×
×

في ذكرى وفاتها الـ15: الشعيبية طلال… حلم عصامي امتطى صهوة التشكيل المغربي إلى العالمية 2/1

في هذا البورتريه، تتذكر “مرايانا” امرأة صنعت نفسها من لا شيء لتحلق بعد ذلك بالفن التشكيلي المغربي إلى العالمية، وتصبح إحدى أشهر الفنانين التشكيليين، لا في المغرب وحده، بل في العالم أيضا… امرأة اسمها الشعيبية طلال.

بسيطة. عصامية. يرتوي وشم أخضر أسفل ثغرها من بسمتها. لا تتخلى عن عصابة رأسها، ولا عن لباسها التقليدي المغربي.

فتاةً صغيرةً تزوجت. أنجبت فنانا، ثم مات الزوج لتبدأ رحلة الأم الأرملة وهي تطرق باب شبابها خادمة في البيوت نهارا، ثم فيما بعد، رسامة في بيتها ليلا.

الحلم، قد تحققه صدفة، لكن أيضا، الإيمان والالتزام والتصميم.

صحيح أن هذا الحلم عصامي، لكنه بأجنحتها امتطى صهوة الفن التشكيلي المغربي إلى العالمية. في هذا البورتريه، نكتشف بعضا من سيرة امرأة المعجزات. امرأة أصبحت شيئا من لا شيء. امرأة اسمها الشعيبية طلال.

طفولة بألوان الفرح والقسوة

بـ “اشتوكة” نواحي أزمور، فتحت الشعيبية طلال عينيها أول مرة، في يوم ما من سنة 1929. وأزمور هذه حينذاك، قرية تضج بالألوان. ألوان ستطبع ذاكرة وشعور الشعيبية إلى سنوات بعيدة.

ككل فتاة من بنات جيلها، لم تحظ الشعيبية بفرصة التعلم أو التمدرس. لم تكد تبلغ الشعيبية سن السابعة، حتى غادرت منزل الأسرة بأزمور للعيش عند عم لها بالدار البيضاء. ثم مع بلوغها سن الثالثة عشر، سرقت منها طفولتها، إذ زوجت برجل طاعن في السن من ورزازات، أنجبت منه وحيدها، الحسين طلال.

اقرأ أيضا: كريمة أحداد: “بنات الصبار” محاكمة للعقلية الذكورية

الزوج سيتوفى بعد سنتين ليترك الشعيبية أما وأرملة منذ باكر العمر؛ ما اضطرت معه إلى العمل خادمة في البيوت من أجل تربية ابنها والإنفاق عليه… ابنها الذي، منذ دخوله إلى المدرسة، بدأ الرسم يشغف قلبه، فصار هو أيضا مع تعاقب السنين، فنانا تشكيليا.

لم تكن خربشات الشعيبية مألوفة، ولم تكن متأكدة من أنها لوحات نفاذة إلى القلوب، لكنها حين كشفت عنها مصادفة لناقد الفرنسي زار ابنها أواسط الستينيات، اكتشف أنه يقف أمام فنانة “نابغة”.

تتحدث الشعيبية عن طفولتها في حوار لها مع عالمة الاجتماع المغربية، فاطمة المرنيسي، فتقول: “اعلمي أني منذ الطفولة كنت غريبة الأطوار. لقد كنت أصنع من الزهور تيجانا أضعها فوق رأسي، وهذا ما لم يتعود على فعله أطفال “اشتوكة”، فكانوا ينعتونني بـ”المصطية” (المجنونة). كنت فعلا مجنونة بشقائق النعمان والأقحوان”.

تضيف الشعيبية تتحدث عن طفولتها النزقة: “كنت أبدو لهم غريبة، لكن هذا لم يمنعني من الاستمرار في أن أغطي معظم جسمي بالزهور. (…) حاولت أسرتي أن توقف هذا الأمر فكانوا يضربونني وكنت أهرب منهم وأختبئ داخل كوم التبن. لعلك لا تعرفين ماذا يعني أن تختبئي داخل التبن عندما تمطر السماء، كل هذا تجدينه في لوحاتي”.

اقرأ أيضا: في العبقرية: ما كنه هذا السر الغامض الذي يسمى عبقرية؟ 1\2

الحلم قد تحققه صدفة أيضا

الشعيبية طلال وابنها الحسين طلال

رأت الشعيبية حلما وهي في سن الـ25. رأت فيه نفسها تحت زرقة السماء بأشرعة تدور وبغرباء يقتربون منها يقدمون لها أوراقا وفرشاة. لم تنتظر كثيرا، مع باكر الصباح سارعت الشعيبية إلى شراء دهان أزرق يستخدم لطلاء الأبواب الخشبية، وراحت ترسم ما يجود به خيالها.

اشترت بعد ذلك صبغات مائية ولوحات، فصارت خادمة بيوت في النهار، ورسامة في بيتها الصغير ليلا. في هذا الجو سينشأ ابنها الحسين طلال، ليصير تشكيليا هو الآخر، وربما أيضا، ليفتح باب الصدف لأمه!

في يوم من الأيام، كما جرى أن تبدأ الحكايات، جاء ناقد فرنسي اسمه بيير غوديبير، رفقة التشكيليين المغربيين، أحمد الشرقاوي وأندريه الباز، إلى منزل الشعيبية. جاء في الواقع للاطلاع على أعمال الابن، الحسين طلال، الذي كان قد شق طريقه فنانا تشكيليا.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: موكب من نوع خاص جدا

لمرح وخفة روح الشعيبية وربما للصدفة التي شاءت أن تعلن بداية مسارها، أخبرت الناقد الفرنسي بأنها ترسم أيضا!

لم تكن خربشات الشعيبية مألوفة، ولم تكن متأكدة من أنها لوحات نفاذة إلى القلوب. حين كشفت عنها للناقد الفرنسي، انبهر أيما انبهار إذ اكتشف أنه يقف أمام فنانة “نابغة”. منذ تلك اللحظة، آمن بموهبتها وقدم لها يد العون، فانقلبت حياة الشعيبية رأسا على عقب، لتنظم معرضها الأول سنة 1966 بالدار البيضاء.

مع ذلك، رُفضت الشعيبية طلال من طرف تشكيليين مغاربة. فلماذا كافؤوا لوحاتها بكثير من التقليل؟ وكيف استطاعت أن تتجاوزهم إلى العالمية حد أن تهرب البعض من إقامة معارض مشتركة رفقتها؟ أسئلة من بين أخرى، نجيب عنها في الجزء الثاني من هذا البورتريه.

لقراءة الجزء الثاني: الشعيبية طلال… لاموني اللي غاروا مني؟ 2/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *