×
×

حسن الحو يكتب: المستقبل في أدبيات الإسلاميين.

كثيرة هي الصور الغائبة عن أتباع الداعين لإقامة دولة الخلافة، لو استحضروها ربما لهالهم حجم الحرمان الذي سيطالهم، لكنه التلقين والدغمائية يحولان دون رؤية الأمور على حقيقتها.

 إن المستقبل المنشود للإسلاميين لن يجد الرحم الذي سيترعرع فيه، وحتى إن وجده… سيولد ميتا لأنه يسير عكس حركة تقدم الحياة والعلوم والمجتمعات، ويجعل الماضي قاضيا وحاكما على المستقبل.

حسن الحو

محاولة الإسلاميين استنساخ تجربة تاريخية فريدة لتعيش الواقع والمستقبل، وتسيطر على العالم في قطبية أحادية مبنية على عقيدة الولاء والبراء، تحمل في ثنايا تصورها استحالة إيجادها، إذ أن أوراق الماضي الأصلية، التي يراد نسخ تيماتها من عدل وعدالة وحرية ورخاء… مفقودة ولا توجد إلا في التاريخ الوجداني للحالمين.

فالحديث عن مستقبل زاهر للحضارة الإسلامية لا يقل وردية وطوباوية عن الحديث حول التاريخ الاسلامي المجيد. كلاهما مجرد أحلام منفصلة عن وقائع الأمور والمسار التقدمي للحياة المعاصرة. أحلام تغذيها الرؤية التقديسية لكل ما له ارتباط بالدين كمكون وجداني منزه عن النقد.

أفضى التقدم العلمي في شتى مجالات الحياة إلى طفرة لا يمكن رتقها بين خرافات العصور الوسطى ومستجدات الحياة العصرية، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يجمع بينهما إلا بترجيح كفة إحداهما على الأخرى، وأية محاولة للتوفيق الكلي بين إفرازات وتصورات عصور ماضية مبينة على الميتافيزيقا ذات الأحكام القيمية المطلقة، وبين مآلات الحياة والعلم الحديث المبني على العقلانية والنسبية، هي كمن يحاول الجمع بين الخريف والصيف تحت سقف واحد، أو بين من يحاول مزج الزيت بالماء.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: الفرق بين العلمانية والإلحاد الرسمي وتأميم الدين

ينطلق تصور الإسلاميين لمستقبلٍ يعوض سلبيات النظريات الحديثة في السياسة والاجتماع والعلوم، من تصور قديم رسخته النظرة الوثوقية الشاملة لنصوص الدين من كونها حاوية لعلوم الدين والدنيا، وصالحة لكل زمان ومكان، ومقاصدها من المرونة والفضفضة بحيث تتجاوز محدودية النص، لتظل كل مستجدات الحياة ومخرجاتها رهينة بالدين، ويظل المستقبل مشدودَ الحبال بأحكام الشريعة. هذا هو الملمح العام للمستقبل الذي يراد للمسلمين إحياؤه: أن ينطلق من عقائد جاهزة وأحكام مطلقة، وأساسيات مبنية على الإيمان والتسليم والغيبي، ومبدأ التحسين والتقبيح الشرعي المثبط للإبداع العقلي، ثم تطبق هذه الرزنامة الشرعية المتكاملة على الحياة والناس والكون، وسنحاول في عجالة بيان أهم ملامح هذا المستقبل الزاهر الذي يَعِدُ به الإسلاميون جموع المسلمين بل وبقية العالم.

–         مستقبل العلوم.

مستقبل العلوم سيكون محكوما بنصوص الوحيين وفتاوى الشيوخ، وستقدم النتائج على البحوث بحيث تبنى على قواعد المعتقد. فلا يمكن النظر في فرع من فروع العلوم بتجرد وموضوعية وجعل البناء العلمي يبني نفسه بنفسه، بل لا بد من تدخل النصوص لتوجيه البحث أو إيقافه بالمرة في حال تصادمه مع آية محكمة أو حديث صحيح. سيُقلب المنهج العلمي رأسا على عقب، وحتى إن ظهر عباقرة كالفارابي، ابن سينا وأبو حيان التوحيدي لكشف مغالطات الكهنوت الديني، سيتم تفسقيهم وتبديعهم كما بُدع أسلافهم من قبل. فمستقبل علوم الفلك والكون لا يمكنها أن تخرج عن نظرية الخلق في ستة أيام لسبع سموات وسبع أراضين، ومركزية الأرض التي احتضنت الخليقة الأولى، وستحتضن مشاهد البعث والقيامة.

فلا يتصور في مستقبل الدولة الإسلامية، أن يُفكر في البحث عن كواكب صالحة للعيش لإعمارها والحياة الدنيا مرتهنة بأرض المعاد، كما لا يحل النظر بعين فاحصة متجردة عن النصوص إلى نظريات تعاقب الأكوان، ونظرية الأكوان المتعددة. فعلوم الفضاء وعمر الكون لا يمكن البحث فيها بحثا استقصائيا عن الحقيقة، بل ينطلق من الحقائق الدينية عن الخلق لرسم حدودٍ للبحث لا تتعدى سقف السماء الأولى. وماعداها غيب مُطوَّق بشواظ من نار ونحاس يصعب مقاربته مقاربة علمية غير منحازة.

اقرأ أيضا: من السويد فاروق سلوم يكتب: الشخصية الدينية النمطية، كما رسمتها الأحزاب والحركات الدينية

ومن الأكيد أن المستقبل، في دولة الخلافة المرتقبة، سيهتم بعلوم البيولوجيا وسيُرخي عليه عباءة الدين ليكون علما دنيويا شرعيا مرضيا، وستدخل أحكام الدين للمختبرات لتحلل وتحرم وتصفي مع الأقماع تجارب الباحثين. ولن يكون العلم مع أمثال الدكتور “إياد قنيبي” في دولة الخلافة تراكميا، تبنى لبناته بعضها فوق بعض في تعديل ونقد مستمر، بل سيتم إزاحة كل ما وصلت إليه البيولوجيا الحديثة المبنية على نظرية التطور لتعويضه بنظرية الخلق، وكل الأبحاث في البيولوجيا التطورية، وما راكمته من أدلة على صحتها، وما بنيت عليه من إنتاجات طبية ودوائية، ليس إلا مؤامرة كونية ماسونية للتألي على الدين وزحزحته لتستنير البيولوجيا من توجيهاته. ستتوقف البيولوجيا في منطلقاتها عند قصة آدم وحواء وكل مستحاثات هوموايركتوس وهوموسابيان وجينات إنسان النياندرتال، التي تشكل نسبة من جينات الأوروبيين وشمال افريقيا، إما أنها كذبة ومؤامرة، أو أمر غيبي لا تدركه العقول، ولله في خلقه شؤون لا تدركها أفهامنا القاصرة.

–   مستقبل المجتمع

المجتمع في مستقبل الدولة الفاضلة سيُحرَّم فيه الحب والموسيقى والفلسفة والمسرح، والشعر فيه مضيعة للوقت، ولئن يمتلئ جوف الشاعر قيحا حتى يقتله خير له من أن يمتلئ شعرا.

وحتى إن لم تحرم هذه الأمور، ستكون مقصلة الشيوخ ومصافيهم جاهزة لقص كل ما يخالف القطعيات واليقينيات، وتصفية كل ما من شأنه أن يزعزع عقائد الناس أو يوجه النصح مباشرة لولاة الأمور، الذين سيتمتعون بمنزلة في أعلى هرم المجتمع، ويحظون بقدسية لا تُنازع فيها أحكامهم، حتى وإن جلدوا الظهر وأخذوا المال واستبدوا بالحكم، فالفتنة تزعزع أركان الخلافة المنتظرة وملعون من يوقظها.

اقرأ أيضا: دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح” 3/3

ولن تُبنى المجتمعات على آخر ما أنتجته نظريات الاجتماع والعمران الإنساني، بل كل ما وصلت إليه المجتمعات في رقيها وتحضرها ونظم عيشها، سيظل في مرتبة أدنى عما عاشه جيل القرن الأول والثاني والثالث الهجري، وكل ماعدا هذه القرون، المشهود لها بالأفضلية، شر متصاعد حتى تقوم قيامة الناس. وسيكون المجتمع في مستقبل الخلافة خاضعا لوصاية الفقهاء الذين سيفتون في كل نازلة وشاردة وواردة…

–   مستقبل الأخلاق

الالتزام الأخلاقي هو ما دعا الشرع إليه ورغب فيه، والأخلاق ثابتة لا تتطور ولا تفسر بنظريات نفسية أو علمية، ولا بعمل الجينات المؤثرة في السلوك، فالخلق الحميد ما أثنى الشارع عليه، والخلق الذميم المنبوذ، ما جاء الشرع بالتنفير منه ومعاقبة المتحلي به.

مستقبل الأخلاق في ظل الخلافة المنشودة، محكوم منذ قرون، بثوابت ومحددات شرعية، ونواهٍ وزواجر، ولتذهب أبحاث علم النفس التطوري وأبحاث الجندر والعابرين جنسيا وتأثير الجينات على الأخلاق إلى الجحيم. فلا صوت سيعلو في مستقبل الخلافة على الاقتداء بأخلاق السلف، التي ستكبح النظر إلى الأخلاق نظرة نسبية تتغير مع البحث والزمن وتطور المجتمعات، بل سيتم تخليق بعض الأفعال التي تجاوزها الزمن، كجهاد الطلب وزواج الصغيرة وبيع الرقيق، باعتبار هذه الأفعال مشروعة وأخلاقية للتنصيص عليها في تشريعات قطعية غير منسوخة.
لو أردنا أن نتتبع تفاصيل الخلافة المزعومة ومستقبلها، سنخرج بصورة قاتمة ربما ستصدم حتى الإسلاميين أنفسهم إذا تمعنوا في حيثياتها بإنصاف، وقارنوها بما يحيوه في دنياهم من رفاهية وتطور. وربما لن يتمنوا تحقق هذه الخلافة إلا من باب خداع الذات والشعارات الجوفاء، لدرء وخز الإيمان الداعي للعمل على إحيائها. فمن سيستسيغ أن تحرق مئات الأبحاث العلمية أو تركن في الأرشيف بدعوى مخالفتها للمعلوم من الدين بالضرورة! ومن سيُوقف أمثال البغدادي وحتى القرضاوي “المعتدل” عن الإفتاء بأن برامج غزو الفضاء مضيعة للجهد والمال، فلا حياة إلا التي نحياها على الأرض، فيها نحيا وفيها نموت ومنها نخرج تارة أخرى.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: البعد الشيطاني للخطاب الديني… أصل الإرهاب والتطرف 3\3

 ومن سيتخيل أن تهمل المتاحف ودور الأوبرا وتحرم سمفونيات موزار وبتهوفن… ومن سيتحمل لجان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهي تصول وتجول لإغلاق المقاهي والتدخل في خصوصيات الناس، ومن سيتخيل أن يتم التحكم في تطبيقات التواصل الاجتماعي لمنع الاختلاط، هذا إن وجدت هذه التطبيقات أصلا، ومن ومن ومن…

كثيرة هي الصور الغائبة عن أتباع الداعين لإقامة دولة الخلافة، لو استحضروها ربما لهالهم حجم الحرمان الذي سيطالهم، لكنه التلقين والدغمائية يحولان دون رؤية الأمور على حقيقتها.

إن المستقبل المنشود للإسلاميين لن يجد الرحم الذي سيترعرع فيه، وحتى إن وجده… سيولد ميتا لأنه يسير عكس حركة تقدم الحياة والعلوم والمجتمعات، ويجعل الماضي قاضيا وحاكما على المستقبل.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *