×
×

الشعيبية طلال… لاموني اللي غاروا مني؟ 2/2

رأينا في الجزء الأول من هذا البورتريه، أن الشغف والصدفة قادا الشعيبية طلال إلى الإعلان عن موهبة دفينة، موهبة الرسم. ومع أنها عصامية، ومع أن تجربتها قوبلت بكثير من الترحيب عالميا، فقد رُفضت الشعيبية طلال من طرف تشكيليين مغاربة. فلماذا كافؤوا لوحاتها بكثير من التقليل؟ وكيف استطاعت أن تتجاوزهم إلى العالمية حد أن تهرّب البعض من إقامة معارض مشتركة رفقتها؟

الرفض من تشكيليين مغاربة!

قوبلت تجربة الشعيبية طلال، إلى جانب بعض الفنانين الفطريين الآخرين، بالرفض من قبل المؤسسين الأوائل لحداثة التشكيل المغربي، مثل فريد بلكاهية ومحمد القاسمي ومحمد شبعة وغيرهم.

هؤلاء كانوا ينضوون تحت لواء مجموعة “الدار البيضاء 65″، وانتقدوا الاهتمام المفرط بالفن الفطري ومحاباته من قبل الغرب، كما اعتبروا أن عقلية استعمارية تقف وراء ذلك، تريد أن تجعل من المغرب منتجا للبدائي والساذج، بل وعاجزا عن تأسيس تجربة حداثية تعبر عن هويته وخصوصيته.

يوضح التشكيلي المغربي محمد شبعة هذا الرفض، فيقول: “إن الرفض الذي كنا نطرحه بخصوص الفن الفطري، كنا نسعى من خلاله إلى الحفاظ على الخصوصية الثقافية المحلية والإفريقية”[1].

اقرأ أيضا: ثريا الشاوي: أصغر وأول قائدة طائرة في المغرب، إفريقيا والعالم العربي! 1\3

بجانبه، رأى التشكيلي المغربي فريد بلكاهية، أن الفن الفطري، “شكل من أشكال التعبير العاجز عن التطور والنمو على المستويين الجمالي والروحي، وهو بهذا لا يمكن أن يغير أو يعمق بحثه، لعدم وجود معاناة فنية وهم يحملانه ويعاني منهما”[2].

لعل بعض التشكيليين المغاربة كانوا في الحقيقة يهابون ما بلغته الشعيبية من عالمية ومن نفوذ إلى قلوب الناس، فكانوا لا يرحبون بفكرة القيام بمعارض جماعية تجمع بين لوحاتهم ولوحاتها؛ فالشعيبية، بكلمة، كانت لا تُزاحَم.

بالمقابل، رأى آخرون أن هذا الرفض يعد انزياحا عن المعقول، ذلك أن الشعيبية أسهمت بفرشاتها في تأسيس حداثة الفن التشكيلي المغربي هي الأخرى، وإن على نحو مختلف عن المدارس السائدة، ثم إنها، على الأقل، اعتمدت على موهبتها الفطرية وعلى خيالها الدافق، بينما استمدوا هم تجاربهم من مدارس الفن الأوروبية.

تقول عالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي في رسالة تودع فيها الشعيبية طلال بعد وفاتها: “مثلك عزيزتي الشعيبة ومثل أمي أو ابنة خالتي، وجدتن أنفسكن ممنوعات من الإقامة في فضاءات الإبداع، غير أنك، عزيزتي الشعيبية، اخترت هذه الرحلة بالذات لتدخلي المشهد، مخلخلة السيناريوهات وأصحابها، مزعجة الممثلين والملقنين، ومعيدة إظهار سراب الجمال طبقا لقانونك الخاص، قانون الموهبة اللامعة”.

اقرأ أيضا: هؤلاء 6 نساء بصمن تاريخ الكتابة الأدبية في المغرب 1\3

رغم ذلك… عانقت العالمية

من لوحات الشعيبية طلال

عصامية الشعيبية لا تعني أنها لم تكن تعرف ماذا تفعل. يقول التشكيلي المغربي، أحمد جاريد إن الشعيبية كانت على دراية تامة بشخوص رسومها، مضيفا: “كانت تلقائية في أعمالها التعبيرية التي تتميز بخيال متدفق وخلاق، وميلها للطفولة جعلها تتخذ الرسم مثل لعبة، فالوجوه الفرحة أو الحزينة تملأ لوحاتها، وإن كنا لا نعرف من هم أصحابها، فإن الشعيبية تعرف جيدا من هم”[3].

في الواقع، تؤكد الشعيبية ذلك، بقولها: “أنا أكرر ولكن هذا مهم مثل رسوماتي وألواني. أنا ملونة في الأصل، وألواني ترمز للحياة والطبيعة. أنا أرسم مشاهد من الحياة العادية وكذلك مواقف غريبة، ورسوماتي تجعلني سعيدة”.

تعد الشعيبية بحسب عدد من النقاد، رائدة للفن التشكيلي المعاصر بالمغرب، بل ومدخلا أساسا له، ثم إنها من أوائل من اقتحموا المتاحف الدولية وصالات العرض في العالم. الشعيبية منذ أول معرض لها سنة 1966، عكفت على عرض لوحاتها في مدن عالمية عدة، مثل كوبنهاغن عام 1969، وإيبيزا عام 1974، وباريس في العام ذاته. وهذا غيض من فيض.

اقرأ أيضا: محمد الحياني: في ذكرى رحيله، مرايانا تستحضر تفاصيل مسيرة أيقونة الأغنية المغربية 2/1

أعمال هذه المرأة البسيطة التي يزين وشم بدوي أخضر أسفل ذقنها، والتي لم تتخلّ للحظة عن عصابة رأسها ولباسها التقليدي ولو أثناء عرض لوحاتها، توجد حاليا ضمن المجموعات الفنية لدى عدد كبير من المنظمات الدولية والمتاحف الشهيرة وكبار مقتني اللوحات في العالم.

لعل بعض التشكيليين المغاربة كانوا في الحقيقة يهابون ما بلغته الشعيبية من عالمية ومن نفوذ إلى قلوب الناس، فكانوا لا يرحبون بفكرة القيام بمعارض جماعية تجمع بين لوحاتهم ولوحاتها؛ فالشعيبية، بكلمة، كانت لا تُزاحَم.

في ذلك يقول التشكيلي المغربي، عبد الله الحريري: “كانت بحال السبع كاتبيع كل لوحاتها، وكانبقاو حنا نتفرجو”[4].

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: Amazing Morocco!

نظير ما قدمته للفن التشكيلي، حصلت الشعيبية على الميدالية الذهبية للجمعية الأكاديمية الفرنسية للتربية عام 2003. في غضون ذلك، أدرج قاموس “لاروس الفن بالعالم” اسمها في طياته، كما خصص قاموس أكسفورد الدولي للأعلام، مادة تعريفية بالشعيبية طلال عرفانا بفنها وتاريخه.

في الثاني من أبريل 2004، سيفقد المغرب إحدى نساءه البارزات. امرأة بصمت تاريخ الفن التشكيلي المغربي، بموهبتها الفطرية وعصاميتها، ذلك أنها أخذته على صهوة حلمها، إلى آفاق بعيدة، أو بصياغة أبسط، إلى العالمية.

لقراءة الجزء الأول: في ذكرى وفاتها الـ15: الشعيبية طلال… حلم عصامي امتطى صهوة التشكيل المغربي إلى العالمية 2/1


[1]  عن بورتريه بعنوان “الشعيبية طلال.. فنانة حققت العالمية ورفض حداثيّو المغرب الاعتراف بها”، منشور بجريدة الاتحاد الإماراتية في 19/01/2017.
[2]  المصدر نفسه.
[3]  عن بورتريه بعنوان “المغربية الشعيبية طلال.. طفولة رسم”، منشور بموقع الجزيرة.نت بتاريخ 1َ0/04/2014.
[4]  عن بورتريه بعنوان “شخابيط الشعيبية طلال”، منشور بجريدة هسبريس الإلكترونية بتاريخ 07/04/2009.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *