×
×

تقديم العرائض في الدستور المغربي… آلية ديمقراطية متميزة. لكن… 1/2

العرائض… إحدى الآليات الديمقراطية التي أقرّها المشرّع المغربي وارتقى بها إلى مكانةٍ دستورية.
أُطلقتِ العرائض، جُمعتِ التّوقيعات، واكب الإعلام… لكن، مع ذلك، لازال هُناك “قصور” في استيعاب هذه الطّريقة الأكثر حداثة في روحها وجوهرها من طرف الكَثير من المُواطنين، إن لم نقل إنّ هناك من يجهلُ وجودها أصلاً!

هذا الملّف يوضّحُ شروط تقديم العرائض واختصاصات اللجنة الوطنية للعرائض، وكذلك أهميتها من منظور نشطاء في هذا النّطاق!

الرّوح التّشريعية للعرائض!

الفصل 15 من دستور 2011، أقرّ للمواطنات والمواطنين بالحقّ في تقدِيم عرَائض إلى السّلطات العمومية. ويحدّد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق.

تطبيقاً لما نصّت عليهِ المادّة 15 من الدستور الجديد، صدَر بتاريخ 28 يوليوز 2016، أمر بتنفيذ ونشر القانون التنظيمي رقم 44.14 الخاصّ بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق الدستوري في “تقديم العرائض إلى السلطات العمومية” بالمملكة.

المادة 3 من هذا القانون وضعت، كشروط، أن يكون الهدفُ منها تحقيقُ المصلحة العامّة؛ أن تكون المطالبُ أو المقترحات أو التّوصيات التي تتضمّنُها مشروعة؛ أن تحرّرَ بطريقة واضحة؛ أن تكون مرفقة بمذكّرة مُفصّلة تُبيّنُ الأسبابَ الدّاعية إلى تَقدِيمها والأهدافِ المتوخاة منها.

بينما نصّت المادة 6، على أنّ تكونُ لائحة دعم العريضة مُوقّعة على الأقل من قبل 5000 من مدّعي العريضة، وأن تكون مرفقة بنسخ من بطائق تعريفهم الوطنية.

هذا الرقم، اعتبرهُ المجلس الوطني لحقوق الإنسان وبعض الجمعيات والفاعلين حينها، شرطاً مبالغاً فيه وغير واقعي، ودعوا إلى تغييره لعدد أدنى، قبل الموافقة النهائية على القانون التنظيمي في البرلمان. لكن المشَرعَ حافظ على نفس الرقم.

في الأخير، يتضحُ أنها شرُوط يرى عمر الشرقاوي، أستاذ العلوم السياسية، في حديثه لـ “مرايانا”، أنّها، بالفِعل، مُجحفة وتزيد من تعقِيد ممارسة هذه الآلية الدّستورية؛ كما تُشكّل أحياناً عبئا مفصلياً على اختيار ممارسة المواطنين لهذا الحق.

لجنةُ العرائض…

لتسهيل عملية تقديم العرائض، نصّ القانون التنظيمي على إنشاء لجنة وطنية للعرائض يُعهد إليها ببعض الاختصاصات. فما هي تلك الاختصاصاتُ؟

بموجب المرسوم رقم 2.16.773 ، يتم تحديد تأليف لجنة العرائض واختصاصاتها وكيفية سيرها، وذلك تفعيلاً لما نص عليه القانون التنظيمي رقم 44.14 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية.

أوّلاً، هذه اللجنة يرأسها رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المكلفة من طرفه، تتألّف من ممثّل لرئيس الحُكومة، وممثل عن السلطة الحكومية المكلفة بحقوق الإنسان، ومُمثل عن وزارة الداخلية، والشؤون الخارجية، والعدل، والأمانة العامة للحكومة، والمالية، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني.

من اختصاصات هذه اللجنة، التحقق من استيفاء العرائض للشروط المنصوص عليها في القانون التنظيمي، وإبداء الرأي واقتراح الإجراءات التي تراها مناسبة في شأن المطالب والمقترحات أو التوصيات التي تتضمنها العرائض المقبولة، فضلاً عن إمكانية أن تُوجه اللجنة رأيها واقتراحاتها إلى رئيس الحكومة داخل أجل ثلاثين يوما، ابتداء من تاريخ إحالة العريضة عليها.

هذه اللجنة بإمكانها، أيضاً، تقدِيمُ اقتراح إلى رئيس الحُكومة من شأنه تيسير ممارسة المواطنات والمواطنين، لحقهم في تقديم العرائض، وتعد اللجنة تقريراً سنوياً حول حصيلة أعمالها ترفعه إلى رئيس الحكومة. يمكنها أن تطلب من إدارات الدولة والمؤسسات العمومية موافاتها بالوثائق والمعطيات والبيانات والمعلومات التي تراها ضرورية لممارسة الاختصاصات المسندة إليها.

العرائض… أية أهمّية؟

هشام رشيدي، منسّق برنَامج “مشاركة مُواطِنة”، وهو برنامج للاتحاد الأوروبي في المغرب، يرى في تصريح لـ”مرايانا” أن أهمية ميكانيزمات العرائض، إلى جانب ميكانيزمات أخرى، هي كونها شكلا من أشكَال المُشاركة المواطنة، لكونها قوة اقتراحية، إضافة لقدرتها على جذب انتباه المسؤولين في الجماعات الترابية لعدّة مواضيع متعلقة بالتنمية المحلية وقضايا النوع.

رغم أنّ تجربة “مشاركة مُواطِنة” لها بُعد ترابي، والبرنامج يشتغل بجهة سوس ماسة والشرق والدار البيضاء سطات وطَنجة تِطوان الحُسيمة، لتأهيلِ جَمعِيات المُجتَمع المَدني التي تشتَغلُ في القُرب، فإنّ رشيدي يعتبرُ المواضيع التي تتعلّق بالمُساواة والبَيئة والشّباب وإطلاق طاقات الشّباب، التي يحتضنها البرنامج، ذُات أهمية أيضاً.

بالنّسبة لرشيدي، فإنّ الغاية الرّئيسَة للبرنامج هي دعم مؤسسات المجتمع المدني لتحقيق أهدافها في المشاركة المواطنة والديمقراطية التشاركية، إضافة إلى توضيح أهمّية بعض الميكانيزمات المُتاحة قانونياً، ومِنها العرائض أو الرأي الاستشاري كوسيلة سلمية للاحتجاج؛ وذلك لكون الاحتجاج في منظور البرنامج هو سلُوك مُواطَناتي محض.

للإشارة، فقد استطاع برنامج مشاركة مواطنة، الممول من الاتحاد الأوروبي، دعم 237 جمعية في هذا الإطار.

العريضة مبدئياً، تبقى مفهوماً جديداً بالنّسبة للمغاربة… وفق ما بيّنتهُ التجربة!

يضربُ رشيدي المثل بعريضة ذات أهمية عملياً، تقدّمت بها جمعية توازة لمناصرة النساء في الشّمال. مضمون العريضة هو مطالبةُ السّلطات المحلية بإنشاء سوق تضامني لفائدة النّساء فِي وضعِية هشّة، أي النساء اللواتي كُنّ يشتَغلْنَ في التّهريب المعيشي قُبَيل إغلاق معبر سبتة وقتذاك.

الواضحُ أنّ الجمعية صاغت العريضة واستوفت الشّروط القانونية؛ فقبلتها السّلطات المحلية من حيثُ الشّكل ومن حيثُ المضمُون أيضاً، وأحالتها على لجنة تقنية لتفعيل المضمون، وصياغة التّصور ووضع الميزانية، والجمعية تبقى مواكبة للعملية رغم نِهاية برنامج “مشاركة مواطنة”.

يبدو أنه من حيثُ المبدأ، تشكّل العرائض أهمية بالغة كاستراتيجية لمشاركة المواطنين. لكن…

هل من السّهل تطبيق روح القانون والدستور فيما يتعلّقُ بها؟

الجواب نحاول اقتفاءه في الجزء الثّاني.

اقرأ أيضاً:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *