×
×

من تونس، مريم أولاد الشايب تروي حكاية ضحية للعنف الجنسي

لأنّ اسم “مريم” ذو رمزية تذهب بنا نحو صورة “العذراء مريم” ولأنّ المجتمع الذكوري “ماهر” في ممارسة العنف الجنسي، ولأنّ الضحية لا تحيل بالضرورة على الشقفة والغبن، قررت مريم التكلم وقررنا تقاسم تجاربها.
كلماتها مرآتها… ومرآتها مرايانا… وانعكاس الضوء يطال الجميع…

ذاكرة مشوشة، بعضها قرّر الانسحاب وبعضها مشوه والبعض الآخر يبدو أنّه يصطنع تفاصيل ترضي لحظات الحاضر. عن ذاكرة طفلة الخمس سنوات نتحدث.

اسمها مريم (اسم مستعار). نشأت في بيئة اجتماعيّة هجينة  ليست بمحافظة كليّا ولا متفتحة كليّا.

تتميّز أمّها بروح نقيّة وبساطة مذهلة. والدها الذي حُرم من التعليم يتميّز بالرصانة والكتمان والإيمان الشديد بقيمة التعليم.

أمضت مريم معظم أوقاتها، إلى حدود سن الخامسة والعشرين،  في بيت جديها بإحدى ضواحي عاصمة تونس. حظيت  بحب الجميع لخفة روحها وذكائها وقدرتها على كسب القلوب. كانت متميزة في دراستها. وسرعان ما مضت تخطو قدما في طريق شديد الاختلاف عن بيئتها الضيقة وعن الثقافة الاجتماعيّة السائدة.

عندما كانت أمي تحممني، لاحظت احمرار تلك المنطقة. اكفهر وجهها ونظرت إلي بغضب كبير وكأني ارتكبت جرما، ثم أرسلتني بمفردي إلى جارتنا لأخبرها عن فعل ابنتها. ذهبت باكية، طرقت الباب، فتحت الجارة… وانمحت ذاكرتي فجأة عند تلك اللحظة

لعلّ تفرّد مريم نابع من تلك اللحظات العسيرة التي لم تمرّ مرور الكرام والتي نتخطاها، ظاهريا، بسلامة.

نتحدث عن لحظات “عنف جنسي” بما تحمله هذه العبارة من ثقل أخلاقي وغض بصر اجتماعي وتعاطف مزيف غالبا ما يلقي بوزره على الضحية.

سنعود من خلال هذه الحكاية إلى محطات حياة ساهمت ولازالت في نحت “مريم الإنسان”.

تعود بنا الذاكرة إلى عام 2000. تحكي مريم: “في يوم صيف شديد الحرارة، مكثت عند جارتنا أنتظر عودة أمي من العمل. كانت ابنتها الكبرى تتلمس بريبة  كبيرة بعض المناطق من جسدي الصغير… كانت تتلمس تحديدا فرجي. لم أكن أفهم ما تقوم به… مساء ذلك اليوم، عندما كانت أمي تحممني، لاحظت احمرار تلك المنطقة. اكفهر وجهها ونظرت إلي بغضب كبير وكأني ارتكبت جرما، ثم أرسلتني بمفردي إلى جارتنا لأخبرها عن فعل ابنتها. ذهبت باكية، طرقت الباب، فتحت الجارة… وانمحت ذاكرتي فجأة عند تلك اللحظة”.

رغم مضي سنوات على الحادثة، إلاّ أنّ مريم كانت تستعيدها بمرارة. أكثر ما لفت انتباهنا عند محاورتها هو شعورها بالامتعاض من مواجهتها الموقف وجها لوجه بطلب من أمها دون رأفة: “كان  يتملكني شعور بالغضب إزاء أمّي… كيف لها أن تفعل بي ذلك ؟! لكن، مع مرور الوقت، سامحتها… فهي امرأة بسيطة وطيبة”.

مرّت سنوات دون ذكريات دقيقة تميّزها. ها هي الآن في سن الثامنة عشر، وهي سن اجتياز امتحان الباكلوريا. إلى حدود هذا السن، لم تخض مريم تجارب عاطفيّة ولا جنسيّة ولم تكن حتى تفهم تلك الايحاءات التي تعتبر تحرشا جنسيا لفظيا.

نجحت كعادتها في الاختبار والتحقت بحياة الكبار، بالجامعة. “لم أبحث عن التغيير. حافظت على معيشي اليومي مع تعديل بسيط يتعلّق بوسائل النقل التي لطالما عانيت فيها من العنف بأنواعه“.

سنوات تبدو فيها الحياة روتينية. بين الدراسة والتطوّع لمساعدة الآخرين-ات… لم يكن يشغل مريم سوى تحقيق حلمها في أن تصبح محامية.

رغم مضي سنوات على الحادثة، إلاّ أنّ مريم كانت تستعيدها بمرارة. أكثر ما لفت انتباهنا عند محاورتها هو شعورها بالامتعاض من مواجهتها الموقف وجها لوجه بطلب من أمها دون رأفة

في السنة الثانية من دراستها الجامعيّة، تعرّفت على شاب يكبرها سنا ويفوقها تجربة. وها هي تكتشف عن قرب المعايير النمطيّة للعلاقة العاطفيّة: وصاية ذكوريّة مفترسة، غيرة تخفي خوفا من عدم القدرة على السيطرة ومحاولات إيقاع جنسي باسم الحب.

” كنت أعي جيدا أنها علاقة عابرة… ومع ذلك، فقد أرهقتني!”

مرت تجربتها هذه برشاقة حتى أنّها تصنفها في مرتبة متدنية في سلم الخطورة.

بعد حوالي سنة، تحديدا عام 2012، تلقت مريم طلب صداقة على الفايسبوك من شخص ثلاثيني سنسميه “ماهر”.  كان يشتغل بإحدى الدول الأوروبية. “ادّعى أن أمه متوفاة، وأنه منبوذ من العائلة وبدون سند. أشفقت عليه وحاولت قبول صداقته رغم أنّي لم أكن أرغب بذلك كثيرا.  ظننت أنّي أستطيع التخفيف من عبء مشاكله كصديقة لا غير!”. ربما كانت مريم  تعاني من متلازمة المنقذ أو تبحث عن تعويض ما.

بصعوبة كبيرة ونفس متقطع كاد يتوقف تروي لنا: “في أحد الأيام، رافقته إلى البيت لأخذ محفظته. كنت أنتظره في قاعة الجلوس وفجأة اتجه نحوي وأخذ يمسكني بقوة، نزع جزء من ملابسي… في دهشة، دفعته قائلة لنفسي: “عليك التعامل مع المسألة برصانة”. فضلت عدم الصراخ أو الهروب، وحاولت أن أتصرف بسلاسة. لم أنجح في ذلك بالكامل، فقد شعرت برضوض على مستوى الكتفين وألم طفيف على مستوى الجانب الأيسر من الحوض”.

” كنت أعي جيدا أنها علاقة عابرة… ومع ذلك، فقد أرهقتني!”

طوال هذه الشهادة، لم تذكر مريم ولو لمرّة كلمة اغتصاب أو محاولة اغتصاب. في سؤالنا عن ذلك، قالت: “لم أكن أدرك حينها أنّي تعرضت لمحاولة اغتصاب. تصوّري أنّي أدركت ذلك بعد مرور خمس سنوات ! لحظة الوعي، عاودت معايشة الحادثة”.

رغم تعرّض مريم للعنف الجنسي بعد هذه الحادثة، إلاّ أنّها اختارت التوقف عند هذا الحدّ  قائلة :

” أكتفي بهذا القدر، قررت التكلم، أولاّ لأنني اعتبر ذلك خطوة مهمة في مسار المصالحة مع الذات والبناء، وثانيا  لكسر حاجز الصمت إزاء العنف الجنسي”.

ولأنّ اسم “مريم” ذو رمزية تذهب بنا نحو صورة “العذراء مريم” ولأنّ المجتمع الذكوري “ماهر” في ممارسة العنف الجنسي، ولأنّ الضحية لا تحيل بالضرورة على الشقفة والغبن، قررت مريم التكلم وقررنا تقاسم تجاربها.

كلماتها مرآتها… ومرآتها مرايانا… وانعكاس الضوء يطال الجميع!

وأخيرا نقول: لا يجيد كتابة الألم إلا من عايشه / عاشه…

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *