هل تعلّم العَالمُ الدّرسَ من حروبه؟ 3/3 - Marayana - مرايانا
×
×

هل تعلّم العَالمُ الدّرسَ من حروبه؟ 3/3

إذا نظرنا على امتداد التاريخ إلى وتيرة نشوب الحروب، سنرى أن تواترها في العصر الحديث قد انخفض مقارنة مع أي عصر آخر… انخفضت فيما تصاعد العنف داخل الدول نفسها. كانت …

إذا نظرنا على امتداد التاريخ إلى وتيرة نشوب الحروب، سنرى أن تواترها في العصر الحديث قد انخفض مقارنة مع أي عصر آخر… انخفضت فيما تصاعد العنف داخل الدول نفسها.

كانت هذه إحدى خلاصات الجزء الأول من هذا الملف، بينما تابعنا في الجزء الثاني منه تطور دوافع الحروب، كما يقدمها العالم الأمريكي ريتشارد نيد ليبو، في كتابه “لماذا تتحارب الأمم؟”.

فهل تعلم العالم الدرس من حروبه، التي يبدو أنها ترافقه كما لو أنها لعنة؟ هل ثمة أمل في أن يهنأ العالم ويخلد يوما ما إلى سلام أبدي؟ ذاك ما سنحاول الإجابة عنه في هذا الجزء، الثالث والأخير، اعتمادا على ذات الكتاب.

أخذ الرأي العام منذ قرنين أو ثلاثة يعارض الحرب على نحو متزايد… منذ عام 1894، كان الشاعر الأمريكي رالف إمرسون، على ثقة كافية ليعلن أن “الحرب تلفظ أنفاسها الأخيرة”، وأن السلام العالمي “يعد أمرا مؤكدا مثل هيمنة الحضارة على الهمجية”.

كانت الحروب المحدودة بين الأسر المالكة، التي ميزت أوروبا طوال القرن الـ18، قد عفا عليها الزمن بفعل الثورة الفرنسية، ثم بنهاية القرن الـ19، رأى كثير من المراقبين أن احتمال نشوب حرب بين القوى العظمى قد صار ضئيلا.

اقرأ أيضا: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

الواقع أن ظهور علم الاقتصاد الحديث لعب دورا بارزا في إدراك الدول بأن زيادة ثرواتها، ليس من الضروري أن تأتي على حساب دول أخرى، من خلال شن حروب على بعضها البعض.

هكذا، كتب الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو في القرن الـ18 أن “السلام هو الأثر الطبيعي للتجارة”، وقال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إن “روح التجارة لا تتفق مع الحرب”، فيما كتب الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل في القرن الـ19، أن “التجارة هي ما يعمل بسرعة على جعل الحرب شيئا من الماضي”.

ثمة ثلاثة اتجاهات ذهبت فيها الحرب اليوم: انخفاض في التواتر الإجمالي للحرب، وزيادة في شدة فتكها، ونمو مطرد في المشاعر المناهضة للحرب.

بيد أن كل ذلك، كان وهما تحطم بفعل الحرب العالمية الأولى!

كانت الحرب العالمية الأولى كارثية مقارنة بسابقاتها، إذ جزت حياة نحو 9.4 مليون مقاتل، وعرضت ملايينا أكثر للتشويه الجسدي أو النفسي، ناهيك عن وفاة أكثر من مليون مدني بسبب الجوع أو الإبادة العرقية أو المرض.

كانت لتداعياتها عواقب ثقافية وفكرية بالغة العمق… ومع ذلك، ما لبث العالم أن دخل حربا عالمية ثانية، كانت أشد كارثية من الأولى، إذ بلغ عدد قتلاها أزيد من خمسين مليون شخص.

اقرأ أيضا: ماذا تعرف عن “جهنم”؟ فكرة الجحيم ما قبل الديانات السماوية 2/1

ثم كان يمكن للحرب الباردة أن تؤول إلى كارثة لا تحمد عقباها، لكنها لم تتحول إلى حرب ساخنة إلا في المناطق النائية والحدودية وحروب بالوكالة.

أما اليوم، فيمكن أن نخلص وفق ريتشارد نيد ليبو، إلى أنه ثمة ثلاثة اتجاهات ذهبت فيها الحرب: انخفاض في التواتر الإجمالي للحرب، وزيادة في شدة فتكها، ونمو مطرد في المشاعر المناهضة للحرب.

نعم، يبدو وفق ريتشارد نيد ليبو أن الخطابات المؤيدة للحرب قد فقدت مصداقيتها بالحرب العالمية الأولى، بالرغم من أنها كانت بحاجة إلى حرب عالمية ثانية للقضاء عليها.

العالم اليوم أصبح أكثر أمانا مما كان عليه في أي زمن سابق، لكن الشعور المناهض للحرب ما هو في أحسن الأحوال، إلا شرط ضروري، لكنه غير كاف أبدا لتحقيق السلام.

هكذا، يرى البعض أن الحرب تتراجع، لا لأنها ليست ممكنة أو جذابة، وإنما لأن شعوب وقادة العالم المتقدم، حيث كانت الحرب متوطنة فيما مضى، اكتشفوا أكثر من أي وقت مضى أن الحرب مثيرة للاشمئزاز، سخيفة وغير حكيمة.

عموما، يشير المتفائلون إلى “شفرة السلام” أو “العهد العالمي”، كتعبيرات توصف بها القيود والقواعد والالتزامات الإجرائية والاحترازية، التي بدأ تطبيقها في عشرينيات القرن الماضي، وتم تعزيزها في فترة ما بعد الحرب.

من بين ذلك الحظر الذي نشأ حول الأسلحة النووية، أو على الأقل العرف الذي يقضي بعدم استخدامها.

اقرأ أيضا: هل كل المستشرقين ذوو نوايا سيئة؟ 2\2

يلوح المتفائلون بتعلم البشرية مما يعتبر الآن تاريخا مأساويا. النجاح الذي حققته المجتمعات في تحريم الرق مثلا والتقدم المحرز باتجاه المساواة بين الأعراق وبين الجنسين، إضافة إلى إنشاء المؤسسات المتعددة الأطراف والعابرة للقارات، يوحي بالتفاؤل.

الاتحاد الأوروبي كمثال، يقدمه ريتشارد ليبو، أسهم في التوفيق بين فرنسا وألمانيا، ودمج اقتصادات الدول الأعضاء، والتخلص من كثير من الحدود الوطنية، وتشجيع الديمقراطية في جنوب أوروبا، وتعزيز التنمية في أطراف القارة.

فمع أن ثمة كثير ممن ينتقدون الاتحاد الأوروبي، إلا أنهم يتفقون اليوم أن احتمال نشوب حرب في غرب أوروبا، هو نفسه احتمال نشوبها بين الولايات المتحدة وكندا.

كخلاصة، العالم اليوم أصبح أكثر أمانا مما كان عليه في أي زمن سابق، لكن الشعور المناهض للحرب ما هو في أحسن الأحوال، إلا شرط ضروري، لكنه غير كاف أبدا لتحقيق السلام.

اقرأ أيضا: من فلسطين، عامر أبو شباب يكتب: المرأة الفلسطينية.. وجع مختلف ومعاناة متجددة

هكذا، ينتهي ريتشارد نيد ليبو إلى أن تاريخ الحروب ودراستها لا تكشف إلا تضمينات مبهمة بخصوص مستقبل الحرب… ما بين متشائم ومتفائل، ثمة فرضيات عديدة، نادرا ما تكون قابلة للتقييم التجريبي!

لقراءة الجزء الأول: الحرب… لعنة البشرية؟ 3/1

لقراءة الجزء الثاني: الحرب… لعنة البشرية؟ 3/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *