×
×

حسن الحو: الحجاب والتحرش: من زمن الخلفاء إلى زمن الكبت

هل متشددو اليوم أكثر غيرة من الشرع الذي انتظر سبع عشرة سنة ليفرض الحجاب استجابة لدواع طارئة وتأسيسا لطبقية اجتماعية تفصل بين الحرة والأمة في الملبس تلافيا للتحرش والمضايقات؟ لو كان الدافع أخلاقيا وسدا لكل ما من شأنه إثارة الغرائز والنزوات، فما الفائدة من ستر الحرائر وترك الإماء سافرات متبرجات؟ أوَ ليست الأمة الحسناء الوضيئة تثير الشبق وتدعو للفجور؟؟!

إن الشابة ضحية فيديو التحرش لم تكن من العري كما كانت الإماء في عهد الخلافة الراشدة. ومع ذلك، لم يتعرض لهن المجتمع الاسلامي آنذاك بالذم والتحرش كما يفعل اليوم من يفهم دينه وراثة دون سؤال وتمحيص.

حسن الحو
حسن الحو

ليس غريبا أن ينتشر فيديو التحرش وغيره من فيدوهات الإثارة كانتشار النار في الهشيم بين مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي في مجتمع تكشف إحصائيات محركات البحث العالمية عن انشغالاته التي لا تتجاوز أحزمة السراويل.

الكل يبحثْ… والكل يتوسل في التعليقات إرسال مقطع الفيديو… ظاهرة تكشف عن مراهقة مجتمعٍ بأكمله، وتُزيل القناع عن تفاهة اهتماماته.

لكن الأعجب من هذا هو إصرار بعض مدعي الطهرانية على جعل الضحية متهما، وتحميل الفتاة وزر سلوك همجي، لا لشيء سوى أنها اختارت لباسا يستثير الغرائز حسب زعمهم.

سنطرح مقابل هذا الادعاء الذي يطفو على السطح كالزَّبَد كلما تعرضت فتاة للتحرش والمضايقات، سؤالا سيشكل عصفا ذهنيا لمن أراد إعادة صياغة تصوراته عن تشريعات الدين الاسلامي.

– هل هناك غايات أخلاقية كامنة وراء تشريع الحجاب؟

أم أن هذا التشريع جاء تلبية لسياق اجتماعي اقتضى فرض نوع معين من اللباس؟

بعد مجيء الإسلام، ولمدة سبع عشرة سنة على أرجح أقوال العلماء، لم تهتم آية واحدة أو حديث بلباس النساء، وتُرك لهن حرية التصرف في لباسهن دون توصيات محددة.

لكن، حدثت بعض الوقائع الاجتماعية التي أدت لفرض نوع من اللباس، كان القصد منه تمييز الحرائر عن الإماء كي لا يتعرضن للتحرش من طرف بعض منحرفي المدينة الذين كانوا يجلسون في طرقات النساء للتحرش بهن ومضايقتهن.

قال شيخ الإسلام بن تيمية في مجموع الفتاوى: “والحجابُ مختصٌّ بالحرائر دون الإماء، كما كانت سُنّةُ المؤمنين في زمن النبي وخلفائه: أن الحُرَّةَ تحتَجِبُ، والأَمَة تبرُز”.

جاء في سبب نزول آية الحجاب في تفسير القرطبي، “قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا”: لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن فيَكُفُّ عن معارضتهن من كان عذبا أو شابا ، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار، يظن أنها أَمَة فتصيح به فيذهب فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية بسبب ذلك ، قال معناه الحسن وغيره”.

أخرج الجصاص في أحكام القرآن (5|245): حدثنا عبد الله بن محمد قال، حدثنا الحسن بن أبي الربيع هو الحسن بن يحيى بن الجعد، ثقة قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الحسن إمام البصرة قال: «كن إماء بالمدينة يقال لهن: “كذا وكذا”، يخرُجن فيتعرض بهن السفهاء، فيؤذونهن أي بالغزل. وكانت المرأة الحرة تخرج، فيَحسبون أنها أَمَة، فيتعرضون لها، فيؤذونها. فأمر الله المؤمنات أن {يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن} أنهن حرائر فلا يؤذين.

كم سنحتاج من الزمن لنفهم أن اللباس خصوصية شخصية، وأن الأخلاق لا علاقة لها بما يرتديه الناس، وأن اختيار نوع معين من اللباس ووصفه للمجتمع على أنه اللباس الشرعي المُرتضى حجرٌ على حرية الأفراد، ونوع من التمييز الطبقي والدعاية السياسية؟

ويورد ابن كثير في تفسيره للآية : “كان فساق أهل المدينة يخرجون بالليل فاذا رأوا المرأة عليها جلبابا قالوا : هذه حرة فكفوا عنها، واذا رأوا المرأة ليس عليها جلبابا قالوا : هذه أمة !! فوثبوا عليها!”

الآثار في سبب نزول آية الحجاب كثيرة جدا، كلها تدل على أن هدفها هو التمييز الطبقي بين نساء المجتمع الإسلامي درءً للتحرش والمضايقة، وليس ما يدعيه إسلاميو اليوم من مضامين أخلاقية للباس المرأة وجعله من أبرز شعائر الاسلام وإيلائه أهمية قصوى كرمز للعفة وحسن الأخلاق. لو كان الأمر كما يزعمون، لَسُوِّي في اللباس بين الحرة والأمة التي سمح لها بإبداء أغلب جسدها، فما يهيج الغرائز مشترك بين المرأتين، وربما كانت الجارية أجمل من الحرة.

إن الأمر لا يحتاج نباهة فكرية وذكاء بالغا لإدراك علة الحكم الشرعي البعيد عن الغايات الأخلاقية والدعوة المخترَعة للحشمة للفضيلة، وهذا ما أدركه الصحابة المعاصرون لزمن التشريع، فالخليفة الراشد عمر ابن الخطاب كان إذا رأى أَمَةً مُختَمِرة، ضرَبها وقال: “أتتشبهين بالحرائر؟”؛ وكانت جواريه تخدم ضيوفه شبه عاريات. جاء في سنن البيهقي: “كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَخْدِمْنَنَا كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ تَضْرِبُ ثُدِيّهُنَّ.”  بل كان ابنه عبد الله إذا اشترى جارية كشف عن ساقها ووضع يده بين ثدييها وعلى عجزها”؛ والحديث صححه الألباني في إرواء الغليل.

أما المذاهب الأربعة، فمجمعة على التمييز بين عورة الحرة والأمة:

المذهب الحنفي: الأمة كالرجل في العورة مع ظهرها وبطنها وجنبها.

المذهب المالكي: عورة الأمة هي السوأتان مع الأليتين

المذهب الشافعي: عورة الأمة كالرجل في أصح الأقوال

المذهب الحنبلي: عورة الأمة كالرجل تماما: ما بين السرة والركبة.

قال شيخ الإسلام بن تيمية في مجموع الفتاوى: “والحجابُ مختصٌّ بالحرائر دون الإماء، كما كانت سُنّةُ المؤمنين في زمن النبي وخلفائه: أن الحُرَّةَ تحتَجِبُ، والأَمَة تبرُز”.

لو كان الأمر كما يزعمون، لَسُوِّي في اللباس بين الحرة والأمة التي سمح لها بإبداء أغلب جسدها، فما يهيج الغرائز مشترك بين المرأتين، وربما كانت الجارية أجمل من الحرة

فهل متشددو اليوم أكثر غيرة من الشرع الذي انتظر سبع عشرة سنة ليفرض الحجاب استجابة لدواع طارئة وتأسيسا لطبقية اجتماعية تفصل بين الحرة والأمة في الملبس تلافيا للتحرش والمضايقات؟ لو كان الدافع أخلاقيا وسدا لكل ما من شأنه إثارة الغرائز والنزوات، فما الفائدة من ستر الحرائر وترك الإماء سافرات متبرجات؟ أوَ ليست الأمة الحسناء الوضيئة تثير الشبق وتدعو للفجور؟؟!

إن الشابة ضحية فيديو التحرش لم تكن من العري كما كانت الإماء في عهد الخلافة الراشدة. ومع ذلك، لم يتعرض لهن المجتمع الاسلامي آنذاك بالذم والتحرش كما يفعل اليوم من يفهم دينه وراثة دون سؤال وتمحيص.

فكم سنحتاج من الزمن لنفهم أن اللباس خصوصية شخصية، وأن الأخلاق لا علاقة لها بما يرتديه الناس، وأن اختيار نوع معين من اللباس ووصفه للمجتمع على أنه اللباس الشرعي المُرتضى حجرٌ على حرية الأفراد، ونوع من التمييز الطبقي والدعاية السياسية؟

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *