×
×

الصراع هو محرك التاريخ.. الأوبئة كذلك!

كثيرون، عن خطأ، يعتقدون أن حضارات الإنكا والأزتيك والهنود الحمر في أمريكا الشمالية مثلا، قضى عليها الغازي الأوروبي والحضارة الغربية بالسيوف والبارود. الحقيقة أن جزءً كبيرا من التناقص السكاني وانقراض قبائل بأكملها يعود أساسا إلى المرض الذي حمله الأوروبيون إلى العالم الجديد ولم تستطع مضادات الأجسام لدى السكان الأصليين مقاومتها لضعف مناعتها وعدم احتكاكها سابقا بهذه الأمراض، خاصة التعفنات ذات المنشأ الحيواني.

يعتقد كثيرون أن التاريخ البشري هو عبارة عن صراع بين المجموعات البشرية… دول تقوم على أنقاض دول أخرى. غزو هنا وحرب تحرير هناك. قبيلة تسطو على أخرى ومدينة تحتل أخرى، وهكذا… وكما الصراع،  كان المرض ملازما الإنسان، فكيف أثر هذا الأخير على المجتمعات الإنسانية؟

رغم أن الاهتمامات الصحية لا تتصدر المشهد إلا في ما ندر، مثلا في أوقات الأوبئة كما يحدث مع كوفيد 19 وقبله سارس وإيبولا، لكننا ننطلق من فرضية أن الصحة في قمرة قيادة التغيير الاجتماعي.

كثيرون يعتقدون أن أكبر عدد من القتلى هم ضحايا الحرب العالمية الأولى، بينما الحقيقة ان أكبر عدد من الضحايا في التاريخ البشري قضوا بسبب وباء الإنفلونزا الإسبانية وبأعداد أكبر بثلاث مرات

لا ينتبه كثيرون إلى ما يفعله المرض، حين يصير وباءً، بالمجتمعات البشرية والقبائل والمدن والدول والقارات والحضارات. إنه لا يحمل فقط إمكانية تغيير الأوضاع السياسية، بل كذلك أنماط العيش والعلاقات التراتبية وإمكانية الولوج إلى السلطة والثروة والفرص لفئات مجتمعية جديدة وبالتالي فقدانها بالنسبة لآخرين.

نعم، المرض، كما الصحة، يحمل معه إمكانيات تغيير اجتماعي هائل يتجاوز بمراحل قوة أي مشروع ثوري إنساني.. سيبدو مثلا مشروع “البيان الشيوعي” مجرد قصص للأطفال بالمقارنة مع التغيير المحتمل على جدران كائنات مجهرية كالفيروسات التاجية…

اقرأ أيضا: الجائحات… مصائب الفقراء عند الأثرياء فوائد!

لنتأمل ما يلي على سبيل المثال فقط..

كثيرون، عن خطأ، يعتقدون أن حضارات الإنكا والأزتيك والهنود الحمر في أمريكا الشمالية مثلا، قضى عليها الغازي الأوروبي والحضارة الغربية بالسيوف والبارود. الحقيقة أن جزءً كبيرا من التناقص السكاني وانقراض قبائل بأكملها يعود أساسا إلى المرض الذي حمله الأوروبيون إلى العالم الجديد ولم تستطع مضادات الأجسام لدى السكان الأصليين مقاومتها لضعف مناعتها وعدم احتكاكها سابقا بهذه الأمراض، خاصة التعفنات ذات المنشأ الحيواني.

الصحة هي جزء أصيل من التاريخ البشري، وعامل أساسي في كل تغيير مجتمعي منذ بداية التاريخ

كثيرون مثلا يعتقدون أن أكبر عدد من القتلى هم ضحايا الحرب العالمية الأولى، بينما الحقيقة أن أكبر عدد من الضحايا في التاريخ البشري قضوا بسبب وباء الإنفلونزا الإسبانية وبأعداد أكبر بثلاث مرات.

كثيرون يعتقدون أن التحول في أوضاع النساء تسببت به الحرب العالمية الثانية التي اضطرتهن إلى العمل مكان الرجال الذين قضوا في الحرب، أو لا زالوا على جبهة القتال. لكن هذه الثورة الاجتماعية النسوية حدثت أيضا بسبب أقراص منع الحمل التي مكنت النساء من التحكم في أجسادهن والسماح لهن بمغادرة المنزل وتعزيز فرصهن في العمل وولوج الفضاء العام الذي ظل حكرا على الرجال لقرون طويلة.

اقرأ أيضا: البيمارَسْتانات… مستشفيات العرب في صدر الإسلام!

انقلاب الهرم السكاني ومبيان التطور الديمغرافي الشهير ليس إلا تأريخا للتحولات الوبائية والتطورات العلمية في ميادين البيولوجيا والصيدلة والطب، خصوصا بعد أعمال باستور وكوخ واكتشاف الميكروبات وأعمال فليمينغ الذي مهد لاكتشاف البينيسيلين ومضادات الأجسام ذات المفعول السحري.

كثيرون يعتقدون أن أكبر عدد من القتلى هم ضحايا الحرب العالمية الأولى، بينما الحقيقة أن أكبر عدد من الضحايا في التاريخ البشري قضوا بسبب وباء الإنفلونزا الإسبانية وبأعداد أكبر بثلاث مرات

وللإنصاف، فإن التحول الديمغرافي يحيل أيضا إلى تحسن المحددات الاجتماعية للصحة وتأثيرها السلبي على المراضة والوفيات، وبالتالي على التطور الديمغرافي. فقد تحسنت نظافة المدن ومياه الشرب بها وكذلك السكن اللائق وظروف وأجور العمل، مما يفسر مثلا اختفاء داء السل من لندن حتى قبل اكتشاف المضادات الحيوية.

كثيرون يتحدثون عن دور البعثات العلمية والتبشيرية في التمهيد للاستعمار، وقليلون عن دور الطبابة الكولونيالية والأخوات الممرضات وخبراء الصحة والنظافة البيئية في دعم “شرعية” المستعمر وتحسين صورته لدى الناس، وأسطرة هذا التقدم الصحي القادر على إزالة الألم والمرض والحفاظ على قوة اليد العاملة؛ وما يعنيه ذلك من اختراق كبير للمجتمعات التقليدية التي تعتمد أساسا على المشعوذين ذوي النتائج الضعيفة، مما ساهم في ضمان ولاء نخب المدن والسلم مع القبائل في القرى، وبالتالي نجاح الاستعمار.

اقرأ أيضا: ملف “الرقية الشرعية” في مرمى الجدل مرة أخرى..

أيضا، لطالما استعملت الأنظمة السياسية النتائج الصحية من أجل تدعيم مشروعيتها، تماما كما تستعملها المعارضة لإحراج الحكومات في حالة تواضع هذه النتائج الصحية. نلاحظ مثلا مشهد الصدارة الذي احتلته المطالب ذات العلاقة بالقطاع الصحي في احتجاجات منطقة الريف المغربي الأخيرة أو المسيرات الخاصة بالصحة تحديدا في كل من أزيلال وزاكورة كمثال، أو بيانات القوى المعارضة التي تنتقد تدبير الحاكمين للأزمة الصحية لجائحة كوفيد 19.

نعم، المرض، كما الصحة، يحمل معه إمكانيات تغيير اجتماعي هائل يتجاوز بمراحل قوة أي مشروع ثوري إنساني.. سيبدو مثلا مشروع “البيان الشيوعي” مجرد قصص للأطفال بالمقارنة مع التغيير المحتمل على جدران كائنات مجهرية كالفيروسات التاجية

إذن، الصحة هي جزء أصيل من التاريخ البشري، وعامل أساسي في كل تغيير مجتمعي منذ بداية التاريخ.

لكن، إذا كانت الأوبئة والتطورات في ميدان الطب خاصة والصحة عامة تؤثر بقوة بالسلب أو الإيجاب على المجتمعات البشرية وكياناتها السياسية، فكيف يؤثر المرض باعتباره تجربة إنسانية متفردة على حياة الفرد وعلاقاته وأدواره المجتمعية؟

نقارب هذا في مقال قادم قريبا، اذا سمحت الظروف بذلك.

اقرأ أيضا: كاتبة أمريكية: هكذا تُفاقِم العنصرية البيئية انتشار الجائحات

ملحوظة: الصورة المرفقة هي لمجموعة من الأطباء والممرضين في الولايات المتحدة الأمريكية يحتجون على خلفية مقتل السود في أمريكا #blacklivesmatter. أسمح لنفسي بالتعليق عليها باستلهام أحد الشعارات الطلابية في المغرب : “لكل معركة جماهيرية صداها في.. المستشفى!”

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *