×
×

إدمان التكنولوجيا الرقمية: صناعة تستعبدنا ولها مخاطر أم أن المخاطر مجرد ادعاء؟

رأى كثير ممن قرؤوا رواية الكاتب البريطاني جورج أورويل، “1948”، أنها رفض لما يتعرض له الفرد من قهر في العصر التكنولوجي الحديث. كانت روايته هذه، وفق البعض، تحذيرا مما سيأتي …

رأى كثير ممن قرؤوا رواية الكاتب البريطاني جورج أورويل، “1948”، أنها رفض لما يتعرض له الفرد من قهر في العصر التكنولوجي الحديث. كانت روايته هذه، وفق البعض، تحذيرا مما سيأتي به المستقبل، ما لم يقف الناس على حقيقة الوسائل التكنولوجية قبل فوات الأوان.

اليوم، وبعد أزيد من نصف قرن على صدور هذه الرواية، يمكن أن نلمس ما يكفي من الأمثلة في العالم، عما كان يحذر منه أورويل، وإن بشكل أكثر تطورا، لاعتبار فارق هذه السنين الطويلة.

أول ما يطالعنا في هذا الصدد، وهذا هو موضوع الملف، الإدمان على التكنولوجيا الرقمية إلى حد قد يبلغ “العبودية”.

ماذا لو علمنا أن مؤسسي الشبكات الاجتماعية، مثلا، لا يستخدمونها؟

إدمان التكنولوجيا- كما يمكن تعريف أي نوع آخر من الإدمان ، يقصد به حالة الحرمان التي يعيش فيها الفرد، إذا لم يتمكن من الوصول إلى منتجات التكنولوجيا التي أدمن عليها.

لقد بلغ الأمر، أيضا، حد استحداث مصطلحات جديدة من قبيل “نوموفوبيا”؛ أي رهاب فقدان الهاتف المحمول، كنسيانه في المنزل أو نفاذ شحن بطاريته أو الوجود في منطقة لا تغطية فيها.

اقرأ أيضا: “استخدام المغاربة للشبكات الاجتماعية… حينما يصبح الافتراضي واقعا!”

لكن؛ فيما يرى البعض أن لإدمان التكنولوجيا عواقبا نفسية واجتماعية غير محمودة على الأفراد، يرى آخرون أن هذه مجرد ادعاءات وخرافات، لا أساس لها في الأبحاث العلمية من صحة.

فهل تستعبدنا التكنولوجيا في عصرنا هذا؟ أم أن استخدامنا لها، مهما بذلنا فيه من أوقاتنا، محمود النتيجة ولا يؤثر فينا، سواء نفسيا أو اجتماعيا؟

إدمان التكنولوجيا الرقمية… صناعة تستعبدنا؟

لا يختلف اثنان على أن للتكنولوجيا الرقمية فوائد كثيرة، فهي تقرب المسافات وتقلص الزمن، تساعد على التواصل، كما أن لها وظائف أخرى كالترفيه والتنوير وما إلى ذلك، لكن… ماذا لو بلغ الأمر حد الإدمان؟

على سبيل المثال، كشفت دراسة حديثة نشرتها “أوفكوم[1]” أن المجتمع البريطاني يواجه معدلات إدمان كبيرة على التكنولوجيا؛ ذلك أن المواطن البريطاني العادي يتحقق من هاتفه الذكي كل 12 دقيقة، كما يتصل بالأنترنت 24 ساعة في الأسبوع.

هذه الأرقام توضح بجلاء نفاذ التكنولوجيا إلى حياتنا على نحو طاغ… وهي، وإن كانت تقتصر على المجتمع البريطاني، فإن الباحثين، ولغياب الإحصائيات في دول عديدة، يقرون بأن مشكلة الإدمان على التكنولوجيا مشكلة عالمية؛ ذلك أن الأخيرة ليست حكرا على دولة بعينها أصلا.

لكن؛ ماذا لو علمنا أن مؤسسي الشبكات الاجتماعية، مثلا، لا يستخدمونها؟

اقرأ أيضا: “الشبكات الاجتماعية: فقاعة تشوه نظرتنا إلى العالم؟ 3/3”

وفق وكالة بلومبيرغ للأنباء، فإن مؤسس فيسبوك، مارك زوكربيرغ، لديه فريق خاص لإدارة صفحته الشخصية. المدير المالي لتويتر، نيد سيغال، يكتب أقل من تغريدتين في الشهر. مؤسس آبل، ستيف جوبز، كان يمنع أطفاله من استخدام أجهزتها مطلقا.

تقارير: يتم تطوير تطبيقات الهواتف الذكية على نحو يجعلنا نستخدم الهاتف بشكل قسري.

في الواقع، تشير بعض التقارير إلى أنه يتم تطوير تطبيقات الهواتف الذكية على نحو يجعلنا نستخدم الهاتف بشكل قسري، وذلك عبر الاعتماد على هرمون الدوبامين “المسؤول عن الشعور بالإدمان”، من خلال تنشيطه ومكافأته.

الصوت الذي يخطرك بالحصول على إعجاب جديد بالفيسبوك، مثلا، وذلك القرص الأحمر الذي يحيط بالتنبيه لوجود رسائل جديدة، مقصودان؛ إذ يفترض أن ينشطا الدماغ من أجل الحصول على مكافأة “من الذي أُعجِب؟”، لكنهما حتما يفرزان معدلات دوبامين أكثر من تلك المفروزة بعيد انكشاف المكافأة.

من جهة أخرى، يرى الخبراء أن استخدام الهواتف في الحصول على المعلومات، قد يتسبب في ما يسمى بفقدان الذاكرة الرقمية. بعبارة أخرى؛ لن تحتفظ الذاكرة بمعلومة طالما تعرف أنها ستحصل عليها بنقرة من الهاتف.

وهذا غيض من فيض…

اقرأ أيضا: “هكذا تستقطب التنظيمات المتطرفة الانتحاريين عبر الشبكة العنكبوتية”

لمواجهة ذلك؛ شكل موظفون سابقون في فيسبوك وغوغل في فبراير من سنة 2018 تحالفا باسم “مركز التكنولوجيا الإنسانية”، يهدف إلى محاربة الإدمان على التكنولوجيا وتأثيرها السلبي.

أحد مؤسسي التحالف واسمه تريستان هاريس، أكد في تصريح صحفي أن “جميع شركات التكنولوجيا تحقق الأرباح من خلال الحفر في أدمغتنا، وذلك باستخدام تقنيات التلاعب للحفاظ علينا مدمنين”.

مخاطر إدمان التكنولوجيا الرقمية… “ادعاء غير مبرر”؟

في مقال[2] له، يبين كريستوفر فيرغسون، أستاذ علم النفس بجامعة ستيسون[3]، أن نقاش مقاومة إدمان التكنولوجيا، يمثل “فزعا أخلاقيا من شأنه أن يوفر منبرا لادعاءات مخيفة قائمة على أدلة وبيانات ضعيفة”، مضيفا أن “معظم هذه الادعاءات المثيرة للرعب عن التكنولوجيا ليست سوى هراء”. (نفس التصور يطرحه مقال الحسن الوادعي على مرايانا: ثورات الإعلام والمعلومات التي لا تنتهي).

فيرغسون: “المشاكل الحقيقية المرتبطة بالتكنولوجيا، تتعلق بالخصوصية، مثلا، كما أن على الناس أن يوازنوا بين استخدام التكنولوجيا والجوانب الأخرى في حياتهم”.

فيرغسون يرى أن الادعاء الذي يقول إن استخدام التكنولوجيا يستثير نفس مناطق المتعة في المخ التي تستثيرها المخدرات صحيح بعض الشيء؛ لكنه كـ”مقارنة قطرات ماء متساقطة بشلال كبير”؛ ذلك أن إدمان التكنولوجيا “يرفع معدلات الدوبامين عن المستوى الطبيعي في حدود 100 بالمائة، بينما ترفعها المخدرات حتى 1200 بالمائة”.

اقرأ أيضا: “الشبكات الاجتماعية… فضاءات حرة لسلطة مضادة عمادها المواطنون! 1\3”

ليس هناك إلى اليوم أي تشخيص طبي نفسي رسمي مرتبط بإدمان التكنولوجيا، وفق فيرغسون. الأخير يؤكد أن “البيانات الحالية لا تدعم تشخيص إدمان التكنولوجيا باعتباره مرضا مستقلا، وأن الادعاء بوجود أزمة وكارثة أو مقارنتها بتعاطي المواد المخدرة ليس مبررا على الإطلاق”.

بالمقابل، من المؤكد، يقول الخبير النفسي، أن المشاكل الحقيقية المرتبطة بالتكنولوجيا، تتعلق بالخصوصية، مثلا، كما أن على الناس أن يوازنوا بين استخدام التكنولوجيا والجوانب الأخرى في حياتهم.


[1]  الهيأة التنظيمية للاتصالات في بريطانيا.
[2]  عن موقع theconversation.com، ترجمة فريق ترجمة موقع ميدان الجزيرة.
[3]  الولايات المتحدة الأمريكية.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *