×
×

جريمة الاغتصاب: هذا ما ينص عليه القانون الجنائي المغربي، فهل يهدف إلى حماية المرأة قبل وقوع الجريمة أم بعدها؟ 3/2

بعدما تابعنا في الجزء الأول، تعريف جريمة الاغتصاب، بعض الأرقام المسجلة عنها في المغرب، وكذا بعض أسبابها… في هذا الجزء الثاني، نواصل الملف، مع المشرع المغربي والمقتضيات التي نص عليها في القانون الجنائي عن جريمة الاغتصاب، ثم نجيب عن سؤال ما إذا كان يهدف من ذلك إلى حماية المرأة قبل وقوعها ضحية للجريمة أو بعدها.

ماذا يقول القانون المغربي؟

تعد جريمة الاغتصاب في القانون المغربي من الجرائم الماسة بالآداب العامة، وهي بالتالي، جريمة تمس بالأخلاق من جهة، وبالمجتمع من جهة أخرى.

في القانون المغربي، لا يقع الاغتصاب إلا من رجل على امرأة. أما إذا أكرهت امرأة رجلا على مواقعتها، فلا تعد مغتصبة له، إنما هاتكة لعرضه، وتلك جريمة أخرى.

يشير العلامة أحمد الخمليشي، في كتابه القانون الجنائي الخاص، إلى أن الركن المادي لجريمة هتك العرض يتمثل في ملامسة الأماكن الجنسية ولا يفترض فعلا جنسيا، ومن ثم، فإن الرجل في هذه الحالة قد يكون مجنيا عليه أيضا.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: خدعوك فقالوا: الغرب متقدم مادياً، لكننا متقدمون أخلاقياً!

بالمقابل، يقوم الركن المادي لجريمة الاغتصاب حصرا على إيلاج الرجل لكل أو بعض عضوه التناسلي في عضو المرأة التناسلي، دون رضاها.

وفق هذا الأساس إذن، يعد عنصر عدم الرضا أساسيا لقيام جريمة الاغتصاب، فهو الذي يميز بينها وبين جرائم أخرى كالفساد والخيانة الزوجية مثلا.

حسب الخمليشي، ينتفي رضى المرأة متى قامت بالفعل الجنسي بغير مساهمة إرادية في تنفيذه.

يشدد القانون العقوبة على مرتكب جريمة الاغتصاب، إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة عليها، أو وصيا عليها أو خادما بالأجرة عندها، أو عند أحد من الأشخاص السالفة ذكرهم، أو كان موظفا دينيا أو رئيسا دينيا، وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص أو بعدة أشخاص.

ويمكن أن يحدث ذلك بطرق عدة؛ على سبيل المثال، بالإكراه المادي باستعمال العنف أو التهديد باستعماله، بالإكراه المعنوي كالتهديد بإفشاء سر أو إلحاق أذى بأحد الأقارب، بفقدان المرأة للإدراك والتمييز، باستعمال وسائل احتيالية كمواقعة المرأة بعد تهييئها في وضع ملائم كعملية تدليك أو كشف طبي وما إلى ذلك.

ويشير أستاذ القانون الخاص بجامعة الحسن الثاني، عبد الواحد العلمي، في كتابه “شرح القانون الجنائي المغربي”، إلى أن الذي يواقع امرأة على أساس ظنه بأنها زوجته في حين أنها ليست كذلك، لا يقوم القصد الجنائي لديه ولا يعتبر مرتكبا لجريمة الاغتصاب، أو مثلا إذا كان الذي أتى الفعل مجبرا على ذلك بسبب تهديده بالقتل من طرف شخص ثالث إن هو لم يواقع المرأة المقصودة من طرف المكره.

اقرأ أيضا: 8 مارس، ماذا تحققَ على صعيدِ الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص…؟

ويقصد بالقصد الجنائي، أن يكون الجاني، على علم وإدراك بما يقوم به من أفعال معاقب عليها بقوة القانون. ويعد القصد الجنائي هنا ركنا معنويا تقوم عليه هذه الجريمة.

العقوبات والجهود الحمائية

ينص الفصل 486 من القانون الجنائي المغربي على كون الاغتصاب جريمة يعاقب عليها بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، غير أنه إذا كان سن الضحية يقل عن ثمان عشرة سنة أو كانت عاجزة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حاملا، فإن الجاني “يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة”.

الفصل 487 من ذات القانون، يشدد العقوبة على مرتكب جريمة الاغتصاب، إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة عليها، أو وصيا عليها أو خادما بالأجرة عندها، أو عند أحد من الأشخاص السالفة ذكرهم، أو كان موظفا دينيا أو رئيسا دينيا، وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص أو بعدة أشخاص.

ألغى المشرع المغربي سنة 2014 الفقرة الأخيرة من الفصل 475 من القانون الجنائي التي كانت تعفي الجاني “المغتصب” من عقوبة الحبس في حال زواجه من المجني عليها.

هذه الحالات أوردها النص على سبيل الحصر لا المثال، والمتوفرة فيه إحدى هذه الصفات، يعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى ثلاثين سنة. نفس التشديد نجده في الفصل الذي يليه، إذا صاحب الاغتصاب افتضاضٌ لغشاء بكارة المجني عليها.

اقرأ أيضا: المرأة “الزوجة” في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام… 3/1

لكن السؤال المطروح هنا، هل يهدف المشرع بهذه المقتضيات إلى حماية المرأة قبل ارتكاب جريمة الاغتصاب أو بعدها؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالقول إن القانون كان سابقا يحمي المرأة من الاغتصاب قبل ارتكاب الجريمة، لكن البرلمان المغربي صادق مؤخرا على قانون مكافحة العنف ضد النساء (صدر في الجريدة الرسمية)، والذي حمل في طياته تحديدا مفاهيميا ومقتضيات زجرية، وتدابير وقائية ومبادرات حمائية لحماية المرأة من كافة مظاهر العنف، بما فيها جريمة الاغتصاب قبل وبعد ارتكابها.

جدير بالذكر أن المشرع المغربي ألغى سنة 2014 الفقرة الأخيرة من الفصل 475 من القانون الجنائي التي كانت تعفي الجاني “المغتصب” من عقوبة الحبس في حال زواجه من المجني عليها. وقد جاء هذا الإلغاء، بعد مسيرة نضال طويلة خاضتها الحركات الحقوقية بالمغرب، زاد من حدتها، انتحار الفتاة “أمينة الفيلالي” سنة 2012، عقب تزويجها بمغتصبها.

اقرأ أيضا: على هامش قضية “راقي بركان”: ملف “الرقية الشرعية” في مرمى الجدل مرة أخرى…

تجب الإشارة أيضا إلى أن جريمة الاغتصاب التي تطال القاصرات تصدرت النقاش العمومي في الآونة الأخيرة بالمغرب، إذ طالبت بعض الأصوات بتشديد العقوبات، فيما ذهبت أصوات أخرى حد المطالبة بإخصاء الجناة، أو تنفيذ عقوبة الإعدام في حقهم، وهو ما كان قد ذهب الفقه فيه سابقا.

في الجزء الثالث نتابع قول الفقه في جريمة الاغتصاب، ثم نختم الملف ببعض عواقب هذه الجريمة، كحرمان الطفل من النسب فيما قبل وتدارك المشرع لذلك في مدونة الأسرة.

لقراءة الجزء الأول: جريمة الاغتصاب… بين “الحشومة” والعقوبات القانونية التي لا تكبح جماح الجناة! 3/1

لقراءة الجزء الثالث: جريمة الاغتصاب: كيف يحمي القانون المغربي الطفل الناتج عن الاغتصاب؟ 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *