير بدائي، يُنصّب نفسه دوما، وصيا على وعي وضمائر العامة. وإن ووجه بدلائل تقوض أسس ادعاءاته، فلا أسهل من الإنكار، ثم الشخصنة والتخوين، والمظلومية في أسوء الظروف.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *