×
×

أطفال المغرب في زمن العولمة… ما ماهية التربية التي بات يفرضها العصر؟ 2/2

رأينا في الجزء الأول أن مجموعة من خبراء التربية أجمعوا أن لكل زمن متغيراته التي تؤثر في تنشئة الأطفال، وأن عصر اليوم هو عصر تكنولوجيا بالأساس، كما رأينا أيضا أنه يصعب تقييم سلوكات أطفال اليوم بشكل موضوعي…

في الجزء الثاني والأخير من هذا الملف، نتعرف إلى العوامل الأخرى التي تسهم في تنشئة أطفال اليوم، وكيف تؤثر في ذلك؟ ثم الحلول المقترحة من طرف خبراء التربية، لتربية حديثة تواكب متطلبات العصر ومتغيرات المجتمع.

عوامل أخرى

بجانب ضعف دور الأسرة الذي تشدد على أهميته الفاعلة التربوية وخبيرة التربية، مليكة بنضهر، ترى الأخيرة في حديثها لـ”مرايانا”، أن هناك مؤسسات أخرى تزكي هذا الوضع، إذ انمحى دورها أو ضعف، مثل مؤسسة دور الشباب.

المتحدثة ذاتها تؤكد أنه من خلال الأطفال الذين يذهبون إلى المخيم اليوم، يمكن ملاحظة أن هناك مشكلا ما، فهؤلاء تجدهم في الغالب غير مهيئين نفسيا واجتماعيا، للتحاور مع الآخرين والتواصل معهم.

اقرأ أيضا: الفرنكفونية في المغرب، لغة أم سلاح؟

“سلوكات الأطفال اليوم ليست انحرافية كما قد يعتقد الكثيرون، بقدر ما أنها في الحقيقة، أصبحت لا تتلاءم مع تفكير الكبار وتقاليدهم وعاداتهم”.

من جهة أخرى، تشير بنضهر إلى أن المدرسة أيضا خفت دورها مقارنة مع زمن مضى، فدور الأستاذ، وهو دور معلم مربي قبل أن يكون دور معلم فحسب، تراجع بشكل ملحوظ اليوم وفق ذات المتحدثة؛ ذلك أن هاجس الأستاذ أصبح أن يقوم بإلقاء درسه فقط لا غير، بينما يفترض أن تكون التنشئة عملية تتم بالتوازي بين الأسرة والمدرسة.

بالمقابل، يرى أحمد أوزي، أستاذ علم النفس وعلوم التربية بكلية علوم التربية، في حديثه لـ”مرايانا”، أن المدرسة المغربية تعرضت وتتعرض في السنوات الأخيرة للعديد من الانتقادات التي تناولت فقط جوانب قصورها وغفلت عن ذكر جوانبها الإيجابية.

اقرأ أيضا: الفرنسية والإنجليزية في التعليم المغربي: هيمنة اللغة… لغة الهيمنة؟

لكنه من الطبيعي، وفق ذات المتحدث، أن تتعرض المدرسة اليوم لوابل من النقد الذي يرمي إلى تطويرها، وتقدمها، لما يشهده العالم من إيقاع سريع في التطور يطالب المدرسة بمواكبته وعدم التخلف عنه، ولما أصبح يطلبه الآباء من تربية كونية وحصول أبنائهم على كفايات عديدة ومتنوعة.

أما حالات العنف التي باتت تشهدها المدارس في الآونة الأخيرة، فيوضح لحسن مادي، أستاذ علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في حديثه لـ”مرايانا”، أن ما ساهم في تقريبها إلينا هي وسائل الإعلام الجديدة، فهذه السلوكات دائما ما كانت موجودة، لكن لا يجب تهويلها وتطويرها، مؤكدا أنها نادرا ما تحدث داخل المدرسة، وحين تحدث تنقلها وسائل الإعلام الجديدة في حينها فتهولها.

تربية حديثة تواكب العصر ومتغيرات المجتمع؟

الشارع وسط بيئي يتأثر به الطفل إيجابا أو سلبا ولا بد من المرور به، وحرمان الطفل من الاحتكاك ببعض مؤثراته يضعف من تكوينه وإعداده للحياة التي تعرف تنوعا، وفق أحمد أوزي.

هذا الشارع يتطور بدوره وفق لحسن مادي، والكبار دائما ما يحاولون الدفع بالطفل لكي يعيش في منظومة تقليدية كأن المجتمع لا يتغير. على هذا الأساس إذن يرى أستاذ علوم التربية، أنه ليس الأطفال من يجب أن يتغيروا، إنما على الكبار أن يقوموا بجهد كبير لفهم هذه المتغيرات لفهم حاجيات الأطفال.

اقرأ أيضا: من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: حمار التعليم وبردعة المنياري

سلوكات الأطفال اليوم وفق ذات المتحدث، ليست انحرافية كما قد يعتقد الكثيرون، بقدر ما أنها في الحقيقة، أصبحت لا تتلاءم مع تفكير الكبار وتقاليدهم وعاداتهم. لأجل ذلك، يكون من الضروري، إحداث نقلة نوعية في حياة الكبار كذلك لكي يعيشوا هذه التغيرات المجتمعية.

“من الطبيعي أن تتعرض المدرسة اليوم لوابل من النقد الذي يرمي إلى تطويرها، وتقدمها، لما يشهده العالم من إيقاع سريع في التطور يطالب المدرسة بمواكبته وعدم التخلف عنه”.

من جهته، يؤكد أحمد أوزي أن مسألة التربية والتكوين مسألة تهم جميع الفاعلين التربويين في المجتمع وليس الآباء والمسؤولين فقط. والتفكير فيها ينبغي أن يكون تفكيرا جماعيا، يغنى ويـغتنى بالآراء السديدة والمتنوعة والهادفة إلى استيعاب حاجات الحاضر واستشراف حاجات المستقبل ومتطلباته.

وينبغي، وفق أوزي، أن تكون التربية الموجهة إلى الطفل تربية تكوّن إنسانيته ووطنيته وهويته المغربية التي تقوم على عدة عناصر فيها ما هو ثابت وفيها ما هو متطور ومتغير، مؤكدا أن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو حاجة برامج تعليمنا إلى تكثيف الاهتمام بتعويد الطفل على التفكير القادر على التصدي للمشكلات وإيجاد الحلول لها والتعود على التفكير التحليلي النقدي والاهتمام بالتفكير الإبداعي الخلاق.

اقرأ أيضا: إدمان التكنولوجيا الرقمية: صناعة تستعبدنا ولها مخاطر أم أن المخاطر مجرد ادعاء؟

من جانبها، تعتبر مليكة بنضهر أن المواكبة التي يجب أن ترافق الطفل، تتكون من ثلاثي الأسرة والمجتمع والمدرسة، وهذا الثلاثي يجب أن يكون هناك رابط بين مكوناته وأن يتعزز هذا الترابط بمجموعة من اللقاءات المنتظمة، إذ لا يعقل أن المدرسة، لا علاقة لها اليوم مع التلميذ أو مع أسرته، وفق ذات المتحدثة.

في ذات السياق، يؤكد لحسن مادي أنه يجب إيجاد تصور لفضاء مدرسي يجد فيه الطفل مجموعة من الأنشطة التي يمكن أن تجعل حدا للعنف، فالعنف طاقة قوية يعبر عنها التلميذ على شكل سلوكات معينة، إما بتكسير زجاج النوافذ أو تعنيف زميله أو أستاذه، بينما يمكن للمدرسة أن توفر أنشطة مختلفة يفرغ فيها الطفل طاقته الزائدة في أمور إيجابية.

لقراءة الجزء الأول: أطفال مغرب اليوم… لكل زمن بيئته ولكل بيئة سلوكاتها! 2/1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *