×
×

سناء العاجي تكتب: نماذج إيجابية، ولكن…

نشرت جريدة “ليكونوميست” المغربية في عددها ليوم الجمعة 3 غشت 2018 تقريرا عن خمس طلبة مغاربة نجحوا في امتحان الولوج للمدارس العليا الفرنسية بتفوق. بل وأكثر من ذلك، فقد سجل …

نشرت جريدة “ليكونوميست” المغربية في عددها ليوم الجمعة 3 غشت 2018 تقريرا عن خمس طلبة مغاربة نجحوا في امتحان الولوج للمدارس العليا الفرنسية بتفوق. بل وأكثر من ذلك، فقد سجل الخمسة أول النقط على الدفعة بأكملها. الأول على الدفعة، وهو رياض بنباكي من مدينة الراشيدية، حصل على معدل استثنائي وصل إلى 14،29.

كم من الشباب أمثال رياض ويحيى وعبد الحفيظ ووليد ومحمد يتوفرون على طاقات هائلة، سواء في الدراسة أو الرياضة أو الفن أو في ميادين أخرى، تهدر طاقاتهم على عتبات اليأس، في إطار نظام تعليمي وتأطيري وتوجيهي، لا يدعم إمكانياتهم ولا يشجع مواهبهم وطاقاتهم؟

باقي الطلبة (يحيى السوالي من بنمسيك بالدار البيضاء، عبد الحفيظ السويلمي من آسفي، وليد جبور من فاس ومحمد ملحو من تنغير) حصلوا على معدلات عامة تتراوح بين 12،29 و13،39. هذا ليس كل شيء، فالنقط التي حصل عليها الطلبة الخمسة تترجم معدلات لم يحصل عليها أحد في امتحانات الولوج للمدارس الكبرى الفرنسية، وذلك منذ سنة 2008.

دائما حسب ليكونوميست، فإن أعلى النقط المحصل عليها بين 2008 و2017 في امتحانات الولوج للمدارس الكبرى الفرنسية، لم تتجاوز معدل 10،90.

هؤلاء الشباب ينتمون لأسر متوسطة وتعرض أغلبهم لصعوبات في الحصول على التأشيرة لاجتياز المباراة؛ ولولا تدخل مؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط لمساعدتهم في الحصول على التأشيرة وإجراء المباراة، لربما ضاعت فرصتهم في إحراز هذا التفوق ولتعثر مستقبلهم بشكل كبير.

في هذا الخبر الكثير مما يدعو للفخر… لكن فيه أيضا تفاصيلا تدعو للكثير من الحزن والألم.

الفخر لأن شبابا من عمق المغرب المتوسط يتفوقون في إحدى أهم الاختبارات التعليمية في المنطقة؛ بل ويحققون نتائج استثنائية لم يتم تحقيقها منذ سنوات؛ مما سيوفر لهم نجاحا مهنيا في المستقبل.

والألم والحزن لأن…

هؤلاء الشباب يمثلون نموذجا لطاقات أخرى متميزة تهدر عبر نظام تعليمي لا يوفر لها فرص التفوق والتميز. كم من الشباب أمثال رياض ويحيى وعبد الحفيظ ووليد ومحمد يتوفرون على طاقات هائلة، سواء في الدراسة أو الرياضة أو الفن أو في ميادين أخرى، تهدر طاقاتهم على عتبات اليأس، في إطار نظام تعليمي وتأطيري وتوجيهي، لا يدعم إمكانياتهم ولا يشجع مواهبهم وطاقاتهم؟

من جهة ثانية، فهذا التفوق يطرح دور المؤسسات الاقتصادية الكبرى في دعم الطاقات المبدعة. مؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط قامت بدور إيجابي في حالة هؤلاء الشباب، وهذه مبادرة إيجابية تستحق عليها التنويه. لكن شركات كبرى أخرى يجب أن تمؤسس دعمها للطاقات الشابة عبر منح دراسية أو عبر آليات أخرى تساعد من يملك الطاقات والكفاءات، ولا يملك بالضرورة الإمكانيات لتحقيق التفوق والنجاح الذي يستحقه.

النقط التي حصل عليها الطلبة الخمسة تترجم معدلات لم يحصل عليها أحد في امتحانات الولوج للمدارس الكبرى الفرنسية، وذلك منذ سنة 2008.

في نفس الوقت، علينا أن نعترف أن المبادرات الفردية للآباء أو لبعض المؤسسات التعليمية أو حتى للشركات الكبرى، لا يمكن أن تعوض دور الدولة التي تسجل فشلا فظيعا في مجموعة من القطاعات، أهمها القطاع التعليمي (نظام التنقيط، التوجيه، المقررات المدرسية، المنهجية التعليمية، إلخ).

التفصيل الموجع الأخير الذي تطرحه أمامنا هذه التائج المميزة، هو أننا نستفيق على بعض إعلام تعود أن يقف أمام أبواب المدارس ليصطاد النماذج السلبية لتلاميذ اتكاليين، يفضلون الغش، يمارسون العنف اللفظي، يعبرون عن مستوى تعليمي بئيس. لكن كاميرات تلك المنابر لا تلتقط النماذج “العادية” لتلاميذ لعلهم نجحوا أو رسبوا في الامتحان، لكنهم يتحدثون بشكل طبيعي عن امتحاناتهم، عن الصعوبات التي واجهوها، عن تطلعاتهم المستقبلية، إلخ.

ولكنها خصوصا لا تتوقف عند هذه النماذج المتميزة التي قد تكون نادرة، لكنها تستحق أن تصبح النموذج الذي نقدمه ونفتخر به. ببساطة لأنها نماذج لا تقدم ذلك “المضمون” الفضائحي الذي تركض خلفه المنابر المعنية.

هكذا، نضيع بين إعلام رسمي يبدع في ثقافة “قولو العام زين” وبين إعلام “حر” فضائحي يصطاد في المياه الملوثة. بينما في المغرب أشياء كثيرة تستحق أن نطرحها للنقاش بشكل رصين وجدي.

اقرأ أيضا: ISCAE، ما يقارب المليونان وثمانمائة وسبعون ألف درهم قد يأخذها المعهد دون وجه حق

 

ملحوظة: اتضح لنا لاحقا أن هؤلاء الطلبة الخمسة قد بلغوا المراتب التالية في الترتيب النهائي: 3، 12، 18، 19 و22 من بين 40 متباري أجنبي أجروا مباريات ولوج المدارس الكبرى، وذلك خلافا لما ورد في مقال ليكونوميست الذي يشير لاحتلالهم المراتب الخمس الأولى. كما أن طلبة مغاربة آخرين يوجدون في نفس الترتيب، ولم تذكر أسماؤهم في المقال أعلاه.
بالتأكيد، هذا لا يلغي تفوق هؤلاء الطلبة في اختبار صعب (لأن التأهل في اختبار لا ينجح فيه إلا أربعون أجنبيا ليس بالأمر الهين)؛ ولا يلغى كفاءاتهم الأكاديمية ونتائجهم التي تبقى متميزة بالنظر لصعوبة وأهمية الامتحان. كما أن هذا لا يلغي مختلف خلاصات المقال أعلاه. لكن المهنية تقتضي منا الاعتذار على كوننا اعتمدنا في تحليلنا على مقال أعطى جزءا من الحقيقة فقط، دون أن نتأكد من الكل.
تعليقات

  1. ليلى

    التحية عالية لمريانا ولكل من ورائها بالخصوص سناء العاجي. تخيلوا لو كل نساء المغرب بكل هذا الوعي، امر مستحيل.

  2. موحى

    جميل حزين . لو أعطيت الأهمية المطلوبة للمدرسة العمومية لكثر مثل هؤلاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *