×
×

من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: حمار التعليم وبردعة المنياري

كلما رأيت فيديوهات “الأستاذ المعجزة” المنياري، وتلامذته الكثر يتصايحون، وهو يعتلي الطاولة ويطل عليهم من فوق، تذكرت أيام “المسيد” حين كنا نلتف حول “نعامس”، وهو يجلس فوق أريكته، ونحن نتلاغط من …

هشام الرميلي

كلما رأيت فيديوهات “الأستاذ المعجزة” المنياري، وتلامذته الكثر يتصايحون، وهو يعتلي الطاولة ويطل عليهم من فوق، تذكرت أيام “المسيد” حين كنا نلتف حول “نعامس”، وهو يجلس فوق أريكته، ونحن نتلاغط من حوله ويرتفع صراخنا، كل منا يردد سورته التي كتبها في اللوح، ويحاول أن يسرع في الحفظ، ليجيزه الفقيه ويتحرر، ويطلق ساقيه للخارج…

كان الحفظ السريع، وعدم التوقف عند الاستظهار لتذكر الآيات أو استدعائها، هو علامة البراعة والمنجي من سوط الفقيه…

حين أغلقت الجهات المعنية معاهد المنياري، التي كان “يلقن” فيها للتلاميذ دروس الفلسفة والاجتماعيات واللغة العربية… هلل الكثيرون لهذا الإغلاق، اعتبروا أن المنياري ليس رجل تعليم حقيقي، وأن أسلوبه المعتمد على الحفظ والاستظهار، يعطل ملكة الفهم وإعمال الرأي،  ولا ينمي القدرة على النقاش والحجاج، ولا يؤدي في النهاية إلى إكساب المهارات اللازمة للتلاميذ، والتي من المفروض أنها جوهر العملية التعليمية وغايتها.

لست أدري أين توجد هذه المؤسسات، أو هذا النظام التعليمي في المغرب، الذي ينمي هذه الملكات، ولست أعلم منذ متى كانت مقرراتنا ومناهجها التعليمية، تسعى إلى تنمية هذه القدرات والمهارات وتقويتها…

ما قام به “الاستاذ المعجزة”، هو بالضبط ما تقوم به المناهج والمقررات في سعيها الحثيث إلى خلق جيل من الضباع، الأستاذ لم يأت بفرية…وكل ما فعله أنه أوجد توليفة تسهل وتسرع الحفظ والاستفراغ، وترسخه وتجعله سبيلا “للنجاح”، والعبور نحو مرحلة أخرى في التضبيع…

مقررات المواد الثلات التي ينوء بحملها التلاميذ، والطريقة التي تدرس بها في مؤسساتنا، يجعل منها موادا وضعت للحفظ، والتعامل معها ظرفيا حتى اجتياز الامتحانات،  ونسيانها مباشرة بعد تسليم ورقة الامتحان للمراقب، ثم التخلص من الدفاتر، إما ببيعها “لمول الزريعة”، أو استعمالها في المراحيض…

اعتمدت المدرسة المغربية على الحشو، وكان الاستظهار الجيد هو علامة التفوق والنبوغ، بدءا من استظهار سور القرآن دون فهمها، إلى استظهار دروس التاريخ والجغرافيا وقصائد كبار الشعراء… لم نتعود على طرح الأسئلة والتفكير، ولم ندخل في علاقة تركيبية مع النصوص، وهو ما أنتج أجيالا شبه متعلمة، يشك المرء أحيانا أنها مرت من فصول الدراسة…

إقرأ أيضا: العنف المدرسي: تنديد ورفض واحتجاج. لكن…

في مادة اللغة العربية مثلا، لم يكن التعامل مع القصائد باعتبارها قيمة شعرية وجمالية تستدعي التذوق والفهم، وتستثير ذائقة التلميذ لينفعل بها وينطلق في تحليل عوالمها، واستكناهها اعتمادا على طريقته في الفهم، وانطلاقا من بنية استقباله المعرفي الخاصة، لتفكيك محتواها الشعري وظواهرها الفنية…

فالمقررات والمناهج تجعل التلميذ دائما محاصرا بأطر مرجعية، تحدد سلفا طبيعة التلقي والمعرفة التي سينتجها بالنص… وهو ما جعل التلميذ يتجه إلى الحفظ حتى في مادة تحليل النصوص، فيصبح كل ما يفعله أثناء التحليل، هو تحديد طبيعة النوع أو التيار، ليسقط عليه كل الخصائص الفكرية والأسلوبية والبلاغية الجاهزة المميزة لهذا التيار شكلا ومضمونا، فيعاد إنتاج نفس القراءة ونفس التحليل من قبل جميع التلاميذ.

في الوقت الذي لاتزال مناهجنا التعليمية رهينة للحفظ و التلقين، تقدم دول أخرى نماذج متطورة، في تطوير ملكات القراءة والفهم والتحليل، فليس مطلوبا من التلميذ هنا أن يتذكر المعلومات أو يستظهرها ، ولكن أن يكون قادرا على الوصول إليها وفهمها واستيعابها، وهو ما تحاول أن تحققه من خلال نظام “إمتحان الكتاب المفتوح “open book exam”

أما في مادة المؤلفات، فإن المشكل كان أكبر، فقد كانت مادة للحفظ بامتياز، لم يعطَ فيها المجال للتلميذ ليجرب فهمه الخاص، وتصوراته حول النص وشخصياته، والغوص في ديناميته وتفعيلها؛ بل تم اعتماد رؤية وحيدة وتحديد علاقات ثابثة مع الروايات وشخوصها؛ بحيث لا يمكن وضع الأبطال والأحداث في فهم أو تصور آخر مغاير ومختلف مع القراءة الأكاديمية.

هذا الأمر  يحول متعة القراءة والتلقي الحر، إلى قراءة موجهة من طرف الأستاذ، ليحصل التلميذ على خلاصات نهائية، هي التي سيمتحن فيها. بذلك، يكون المطلوب منه هو الانتهاء إلى نفس الخلاصات في ورقة الامتحان، وإلا أعتبر تحليله خاطئا و “خارج الموضوع”.

في رواية غسان كنفاني مثلا، “رجال في الشمس”، والتي كانت مقررة لنا في الدورة الأخيرة من امتحانات الباكالوريا، كان لزاما علينا أن نعتبر شخصية “أبي الخيزران” شخصية وصولية، تتاجر بالقضية الفلسطينية، وتستحق منا كل الإدانة والتشنيع، رغم أنه تعرض للإخصاء بفعل انفجار عبوة ناسفة. هذا الحادث قد يكون ولد لديه حالة نفسية محبطة بعد بيع القضية وتفكير الجميع في الخلاص الفردي، الشيء الذي يمكن اعتباره مبررا لما ارتكبه من أفعال ــ وكان يمكن تطويعه ليكون كذلك ــ  وجعلني أتعاطف معه. إلا أنه كان لزاما علينا أن نتساوق مع التحليل الأكاديمي، ورؤيته للشخصية، ومن تم إعادة إنتاجها بنفس أبعادها النفسية والعاطفية.

اقرأ أيضا: الطاهر بنجلون يشرح الإسلام لابنتي

هنا بالضبط تضيع جدوى الأدب، وتضيع لذة النص، وتصبح القراءة اجترارا لقراءات نمطية، عوض إطلاق النص، وتفعيل ديناميته التي هي جوهره وخاصيته الكبرى، فيتحول من مادة للتذوق والقراءة المتعددة، إلى مادة للحفظ والاستفراغ…

الذين هاجموا المنياري، كان الأولى ان يهاجموا الوزارة والقطاع المسؤول والمتدخلين، فعوض الركوب السهل على بردعة “المنياري”، كان الأولى مهاجمة الحمار الذي يسوق قاطرة التعليم في بلادنا…

في الوقت الذي لاتزال مناهجنا التعليمية رهينة للحفظ و التلقين، تقدم دول أخرى نماذج متطورة، في تطوير ملكات القراءة والفهم والتحليل، فليس مطلوبا من التلميذ هنا أن يتذكر المعلومات أو يستظهرها ، ولكن أن يكون قادرا على الوصول إليها وفهمها واستيعابها، وهو ما تحاول أن تحققه من خلال نظام “إمتحان الكتاب المفتوح “open book exam”، الذي يسمح فيه للتلميذ بالرجوع إلى المقررات، وما دَوٌنهُ من دروس وخلاصات، بل يسمح فيه حتى باستعمال الأنترنت، وهي طريقة في الامتحان تستدعي أن يكون التلميذ مستوعبا ومحققا لفهم جيد للمادة، لأن طبيعة الأجوبة تكون استنتاجية وليست استرجاعا لمعلومات ومعطيات جاهزة، والهدف يكون هو اختبار القدرة على الفهم والتحليل، وليس الحفظ والاستظهار.

إقرأ أيضا: سناء العاجي تكتب: نماذج إيجابية، ولكن…

من هنا تتطور لديه ملكة الفهم والاستنتاج، والمقارنة والتحليل، وبالتالي بناء فكر نقدي مركب يقطع مع الجاهز واليقيني والدغمائي، وهو ما يؤدي نهاية إلى خلق أجيال متنورة، لها مناعة حقيقية ضد الاستيلاب والبرمجة وغسيل الأدمغة، لأنها لا تكتفي باستقبال المعلومات وتخزينها وترديدها، بل تعمل على تفكيكها ومناقشتها.

ما قام به “الأستاذ المعجزة”، هو بالضبط ما تقوم به المناهج والمقررات في سعيها الحثيث إلى خلق جيل من الضباع، الأستاذ لم يأت بفرية، فهو نفسه صنيعة لذات المنهج التعليمي، وكل ما فعله أنه أوجد توليفة تسهل وتسرع الحفظ والاستفراغ، وترسخه وتجعله سبيلا “للنجاح”، والعبور نحو مرحلة أخرى في التضبيع…

الذين هاجموا المنياري، كان الأولى ان يهاجموا الوزارة والقطاع المسؤول والمتدخلين، فعوض الركوب السهل على بردعة “المنياري”، كان الأولى مهاجمة الحمار الذي يسوق قاطرة التعليم في بلادنا…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *