×
×

استخدام المغاربة للشبكات الاجتماعية… حينما يصبح الافتراضي واقعا!الفيسبوك المغربي.. هروب من هنا والآن، ورغبة في عرض الذات!

في شتى المواضيع، في جل المجالات، لم يعد رأي المغاربة يخفى على أحد، كيف ذلك؟ كل يوم تدخل فيه إلى “الفيسبوك”، هناك نقاش جديد يشغلهم، كل حسب مستواه الثقافي والسياسي، …

في شتى المواضيع، في جل المجالات، لم يعد رأي المغاربة يخفى على أحد، كيف ذلك؟ كل يوم تدخل فيه إلى “الفيسبوك”، هناك نقاش جديد يشغلهم، كل حسب مستواه الثقافي والسياسي، كل له رأي، حتى باتت الشبكات الاجتماعية، “بعبعا” يعضد من قوة الشعب، ويؤرق بال المسؤولين.

حتى داخل الفيسبوك نفسه، هناك تحولات مثيرة! لم يعد الوسم/الهاشتاغ وحده المعبر الرسمي عن التوجه الجماعي لرواد الفضاء الأزرق، بل تطور الأمر إلى ظاهرة بارزة، تتجلى في البث المباشر.

المستخدمون المغاربة أصبحوا لا يكتفون بالتعبير الكتابي، إنما تجاوزوا ذلك إلى بث فيديوهات شخصية يتحدثون فيها عن مواضيع تشغل بالهم، تنتشر كالنار في الهشيم بين الصفحات، وسرعان ما يتحول الكثير منها إلى نقاشات تتصدر الرأي العام.

الإحصائيات تترجم حقيقة الواقع الافتراضي الجديد في المغرب، دراسة حديثة للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، أكدت أن 15 مليون مغربي يستخدمون الأنترنت، 53 بالمائة منهم يستخدمونه يوميا، و35 بالمائة منهم مرة على الأقل في الأسبوع.

من جانبه، التقرير الذي صدر عن قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب، في الإمارات، سنة 2015، بعنوان “وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي”، كشف عن كون “الفيسبوك” و”الواتساب” يعدان الأكثر استخداما في المغرب بنسبة 86 بالمئة، يليه “اليوتوب” بنسبة 68 بالمائة.

“القضية” تشعل الفيسبوك  

عديدة هي القضايا التي “تشعل الفيسبوك”. عنوان لا يمر عدد صحيفة ما، إلا وتجده في ثنايا صفحاته، ما لم يتصدر الصفحة الأولى. “الفيسبوك” أضحى مصنعا حقيقيا للأخبار. الطريقة التي تتناسل بها مساهمات المستخدمين في النقاش مثيرة للانتباه، مع أن الظاهرة الفيسبوكية تتميز بالذاكرة القصيرة، فكل موضوع مستجد يلغي الآخر.

آخر النقاشات التي شغلت حيزا مهما داخل الفضاء الأزرق، معاشات البرلمانيين. بين عشية وضحاها، صار الموضوع واسع الانتشار، لم يكتف المستخدمون في تداوله بالنقاش العقلاني فقط، بل تعدى ذلك إلى فيديوهات ساخرة، يظهر فيها أشخاص يجمعون تبرعات مالية للبرلمانيين.

العوامل التي تسهم في ذلك متعددة. هامش الحرية الواسع، منسوب الجرأة المرتفع، يجعلان هذه المنصات صعبة المراس، تتجاوز محددات الممارسة الحزبية التي يجدر بها أن تؤطر المواطنين سياسيا، وتضرب الخطوط الحمراء المفترضة، عرض الحائط.

بل إن الحديث عن رقابة تحف هذه المنصات، أيا كان نوعها، يجعل الدولة في مرمى توصيف “الدولة الاستبدادية”، وتصبح عرضة لنيران التقارير الدولية التي تدافع عن حرية الرأي والتعبير.

حركة 20 فبراير التي أفضت إلى دستور جديد؛ قضية مقتل سماك الحسيمة التي أدت إلى احتجاجات ميدانية واسعة بالحسيمة؛ قضية دانيال كالفان التي أفضت إلى دخول القصر على الخط وإقالة مندوب إدارة السجون؛ قضية فتاتي إنزكان التي أدت إلى تداول وسم “صايتي حريتي” و”التنورة ليست جريمة”، لتنتهي ببراءة الفتاتين؛ الدعوة إلى مقاطعة منتوجات حيوية شهدها المغرب مؤخرا؛ كل هذا غيض من فيض يشهد على قوة تأثير “الفيسبوك” في المغرب.

آخر النقاشات التي شغلت حيزا مهما داخل الفضاء الأزرق، معاشات البرلمانيين. بين عشية وضحاها، صار الموضوع واسع الانتشار، لم يكتف المستخدمون في تداوله بالنقاش العقلاني فقط، بل تعدى ذلك إلى فيديوهات ساخرة، يظهر فيها أشخاص يجمعون تبرعات مالية للبرلمانيين.

اقرأ أيضا: “سناء العاجي: كلكم شركاء في الجريمة…”

لكن هناك أسئلة تفرض نفسها هنا، هل يفهم المغاربة شتى المواضيع حتى يتحدثوا في جميعها؟ أم أن ذلك يدخل في عداد عرض الذات؟ ما منطلقات وخلفيات تفاعل المستخدم المغربي في الفيسبوك ضمن مساهمته في النقاش؟ “الفيسبوك” يكتسب قوته في المغرب من مستخدميه، فهل لمساهمتهم في النقاش، تأثير وحظوة، أيا كان نوعها دون اعتبار لكيفها؟ أم أن تناسل الحديث في موضوع محدد، يكسبه زخما كميا سرعان ما يتحول إلى نقاش يفرض نفسه؟

صحيح أن ذلك يدخل ضمن خانة ممارسة حرية الرأي والتعبير، لكنه مع ذلك يستدعي البحث عن إجابات!

هروب من الهُنا والآن!

يرى مصطفى الشكدالي، الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي، في تصريحه لـ”مرايانا” أن خطورة التواصل الرقمي تكمن في كونه تواصل عن بعد؛ أي أن القرب لا يهم بقدر ما يهم التواصل مع أشخاص آخرين، وإن بروابط رقمية وليس بتلك المعروفة في المجتمع، كروابط الدم والقرابة والصداقة وغيره.

الإدلاء بالرأي في موضوع معين، وفق الشكدالي، قد يكون هروبا من هنا والآن، لأن المحيط الذي يعيش فيه المستخدم لا يمكّنه من الإدلاء به بوجه مكشوف. العالم الرقمي يتيح الدخول متنكرا، حتى إن كان باسم حقيقي. الناس يتوهمون أن الافتراضي افتراضي، بينما هو في الحقيقة فقط تواجد عن بعد، بل إنه أصبح يعزز الواقع.

الشبكات الاجتماعية وفق ذات المتحدث تسمح للناس بالانخراط في التداول الاجتماعي، وفي الإدلاء بآرائهم، أحيانا في مواضيع “طابو” لا يمكن الخوض فيها وسط الأسرة أو الأصدقاء.

الترباوي: “منطلقات التفاعل والإدلاء بالرأي في هذه الشبكات تختلف باختلاف دوافع البشر الفطرية، كالبحث عن مزيد من الشهرة، ونيل إعجاب الجانب الآخر، والتذاكي، والرغبة الحقيقية في التغيير، وضرب الخصم، والدفاع عن مصالح، وغيره كثير”.

الشكدالي يوضح أن الفرضية التي يمكن أن تشرح لنا هذه التفاعلات، هي أننا نعتبر الآلة مخيالا؛ أي نعتقد أن الشيء المحتمل وغير المحقق هنا والآن هو أجود وأحسن، لذلك فالروابط الاجتماعية عبر الوسائط الرقمية، يدخل فيها الخيال على الخط، لأن أغلب المستخدمين، لا يدركون بأنه واقع لكونك تتواصل مع أناس حقيقيين حتى وإن بأسماء مستعارة.

اقرأ أيضا: “حزن الظن: معركة وادي المخازن أو عندما يَصُمُّ رنين الذهب عقل التاريخ”

من جهة أخرى، إذا ذهبنا إلى “الفيسبوك”، نجد ما يسمى بـ “Statut”، هذه الكلمة تعني “الدور”، فالإنسان إذا لم يستطع في الحياة الواقعية أن يقوم بدور خاص به بالمفهوم السوسيولوجي، يبحث عن دور افتراضي. ونجد كثيرا من الناس أصبحوا بهذه الطريقة مشهورين وأصبح لهم وضع اجتماعي عبر الافتراضي، وفق ذات المتحدث.

إبداء للرأي وعرض للذات!

استعمالات المواقع الاجتماعية أصبحت بمثابة عرض للذات، وفق ما أفاده الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي، مصطفى الشكدالي، لـ”مرايانا”، مضيفا أن المستخدم في آخر المطاف حتى وإن أدلى برأيه، فهو يدلي به وفي نفس الوقت يقوم بعرض لذاته وكأنه يريد أن يقول: “أنا مناضل، أنا لدي موقف”، ومن ثم، فإن هذه الوسائط خلقت أيضا مشكل الهوية الاجتماعية الرقمية.

من جانبه، يؤكد حمزة الترباوي، وهو صحفي مهتم بالشبكات الاجتماعية، أن مواقع التواصل تعاني من متلازمة معلومة/رأي، إذ ضمنت مساحة واسعة للتعبير لكنها بالمقابل سمحت بنشر المعلومة دون مصدر أو دليل على ناشرها الأول؛ ومع ذلك، لا يتورع المغاربة عن تقديم رأيهم وسط معلومة قد تكون صحيحة أو مغلوطة.

الشكدالي متسائلا: “أين هو الواقع؟ هل هو الواقع الافتراضي أم الواقع الذي وقعت فيه الأحداث؟ على سبيل المثال، في المجتمع المغربي، يمكنك أن ترى شابا وشابة يقبلان بعضهما، لكن لم يصبح الأمر مشكلا إلا حينما نشرت قبلة الناظور، وكأن الافتراضي أصبح هو الواقع الحقيقي”.

ذات المتحدث يضيف لـ”مرايانا”، أن منطلقات التفاعل والإدلاء بالرأي في هذه الشبكات تختلف باختلاف دوافع البشر الفطرية، كالبحث عن مزيد من الشهرة، ونيل إعجاب الجانب الآخر، والتذاكي، والرغبة الحقيقية في التغيير، وضرب الخصم، والدفاع عن مصالح، وغيره كثير.

فاقد الشيء لا يعطيه !

يرى الشكدالي أن المجتمع المغربي مجتمع نكتة وسخرية، لذلك لا غرابة أن ينعكس ذلك على تعامله مع التكنولوجيا الرقمية، فالنكتة التي كانت تحكى بشكل شفهي في جماعات قريبة جدا بطريقة حميمية، أصبحت الآن تحكى في “الفيسبوك” بالصور والفيديوهات.

اقرأ أيضا: “اختطاف الأطفال والرضع.. ظاهرة تولد أم مجرد حالات معزولة لا تدعو للقلق؟

لكننا في بعض الحالات حينما نتحدث عن المضامين والتبادلات الرقمية في السياق المغربي، وفق ما يفيده الأستاذ الباحث في علم النفس الاجتماعي لـ”مرايانا”، سنجد أننا لا زلنا في مرحلة البحث عن البوز وعرض الذات ونداءات الاستغاثة المتعددة والسب والقذف وما إلى ذلك.

فاقد الشيء لا يعطيه، وهذه المضامين الرقمية في السياق المغربي، كشفت إن صح التعبير وفق الشكدالي، عوراتنا. بمعنى أن إدراكنا الاجتماعي محدود في بعض الحالات، لذلك نلاحظ تناسلا للسب والقذف في بعض المنشورات والتعليقات.

لكن التساؤل الذي يطرح هنا، أين هو الواقع؟ هل هو الواقع الافتراضي أم الواقع الذي وقعت فيه الأحداث؟ على سبيل المثال، في المجتمع المغربي، يمكنك أن ترى شابا وشابة يقبلان بعضهما، لكن لم يصبح الأمر مشكلا إلا حينما نشرت قبلة الناظور، وكأن الافتراضي أصبح هو الواقع الحقيقي، ويجب أن يظهر الأمر على الفيسبوك حتى يتدخل المعنيون، مع العلم أن المشكل حدث في الواقع!

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *