×
×

آلية تقديم العرائض… إشكالاتُ التّطبيق وتأخر الاعتراف بالعريضة الالكترونية 2/2

الحكومة رفَضت الاستِجابة للمطالب التي رفعتها “عريضة الحياة”، لكنّها لم تحترم حتّى الالتزامات التي وعدت بتحقيقها. لذلك، تبقى التجربة جميلة من الناحية الدستورية ومن الناحية الشعبية، ولكنها مخيبة للآمال في نطاق تعامل الحكومة معها…

رأينا في الجزء الأول كيف سعى المُشرّعُ إلى مأسسة العرائضِ كآلية تشاركية، وأيضاً أهميةُ هذه الخطوة في جعل المواطن قادرا على “اقتحام” الشأن العام والمساهمة في النّقاش العمومي في كُليته.

في هذا الجزء الثّاني، نتوقف عند بعض عناوين المحدودية في تطبيق روح الدّستور فيما يخصّ العرائض، والنقاش الذي واكب “عريضة الحياة”، الداعية إلى إنشاء صندوق لمرضى السّرطان، باعتبارها العريضة التي حظيت بتفاعل  ورد حكومي، وكذا بتجاوز مرحلة التّدقيق في الشّكليات القانونية. بلغ عدد الموقعين فيها ما ينيف عن الـ40 ألف، وهو ما دفع الكثير من الباحثين إلى اعتبارها مرجعاً واقعياً فيما يتعلّق بالعرائض.

اليوم… نشهدُ عريضة أخرى، يطالبُ أعضاؤُها بإسقاط شرط الإقامة من المرسوم المتعلق بتطبيق قانون الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها.

وُكلاء العريضة رفضوا تضمين المرسوم شرط الإقامة بالجماعة السلالية كمعيار لاكتساب الأفراد صفة العضوية بالجماعة، لكونه سيحرم الملايين من السلاليات والسلاليين من حق الولوج إلى كافة الحقوق المنصوص عليها في القانون المذكور.

“لازال ثمّة غيابٌ للتّناسبِ بين الوضعِية الدّستُورية السّامية وتطبيق روح الدّستور”

بلغ عدد الموقعات والموقعين على هذه العريضة، في ظرف شهر واحد، أزيد من عشرين ألف توقيع، للمطالبة بإسقاط شرط الإقامة الذي اعتبرته لجنة العريضة “بندا ظالما”.

هناك أيضا عرائض تعنى بقضايا الدفاع عن الحريات الفردية، كعريضة “خارجة على القانون”

تجدرُ الإشارةُ إلى أن بعض الدّراسات ذهبت إلى كونِ التأخير والتردد في تطبيق الديمقراطية التشاركية في المغرب، قد ساهم في انطفاء الإثارة والحماس الذي رافق الترحيب العام بالإصلاحات الدستورية للعام 2011.

بين الرّوح والممارسة!

عمر الشّرقاوي، أستاذ العلوم السّياسية، يعتبرُ في حديثٍ لـ”مرايانا” أنّه، تبعاً لأهمية العرائض وملتمسات التشريع كآلية من آليات الديمقراطية الشّعبية والتشاركية، فقد ارتقى بها المُشرّع إلى مرتبة دستورية، ونظّمها بقوانين هي امتدادٌ للدّستور ومكمّلة له. بهذا، أصبحت العرائض ذاتُ جدوى وحضور في البِنية الدّستورية المَغربية.

لكن، على مستوى المُمارسة السياسية، لازال ثمّة غيابٌ للتّناسبِ بين الوضعِية الدّستُورية السّامية وتطبيق روح الدّستور، نتيجة اصطدامها بعقلية محافِظة لا تَرى في مسَاهمة المُواطن، باستثناء الطّريقة التّمثيلية، قيمةً مُضافة.

وفق الشّرقاوي، الذي كان وكيل “عريضة الحياة”، فنتيجة منطقية لغياب التّأهيل الذّهني للسّلطات العُمومية فيما يخصّ العرائض، فهي ترى في المنشغلين أو الذين يقودون تجربةً في مَجَال العرائض أو الملتمسات، نوعاً من الممارسة الخارجة عن المألوف أو الممارسة غير المنظّمة، رغم أنّها في الواقع محكُومة بقانون تنظيمي.

“نحن في عصر نبحثُ عن تسهيل الشروط الإدارية بدل تعقيدها”

الحكومة، يردفُ المتحدّث، لم تكن في مُستوى الرّهانات في هذا التّمرين الدستوري، و”لم تكن تعي قيمة الفرص الدستورية التي منحها المُشرع للمواطن، ولا كانت في مستوى جعل هذه التّجربة نوعاً من الأمل في مشاركة المواطنين؛ حيثُ تعامَلت معهَا بنَوع مِن الاستِهتار وبنوعٍ من التجاهل إلى حدّ ما”.

الحكومة رفَضت الاستِجابة للمطالب التي رفعتها “عريضة الحياة”، لكنّها لم تحترم حتّى الالتزامات التي وعدت بتحقيقها. لذلك، تبقى التجربة جميلة من الناحية الدستورية ومن الناحية الشعبية، ولكنها مخيبة للآمال في نطاق تعامل الحكومة معها، يقول الشرقاوي.

كخلاصة، لا ينكرُ الشّرقاوي أنّهُ، “بدون شك أن تجربة عريضة الحياة ستكون لها انعكاساتٌ سلبية على العرائض اللاحقة وستشكك في مدى جدّية المشرع الدستوري في اعتماد هذه الإجراءات؛ كما ستلقي بنوع من الشكوك وتقليص مساحات المشاركة الشعبية عبر هاته الآلية “.

ويختمُ قائلاً: “هاته الحكومة فعلت كلّ ما من شأنه أن يقبر هاته الآلية الدّستورية ويجَعلها من دون جدوى…”

في الحاجة إلى العريضة الالكترونية…

اعتبرَ الكثير من الباحثين أنّ مواقع التواصل الاجتماعي باتت، اليوم، فضاءً عاماً بامتياز لمناقشة السياسات العمومية وقضايا الشّأن العام، نظراً للديمقراطية التي قدّمتها لحرية الرأي والتعبير والدّقة والسّرعة، إلخ!

لهذا، عَادت الدّعوة مِن جدِيد لضرورةِ إيمَان المُشرّع بالعريضة الإلكترونية والمناداةُ بتعديل القانون التنظيمي.

أسماء بن العربي، مُنسّقة عريضة الحياة بجهة الرباط الدار البيضاء، تحكي لـ”مرايانا” أنّ عريضة إنشاء صندوق لمرضى السّرطان كانت ذات موضوع مغري بالدّعم، على اعتبار أنّ الكلّ يعرفُ شَخصاً مصاباً بالسّرطان، أو فقد شخصاً مريضاً بذات المرض!

بالنّسبة لابن العربي، فالرّغبة نابعة من إيمانٍ بالمؤسسات، ومشاركة واقعية بدل إطلاق هاشتاغات رقْمية فقط. رغم أنّ العريضة في صيغة إلكترونية تبقى ذات أهمية وينبغي اللجوء إليها واعتمادها!

“الحكومة لم تكن في مُستوى الرّهانات في هذا التّمرين الدستوري”

في عهد الأنترنيت، تضيفُ المتحدّثة، يمكنُ إعداد العرائض بشكل أسهل، لكون الشبكات الرقمية تُعفي من جمع الأرواق والتوقيعات وحتمية البقاء في أماكن عامة لإتاحة الفرصة للجميع للتوقيع، ناهيك عن التدقيق في المعلومات.

لكن انعدام هذا الشّرط، الافتراضي في قانون العرائض، جعَل عريضة الحياة تستغرقُ أشهراً لجمِعها؛ ولو كان الأمر افتراضياً، لتمّ جمع كل التوقيعات في أسبوع.

“نحن في عصر نبحثُ عن تسهيل الشروط الإدارية بدل تعقيدها”، هكذا ختمت بن العربي حديثها مع “مرايانا” آملةً أن تسمع عن عرائض إلكترونية معتمدة قانونياً في القادم من الأيام.

“تجربة عريضة الحياة ستكون لها انعكاساتٌ سلبية على العرائض اللاحقة وستشكك في مدى جدّية المشرع الدستوري في اعتماد هذه الإجراءات”

اتضح إذن أن العرائض، في الأصل، تسعى إلى تكريس مشاركة المواطنين في الأداء السياسي وفي تقييم السياسات العمومية، باعتبارها أفقاً يتجاوزُ مجرد تقاسم السلطة السياسية. بيد أنّه يظهرُ، عملياً، أن المُرادَ من هذه الآلية لم يتحقق بعد لغاية الاَن.

أكثر من ذلك، فإنّ تعزيز ممارسة الحق في العرائض، رهينٌ بحتمية إدخال تعديلات على القانون التنظيمي.

فهل سيتمّ تكييف النص القانوني مع هذه التوصيات؟

سننتظرُ المستقبل ليجيب…

اقرأ أيضاً:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *