×
×

“محنة خلق القرآن”… هكذا استغل المأمون خلافا عقائديا ليكبح نفوذ الفقهاء ويردهم إلى سلطته 2/2

بعدما رأى المأمون، كما تابعنا في الجزء الأول، أن تيارا من الفقهاء يتعاظم نفوذه قد أخذ يصنع عقيدة العامة، على نحو جعله الممثل الشرعي للدين والسنة، لجأ (المأمون) إلى خلاف عقائدي يعرف بـ”خلق القرآن” ليرد أولئك الفقهاء إلى سلطته.

في هذا الجزء الثاني، نرى كيف امتحنهم وما الذي كابدوه في تلك المحنة، ثم كيف كانت نهايتها.

كتب المأمون، الذي كان يحكم من خراسان، إلى إسحاق بن إبراهيم، صاحب الشرطة ببغداد، يطلب منه أن يمتحن القضاة والفقهاء والمحدثين.

الذي يفهم من كتاب المأمون، بالاقتصار على ظاهر النص، يدخل في باب “الاجتهاد في إقامة دين الله”، يقول فهمي جدعان[1].

اقرأ أيضا: الوجه الآخر للخلفاء العباسيين… الاهتمام بالعلوم والمعارف وترجمتها إلى اللغة العربية 4/3

لاحظ الخليفة أن هناك من ساووا بين الله وما أنزل من القرآن، إذ اعتبروا الأخير “قديما أولا لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه”.

لكن البعض يرى أن المأمون، بوصفه، حسب زعم العباسيين، خليفة الله في الأرض، أراد من خفض قداسة القرآن، أن يمنح لنفسه قدرة التصرف به، ونسخ بعض نصوصه وإضافة أخرى بحرية غير مقيدة.

ما حدث كان أن السياسي لم يتوسل بالسياسي للإجهاز على قوة الديني الموازية وردها إلى الطاعة، إنما توسل بالديني نفسه من أجل ذلك… كان ذلك حفظا لماء الوجه الشرعي للخلافة، بعدما كان الديني قد نفذ في الإطار الاجتماعي القائم.

حين قرأ إسحاق بن إبراهيم كتاب المأمون على فريق من الفقهاء والقضاة والمحدثين، وكان من بينهم أحمد بن حنبل، امتحنهم واحدا واحدا، فاستجاب له البعض، فيما ألح البعض الآخر على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

باختصار، من قال بخلق القرآن خلى سبيله، ومن أصر على غير ذلك، اعتقله. كان هذا مصير ابن حنبل، الذي لم يكن قد عظم شأنا يومها، إضافة إلى رجل آخر يدعى محمد بن نوح… ثم بعث صاحب الشرطة إلى المأمون يخبره بتطورات المحنة.

بحسب تاريخ الطبري، فإن المأمون طلب نفيهم إلى طرطوس (مدينة سورية) ليقيموا بها، وجاء في “البداية والنهاية” لابن كثير، أنهم حين خرجوا وصاروا إلى الرقة (مدينة سورية)، بلغتهم وفاة المأمون فأذنت لهم العودة إلى بغداد.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”… عن خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/1

هذه المحنة، بالمناسبة، لم تقتصر على فقهاء بغداد، إنما طالت أيضا بلادا أخرى من الدولة الإسلامية، كدمشق والكوفة ومصر.

لكن المأمون قبل وفاته كان قد أوصى، وفق بعض المراجع، أخاه المعتصم، بمواصلة امتحان الفقهاء في قضية القرآن دون تردد أو رحمة.

هكذا، استمرت المحنة طوال خلافة المعتصم ومن بعده الواثق، حتى جاء عهد المتوكل، الذي أوقف جدال القول بخلق القرآن، عائدا إلى اعتناق مذهب أهل السنة والحديث، وفق عدد من المراجع.

يرى البعض أن المأمون، بوصفه، حسب زعم العباسيين، خليفة الله في الأرض، أراد من خفض قداسة القرآن، أن يمنح لنفسه قدرة التصرف به، ونسخ بعض نصوصه وإضافة أخرى بحرية غير مقيدة.

غير أنه، إذا كان البعض يصر على أن المأمون كان معتزلي الهوى، والمعتزلة كانوا قد كُفّروا من غالبية الفقهاء يومها، فإن فهمي جدعان يتساءل هنا، إن كان المأمون معتزليا حقا أم أنه استغل الأمر لأهداف سياسية.

مرد ذلك إلى أن المعتزلة لم ينفردوا بقول خلق القرآن؛ فضلا عن أن المأمون لم يأخذ بمبدأ مركزي من مبادئ المعتزلة… وهو العدل.

أيا يكن، فالبعض يقول إن الخليفة لم يكن يريد بما أتاه سوى تخفيف نفوذ الفقهاء الذي يتعاظم يوما بعد آخر داخل الدولة… فالمأمون، يقول السيوطي في “تاريخ الخلفاء”: “كان أفضل رجال بني العباس… لولا ما أتاه من محنة الناس بخلق القرآن”.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: البعد الشيطاني* للخطاب الديني 1\3

السؤال الحقيقي هنا: هل كل ما عانت منه الدولة الإسلامية في العصر العباسي كان قد حُلّ، فلم تظل إلا مسألة القرآن أهو مخلوق أم قديم؟

يخلص فهمي جدعان إلى أن…

ما حدث كان أن السياسي لم يتوسل بالسياسي للإجهاز على قوة الديني الموازية وردها إلى الطاعة، إنما توسل بالديني نفسه من أجل ذلك… كان ذلك حفظا لماء الوجه الشرعي للخلافة، بعدما كان الديني قد نفذ في الإطار الاجتماعي القائم.

لقراءة الجزء الأول: المأمون و”محنة خلق القرآن”… صورة عباسية أخرى لاستغلال الديني في السياسي! 2/1


[1]  عن كتابه: “المحنة… بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام”.
تعليقات

  1. الحسين حلوي

    موضوع في غاية الا همية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *