×
×

حسن الحو يكتب: ليلة سقوط الإسلاميين

سقوط حزب العدالة والتنمية ليس سقوطا يبرهن على تداول سلمي على السلطة في ظل مناخ ديمقراطي، ولكنه سقوط أقنعة، وسقوط إيديولوجية لطالما كذبت على الناس باسم الدين، وتاجرت بأحلام البسطاء وباعت صكوك الانتماء.
إنه صحوة مجتمعية لم يعد ينفع معها لا موعظة ولا سبحة. إنه انتقام لن تُطفئ ناره مغفرة ولا اعتذار من الذين باعوا الوهم للناس

حسن الحو
حسن الحو

تهاوت قلاع الرمال، وتبددت الأحلام ليلة السقوط الكبير. سقوطٌ تناثرت معه كل أوراق التوت التي طالما سترت عورات الحركات الإسلامية. أشرقت شمس الثامن من سبتمبر ليظهر زيف الشعارات الرنانة والخطابات الجوفاء، والوعود الهلامية بمستقبل أفضل.

فما الدلالات التي يمكن استخلاصها من الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة؟ وما الارتدادات التي خلفتها عثرة حزب العدالة والتنمية على مقياس الوعي السياسي للمجتمع المغربي؟

قد لا يخفى على أي مهتم بالشأن السياسي المغربي هُجْنَته، وشكلية مؤسساته التمثيلية، والبلقنة التي ينتجها نظام الانتخاب. لكن هذا المعطى لا ينفي أن هناك عدة نقاط إيجابية تضمنها الانتخابات يمكن من خلالها قياس التوجه العام للكتلة الناخبة، ومدى نضجها السياسي. نجاح حزب العدالة والتنمية في الولايتين السابقتين خير دليل على ذلك!

وجد وزراء حزب العدالة والتنمية أنفسهم على كراسي السلطة المريحة، وانتقلوا من عالم التقشف والبؤس الى عالم الأضواء، فوجدوا أيديهم صفرا من الحنكة السياسية واللباقة الديبلوماسية ولم يسعفهم إرثهم الدعوي وثقافتهم الدينية لمجاراة عالم سياسي مليء بالمواضعات البرغماتية. أغراهم نعيم المناصب فلم يجدوا بدا من الانبطاح في كل محطة عولت عليهم الجماهير ليدافعوا من خلالها عن حقهم في العيش الكريم…

كما عبرت النتائج السابقة عن رغبة الرأي العام في تجربة الأحزاب الإسلامية بعد “الربيع العربي” وتمكينها من القرار السياسي لتنزيل رؤيتها المستقاة من المرجعية الإسلامية، التي تعد المؤمنين بالرخاء الاقتصادي والسلم الاجتماعي وفتح بركات السماء والأرض.

لكن، ما الذي حدث؟ ولِمَ تخلفت الوعود الانتخابية طيلة ولايتين اثنتين؟؟ ضاع معهما الأمل المنشود في غد أفضل تحت قيادة حزب إسلامي!!

إن الأمر لا يمكن إرجاعه حصرا للدولة العميقة المتحكمة في زمام الأمور. لكن الجالسين على مقاعد المجلس الحكومي لهم نصيب وافر من محصول عشر سنين عجاف، اغتصبت فيها الكثير من المكتسبات الحقوقية والاقتصادية للمواطن المقهور، وأُثقِل كاهله بالكثير من القرارات والقوانين التي سترهن مصير أجيال بأكملها ما لم يتم تدارك الأمر وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

حزب العدالة والتنمية، شأنه شأن باقي الأحزاب والحركات الإسلامية الحالمة بمستقبل للخلافة الإسلامية، يستقي مثاليته من ماضي الاسلام المجيد ورغبة أكيدة في تحكيم الشريعة بحذافيرها مخافة التحلل من ربقة الدين: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون“.

تطبيق الأحكام الشرعية واجب على المكلفين، والتنصل منه كفر أكبر مخرج من الملة. لن تجد إسلاميا لا يؤمن بتطبيق الشريعة، غير أن المتشددين يعلنونها صراحة ويكفرون المجتمع علانية، والمعتدلين من الحركات السياسية والسلفية ينتهجون التقية لحال الاستضعاف.

تحكيم الشريعة في معتقد هؤلاء ضامن للرفاه والتمكين: “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون“. “وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم“.

انطلاقا من الفهم الظاهري لهذه النصوص ورسوخ تفسيرها المسيَّج بالترهيب من الوقوع في الكفر واستحقاق غضب الرب، انطلق أعضاء حزب العدالة والتنمية وباقي الاسلاميين في العالم يبشرون المجتمع بأن الاسلام هو الحل، وأن ما يفصلنا عن اللحاق بالأمم المتقدمة الكافرة هو تطبيق شرع الله… سنوات من دغدغة وجدان الشعوب المقهورة ووعدها بالنعيم في كنف الخلافة المنشودة ولبس عباءة المظلومية، بَوَّأَ الإسلاميين، في أغلب المحطات الانتخابية بالدول الإسلامية، الصدارة؛ قبل أن يُحال بينهم وبين الحكم لأسباب سياسية. لكن تجربة العدالة والتنمية كانت مختلفة، فقد تم تمكينهم من الحكم وإن كان جزئيا، وفُسِح لهم المجال للتسيير كي يَفوا بوعودهم للناس، وينزلوا مقاصد الاسلام الضامنة للعدل والإقلاع الاقتصادي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في غير تأثير من قوة المعتقد: هل استطاع المسلمون منذ وفاة نبي الاسلام التأسيس لنظام سياسي مبني على احترام المؤسسات، يُفصل فيه بين السلط وتنعم فيه الشعوب بالحرية والرخاء وتُكرس فيه ثقافة الحقوق؟؟

الجواب البعيد عن احترازات التكفير وغير المكترث بالقداسة المفرطة للتاريخ الإسلامي، هو أن تاريخ المسلمين مليء بالاستبداد السياسي، طافح بالحروب والمجاعات غارق في الطبقية

أصيب إسلامويو الحكومة بفصام حاد بين ما كانوا يعتقدونه من مثاليات وبين صبيب الواقع الجارف. وعوض أن يتسامع الناس عن إنجازات الحزب الاسلامي العتيد، طفت على السطح فضائحهم الجنسية ومغامراتهم الغرامية، ولم يستحيوا من المشاركة في سحق المواطن البسيط.

خير القرون وأفضلها بعد وفاة الرسول قتَّل فيها الصحابة بعضهم بعضا، واستبيحت فيه الحرمات ورُميت فيه الكعبة بالمنجنيق، واستولى فيها الأمويون على مقدرات بلاد الخلافة، ووُضعت فيها أحاديث مخالفة لنص القرآن تُفضل القرشيين على غيرهم وتجعل الخلافة فيهم ما بقي في الناس اثنين… ثم جاء العباسيون ليغذوا أنهار الدماء المسفوحة ويحكموا قبضتهم السياسية بالحديد والنار، لتتفسخ بعدهم الخلافة الى دويلات متناحرة ويعم الفقر والمجاعات ويحصد الطاعون آلاف الأرواح…

كما أن حواضر العالم الاسلامي لم تشهد يوما قضاءً كاملا على الفقر، ولا أفرزت اجتهادات الفقهاء نظاما سياسيا بعيدا عن سطوة الاستبداد ولا رحمت أفئدة المسلمين العبيد والإماء فدعت لتحريم الرق.

ما عرفته بعض إمارات الأندلس من شيوع نوع من النظام والتحضر هو قطرة في محيط من القهر والاستعباد ما فتئت أن تبخرت ليدخل العالم الاسلامي في عصر من الانحطاط، ولم يدرك الهوة السحيقة التي يتلجلج في قاعها إلا بعد الغزو الاستعماري.

بعد كل هذا، ما الذي يعد به الاسلاميون الشعوب المقهورة؟؟! وما نوع النظام السياسي البديل عن الديمقراطية والمؤسسات وكتب السياسة الشرعية لا زالت تتكلم عن الحاكم المتغلب وتأبيده في الحكم وحرمة الخروج عليه وحقه في جلد الظهر ونهب المال!!!

وأي محطة تاريخية كانت بحق واحة للأمن والسلام والاكتفاء الاقتصادي حتى نحاول استنساخها؟

وهل تُساسُ الدول بالأماني والتمائم ورجال الدين؟!

أحلام كثيرة كشفت زيفها الأيام، ووعود معسولة فضح مرارتها القليل من الاطلاع في ظل شيوع وسائل التواصل الاجتماعي، وماضٍ لم يوجدْ ومستقبلٌ لن يوجد إلا في أحلام وردية نسجها الاسلاميون في وعي الشعوب.
لقد وجد وزراء حزب العدالة والتنمية أنفسهم على كراسي السلطة المريحة، وانتقلوا من عالم التقشف والبؤس الى عالم الأضواء، فوجدوا أيديهم صفرا من الحنكة السياسية واللباقة الديبلوماسية ولم يسعفهم إرثهم الدعوي وثقافتهم الدينية لمجاراة عالم سياسي مليء بالمواضعات البرغماتية. أغراهم نعيم المناصب فلم يجدوا بدا من الانبطاح في كل محطة عولت عليهم الجماهير ليدافعوا من خلالها عن حقهم في العيش الكريم…

لقد أصيبوا بفصام حاد بين ما كانوا يعتقدونه من مثاليات وبين صبيب الواقع الجارف. وعوض أن يتسامع الناس عن إنجازات الحزب الاسلامي العتيد، طفت على السطح فضائحهم الجنسية ومغامراتهم الغرامية، ولم يستحيوا من المشاركة في سحق المواطن البسيط.

إن سقوط حزب العدالة والتنمية ليس سقوطا يبرهن على تداول سلمي على السلطة في ظل مناخ ديمقراطي، ولكنه سقوط أقنعة، وسقوط إيديولوجية لطالما كذبت على الناس باسم الدين، وتاجرت بأحلام البسطاء وباعت صكوك الانتماء. إنه صحوة مجتمعية لم يعد ينفع معها لا موعظة ولا سبحة. إنه انتقام لن تُطفئ ناره مغفرة ولا اعتذار من الذين باعوا الوهم للناس.

“قال ليه حزب العدالة والتنمية مات، قال ليه من الخيمة خرج عوج”.

 

مقالات قد تهمك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *