×
×

علي اليوسفي: تقديس خلفاء الرسول… أصل الحكاية

جيش بني أمية، قتل في معركة حراء، ما لا يقل عن 4500 مسلم، وافتض بكارة ما يناهز1000 فتاة من مدينة الرسول، وأجبر من بقوا أحياء أن يبايعوا يزيدا كعبيد، وإلا قُتلوا. أما في مكة، فقد قمع جيش الأمويين ثورة عبد الله بن الزبير الذي رشحته الأرستقراطية المكية ليكون خليفة؛ حيث ضُربت الكعبة بالمنجنيق، ودمرها الأمويون مرتين؛ لكنهم لم يتمكنوا من السيطرة على مكة إلا بعد أن قطع الحجاج بن يوسف رأس عبد الله بن الزبير وصلب جثته. ومع ذلك، فإن ثورات معارضي بني أمية لم تهدأ يوما منذ استيلائهم الكامل على السلطة سنة 661م، وإلى غاية سقوط دولتهم سنة 749م.
في هذا السياق الدموي، نشأت البوادر الأولى لعلم الكلام، الذي أخذ يسائل الإنسان عن أفعاله، وخاصة عما إذا كانت كل المصائب التي لحقت بالمسلمين من بعضهم أمرا مقدرا مكتوبا من الله، أم أنها من فعل الإنسان.

لم يقض الرسول في المدينة إلا عشر سنوات (622-632)، كرسها للعمل الدؤوب من أجل إرساء مقومات الدعوة الإسلامية ودعائم الدولة العربية. فهل كانت هذه المدة كافية لرص صفوف مختلف القبائل العربية بعاداتها وتقاليدها المختلفة، ولإزالة النعرة القبلية التي عاش عليها العرب قرونا قبل مجيء الإسلام؟ وهل كانت هذه المدة كافية لتمكين الأخلاق الإسلامية من النفوس، ومؤاخاة المسلمين حقا؟

إذا كان الأمر غير ذلك، فما مصدر هذا التعظيم الذي يحظى به الخلفاء “الراشدون” إلى حد ذهاب البعض إلى أنهم خير الخلق بعد الرسول؟

إن إلقاء نظرة ولو سريعة، بعيدا عن الترسبات التأريخية المذهبية والدعائية، على مرحلة تدبير خلفاء الرسول الأربعة لشؤون الدولة التي خلفها لهم، لكاف لإثارة انتباهنا إلى هول الخلافات والصراعات التي عرفتها هذه المرحلة. صراعات قبليةُ العمق دنيويةُ الأهداف لم تعمل المراحل الموالية إلا على إنضاجها لتتحور إلى إيديولوجيات سياسية ما فتئت تنخر المجتمعات العربية، وتعرقل انتقالها نحو الديمقراطية والحداثة.

من ملامح ذلك، ما يلي:

أولا؛ لقد رأينا في مقال سابق الفوضى التي واكبت تولي أبي بكر لزمام الأمور، والموقف الذي عبر عنه الخزرج من القريشيين قبل وصولهم إلى سقيفة بني ساعدة، ثم كيف فرض القريشيون أنفسهم على أهل المدينة بمنطق قبلي صرف، وكيف أقصى بعض القريشيين قبيلة الرسول نفسها (بنو هاشم)، من تدبير هذه المرحلة.

ثانيا؛ أصر أبو بكر على مواصلة إقصاء بني هاشم من الخلافة بتعيينه عمر بن الخطاب خليفة له قبل وفاته. ولما طُعن عمر، وأدرك أنه لن يعيش بعد ذلك، عين لجنة سداسية تضم كلا من عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام؛ لكن أربعة من المعيَّنين انسحبوا من المنافسة ليظل في السباق عثمان وعلي فقط. فلما سُئل كل منهما عن كيف سيحكمان، أجاب عثمان بأنه سيهتدي بالقرآن ويسير على خطى الرسول وخليفتيْه أبي بكر وعمر، بينما أجاب علي بأنه سيهتدي بكتاب الله وسنة رسوله لا أكثر، معبرا ضمنيا عن عدم اعتبار الخليفتين السابقين قدوة؛ فكان ذلك كافيا لإقصائه، وتولية عثمان.

ثالثا؛ ما إن استتب الأمر لعثمان، وهو من فروع قبيلة بن عبد شمس المنافسة لقبيلة بني عبد مناف (الهاشميين)، حتى فُتح باب السلطة للنخبة القريشية التي أسلمت متأخرة. ولكي يدعم عثمان سلطته، عين مقربيه في المناصب وأغدق عليهم الأموال والإبل واقتطع لهم الأراضي.

أثناء خلافة عثمان، نمّى المهاجرون الأوائل مثل طلحة بن عبيد الله (قريب أبي بكر) والزبير بن العوام (قريب خديجة بنت خويلد) ثرواتهم، وعززوا مواقعهم. كل ذلك ساعد عبد الله بن سبأ على تأجيج الغضب والمعارضة الكامنين في نفوس شرائح عريضة من المسلمين، وعلى دعم وترويج فكرة عدم أحقية كل من الخلفاء الثلاثة الأوائل للخلافة، وأن عليا وصي رسول الله ووارثه الأحق بها.

رابعا؛ ما إن قتل عثمان، حتى دخلت عائشة ابنة أبي بكر وزوجة الرسول التي نُقلت عنها السنة، وإلى جانبها الصحابيان طلحة والزبيرــ وهما من العشرة المبشرين بالجنةــ، في حرب ضد علي، ابن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة؛ فكان ذلك أول اقتتال يقع بين المسلمين، إذا ما استثنينا ما عُرف بـ “حروب الردة”، بل وفي محيط الرسول؛ ناهيك عما تبع ذلك الاقتتال من حرب ضروس بين علي، ممثل قبيلة بني هاشم، ومن شايعه، ومعاوية، ممثل قبيلة بني أمية، ومن والاه.

تمكن الأمويون من السلطة بقوة السيف. في مقابلهم، طور كل من الشيعة والخوارج مفهوما خاصا للإمامة يقوم أساسا على معارضة كل منهما لتوجه الآخر، ومعارضتهما معا للأمويين الذين لم يتوانوا عن مطاردة التيارين وتقتيلهما على امتداد التسعين سنة من حكمهم، كما لم يتوانوا عن قمع ثورة المختار في الكوفة، وقمع ثورة أهل المدينة الذين خلعوا البيعة عن زيد لانحرافه.

لقد قتل جيش بني أمية، في معركة الحرة، ما لا يقل عن 4500 مسلم، وافتض بكارة ما يناهز1000 فتاة من مدينة الرسول، وأجبر من بقوا أحياء أن يبايعوا يزيدا كعبيد، وإلا قُتلوا. أما في مكة، فقد قمع جيش الأمويين ثورة عبد الله بن الزبير الذي رشحته الأرستقراطية المكية ليكون خليفة؛ حيث ضُربت الكعبة بالمنجنيق، ودمرها الأمويون مرتين؛ لكنهم لم يتمكنوا من السيطرة على مكة إلا بعد أن قطع الحجاج بن يوسف رأس عبد الله بن الزبير وصلب جثته. ومع ذلك، فإن ثورات معارضي بني أمية لم تهدأ يوما منذ استيلائهم الكامل على السلطة سنة 661م، وإلى غاية سقوط دولتهم سنة 749م.

في هذا السياق الدموي، نشأت البوادر الأولى لعلم الكلام، الذي أخذ يسائل الإنسان عن أفعاله، وخاصة عما إذا كانت كل المصائب التي لحقت بالمسلمين من بعضهم أمرا مقدرا مكتوبا من الله، أم أنها من فعل الإنسان.

كما تساءل المتكلمون عن عقاب مرتكب الكبائر والتي على رأسها قتل النفس التي حرم الله. بل إن الخوارج ذهبوا أبعد من ذلك، عندما تساءلوا عما إذا كان الحكام الذين ارتكبوا، ولا زالوا يرتكبون آنذاك، كل تلك الكبائر مؤمنين أم كفارا أم منافقين أم في منزلة بين المنزلتين؟ وقد كان جواب أشدهم تطرفا: أن مرتكب الكبيرة كافر كفر شرك، بينما كان جواب المعتدلين منهم: أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة.

لقد واجه الأمويون هذه الأسئلة، مستعينين ببعض الشعراء، ثم ببعض الفقهاء وأخيرا بالمذهب الجبري؛ فأولوا آيات القرآن بما يخدم مصلحتهم، وقدموا استيلاءهم على السلطة على أنه إرادة إلهية وقضاء رباني، واعتبروا أنفسهم خلفاء الله في الأرض، كما اعتبروا عدم طاعة خلفائهم معصية، ومعارضيهم ملحدين، ومنافقين، ومشركين، وكفارا.

أول من عارض هذا المنطق الجبري كان معبد الجهني الذي شارك في ثورة ابن الأشعث ضد الأمويين، فقتله الخليفة عبد الملك بن مروان صلبا حوالي سنة 702. وقد سار على نهج معبد، غيلان الدمشقي الذي رفض أن تكون مظالم الحجاج بن يوسف قدرا وقضاء من الله، واعتبرها مظالم ومآثم لا تعالجها إلا ثورة تحطم عروش الطغاة. ولئن كان عمر بن عبد العزيز قد اعترف بصلاح غيلان وعمد إليه برد مظالم من سبقه من أمراء بني أمية، فإن هشام بن عبد الملك بن مروان، ما إن تولى الملك، حتى قطع يد غيلان، ثم رجله، وأمر بقتله صلبا سنة 724.

احتد هذا النقاش منذ بدايات القرن الثامن إلى نهاية “المحنة” في أواسط القرن التاسع؛ وشاركت فيه مختلف المذاهب الكلامية من جبرية، وقدرية، ومعتزلة وشيعة، وخاصة منها الرافضة التي تنكر على كل من أبي بكر وعمر وعثمان حقهم في الخلافة، وتعتبر عليا ابن أبي طالب الوحيد الأحق بها… طوال تلك الفترة، لجأ قسم ممن تجاوزتهم هذه النقاشات من المحافظين إلى جمع أقوال الرسول وسننه، وهم من سماهم المعتزلة بـ “الحشوية”.

أمام هذا المشهد، قسّم ابن سيرين (ت728) أهل زمانه إلى أهل بدعة وأهل سنة. وسمى أبو الحسن الأشعري أهل السنة بـ”أهل الجماعة”. وحتى يضع سفيان بن عيينة (ت811) حدا للنقاش في مسائل القضاء والقدر، وللنبش في سيرة الخلفاء، حدد مفهوم السنة في ست نقط، يدعو في ثالثتها المسلمين إلى الصفح عن الخلفاء، ويعتبر كل من يذمهم أو يكرهم خارجا عن سنة الرسول. وقد كانت هذه هي البداية الصريحة لما سيُسبغ على الصحابة من تعظيم وما سينسج حولهم من هالة تتدرج نحو القدسية.

أما أبو الحسن الأشعري (874- 935)، مُنظّر المحطة الأولى لتشكل المذهب السني، فقد انتصر، إلى جانب الخليفة المتوكل، للمذهب الحنبلي ضدا على تيار الاعتزال، معتبرا أن قدرة الله مطلقة، وأن الإيمان يقتضي التسليم بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن المؤمن يظل مؤمنا مهما اقترف من الذنوب، مادام الإيمان مستقرا بقلبه، وإن كان الإيمان لا يعفيه من أن يُعتبر آثما. وهذا يعني ضمنيا أن كل أفعال الخلفاء، بل وأفعال عائشة، والأمويين، والعباسيين أيضا التي أثارت كل ذلك الجدال، إنما كانت قضاء وقدرا من الله.

هذا التوجه إلى إغلاق كل النقاشات السابقة وفرض رؤية أحادية رسمية، سيبلغ مداه مع رسالة الخليفة القادر بالله (974-1031) التي أصدرها سنة 1018 وحدد فيها بشكل صارم أسس عقيدة أهل السنة والجماعة. ومن بين ما جاء في الرسالة، التأكيد على تعظيم صحابة الرسول – الذين أنكرهم كل من الخوارج والشيعة -، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون الأربعة؛ وعلى شرعية الترتيب الذي تولوا به الخلافة من الأكثر أحقية إلى الأحق. وأكثر من ذلك، فإن الرسالة تبرئ عائشة ومعاوية من التهم التي وجهها إليهما الشيعة، وتعتبر تعظيم الخلفاء الراشدين واجبا دينيا، ومن خالفه مرتدا.

هكذا إذن، تطوي الرسالة القادرية بجرة قلم، في مستهل القرن الحادي عشر، حوالي أربعة قرون من الصراعات الدموية حول السلطة، وحوالي ثلاثة قرون من الجدال الكلامي، الذي لا شك أنه حافظ على تأجج تلك الصراعات بين مختلف الأطراف الفاعلة سياسيا من جهة، وأغنى، في مقابل ذلك، الساحة الفكرية العربية الكلامية والفقهية.

لقد كتمت الرسالة القادرية كل الأصوات المعارضة والمخالفة للعقيدة الرسمية، لتُفسح المجال لمذهب أحادي النظرة، فتطمس مرحلة تاريخية كاملة، وتعوضها بتاريخ وهمي مثالي لن تفتأ الذهنية المحافظة عن تنميقه وتبجيله، ولكي تُسوّقه وتتهم كل من يخالفه أو يحاول الخوض في ثناياه بالزندقة والإلحاد والردة والكفر والعمالة لأعداء الإسلام.

 

من بين المراجع المعتمدة:

1-  موسوعة الحضارة العربية الإسلامية، مجموعة من المؤلفين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987.

2-  محمد سعيد العشماوي، الخلافة الإسلامية، سينا للنشر، 1992.

3-  Serge Lafitte, Chiites et Sunnites, Broché, 2016.

 

مقالات قد تهمك: 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *